“……آه.”
نعم ، صحيح. كنتُ قد نسيتُ تمامًا.
في الأصل، كان سبب خروجي إلى الحديقة هو البحث عن قطعة الخريطة المخفيّة هنا.
كنتُ مشوَّشة الذهن إلى درجة أنّني لم أفكّر في ذلك ، لكن عليّ أن أبحث عنها أوّلًا.
‘ما دامَت نافذة النظام قد ظهرت ، فلا بدّ أنّه غرضٌ ضروريّ.’
لوّحتُ بالشمعدان الفولاذيّ الصلب ، الذي لم تنطفئ ناره رغم تركه بإهمال ، و بدأتُ أفتّش المكان من حولي.
حينها ، لمعَ أمام عينيّ شيءٌ ما ، و ظهر سهمٌ على الأرض.
و سهم أحمر فاقع إلى درجةٍ يستحيل تجاهلها.
مهما نظرتُ إليه ، كان المعنى واضحًا: اتبعيه.
و إن كانت هناك مشكلة واحدة.
‘لماذا…… لماذا يشير السهم إلى البرج……؟’
كان طرف السهم الأحمر الواضح موجّهًا نحو البرج الذي ترقد فيه الحاكمة.
‘حقًّا ، يا له من جنون.’
تسارعت أنفاسي من شدّة التوتّر.
لا يبدو أنّها ستفتح عينيها فجأة دون سابق إنذار ، لكنّني ببساطة لا أريد رؤية ذلك الكائن الغريب مرّةً أخرى.
و مع ذلك ، في ظلّ هذا التوجيه الصريح ، لم يكن بوسعي تجاهله ، فتنهّدتُ و تبعتُ السهم.
‘هل هو بسبب اللون؟ أشعر و كأنّ الأرض مغطّاة بالدماء.’
كان المكان مريبًا أصلًا ، و الآن يزداد شعوري سوءًا.
و بما أنّ السهم كان يشير بوضوحٍ إلى البرج ، رفعتُ نظري و أسرعتُ الخطى.
و حين وقفتُ أمام مدخل البرج ، لاحَت لي ، من داخل الظلال القاتمة ، قدمٌ شاحبة غريبة الشكل.
و كان الطرف الحادّ للسهم يشير إلى داخلها.
“……هاه.”
مهما فكّرتُ في الأمر ، أشعر أنّني سأندم إن دخلتُ ، فهل هذا مقبول؟
رغمَ أنّني كنتُ قد فكّرتُ قبل قليل أنّه لم يعد لديّ ما أعتمد عليه سوى نافذة النظام ، فإنّ تردّدي الآن يبدو محرجًا ، لكن حدسي سيّئ للغاية.
و بينما كنتُ أحدّق بعنادٍ في الألواح الخشبيّة ، ظهرت نافذة النظام مجدّدًا.
[قطعة خريطة دير لاترِي موجودة في الداخل. استرجِعها.]
‘يكفي أن أدخل ، أليس كذلك…؟’
كان الفراغ بين الألواح الخشبيّة ضيّقًا جدًّا ، و يبدو أنّ عليّ نزعها أوّلًا.
و لحسن الحظّ ، لديّ مِعول ، لذا لن يكون الأمر صعبًا.
و بعد أن أطلقتُ عدّة تنهّداتٍ أخرى ، و خطوتُ خطوةً إضافيّة إلى الأمام ، حدث ذلك.
[قطعة خريطة دير لاترِي موجودة في ذلك ✗ المكان. استرجِعها✗.]
[قطعة ✗✗ دير ✗✗ موجودة ✗ ✗. ✗✗✗ها.]
[✗✗✗ ✗✗✗ ✗ ✗✗ ✗✗✗ ✗ ✗✗ ✗✗✗✗. ✗✗✗✗✗✗]
ظهرت ثلاث نوافذ نظام بسرعة ، كأنّ خطأً أصابها ، ثمّ اختفت.
لكنّني رأيتُ ذلك بوضوح.
كانت النافذة الأخيرة مغطّاة بالكامل بحروف x.
‘لا يجب أن أدخل. هذا غير جيّد.’
لا أفهم ما الذي يحدث.
لكن حتّى دون أن أفهم ، لستُ من النوع الذي يُقدِم بعنادٍ على فعل ما يُقال له ألّا يفعله!
حتّى لو كانت قطعة الخريطة فعلًا في الداخل ، فما زال أمامي الكثير لأجمعه.
يمكنني العودة لاحقًا بعد استعادة أشياء أخرى ، فهي لن تختفي.
لذا قرّرتُ مغادرة هذه الحديقة المقيتة أوّلًا.
و تراجعتُ خطوةً إلى الخلف.
و في اللحظة نفسها تقريبًا.
تحرّكت قدم الحاكمة ، التي بالكاد كانت تُرى خلف الظلام ، حركةً دقيقة للغاية.
“…….”
لقد تحرّكت.
أنا متأكّدة.
شعرتُ بقشعريرةٍ تسري في عنقي ، و انتصب شعر جسدي كلّه.
لو لم أكن قد اعتدتُ على المشاهد المرعبة ، لكنتُ صرختُ و سقطتُ أرضًا.
تجمّدتُ في مكاني ، عاجزةً عن التنفّس ، و لم أحرّك سوى عينيّ.
كانت القدم الشاحبة ، التي تميل إلى الزرقة أكثر من البياض ، طويلةً و حادّة ، و حين دقّقتُ النظر ، لم يكن لها سوى أربعة أصابع.
رأيتُ بوضوح أحدها يتحرّك ، لكن الآن لم يكن هناك أيّ أثرٍ للحركة.
و مع ذلك___
‘لم يكن وهمًا ، و لم أُخطئ الرؤية.’
أثناء تجوالي في الدير ، و أنا أشعر و كأنّني أصبحتُ مجرّد شخصيةٍ إضافيّة في لعبة رعب ، عانيتُ كثيرًا من الأشياء التي تقفز فجأة.
و لهذا ، لم يكن أمامي خيار سوى أن أكون حسّاسةً جدًّا للأصوات و الحركات ، و هذا ما يحدث الآن أيضًا.
لو دخلتُ البرج بحثًا عن قطعة الخريطة وفق تعليمات نافذة النظام ، فربّما كان سيحدث شيءٌ أفظع و أكثر رعبًا من الموت.
كأن تستيقظ الحاكمة فعلًا ، على سبيل المثال.
‘……كنتُ أظنّ أنّ نافذة النظام من صُنع سحري ، لكن يجب أن أكون حذرة.’
الأمر الذي وجّهني نحو البرج ، و الذي منعني من الدخول في الوقت نفسه ، كانا كلاهما من نافذة النظام نفسها.
و كما فكّرتُ قبل قليل ، ما دامت ذاكرتي لم تعد كاملة بعد ، فلا يزال الشيء الوحيد الذي يمكنني الاعتماد عليه هو نافذة النظام.
لكن، في الوقت نفسه ، قرّرتُ أن أتجنّب الأمور إن كان حدسي سيّئًا.
فقد أطلق تحذيرًا حادًّا قبل قليل أيضًا.
‘هنفلين ، أيّها الإنسان اللعين…….’
تذكّرتُ والدي بالتبنّي ، الذي كان يتألّم و كأنّ جسده كلّه يحترق داخل جحيمٍ من النار ، فعضضتُ على أسناني و استدرتُ.
ثمّ ، متجاوزةً روين و فينسترنيس الغارقَين في نومٍ عميق ، دخلتُ الممرّ السرّيّ دون تردّد.
كان صوت المعول ، الذي أجرّه كما من قبل ، يحتكّ بأرضيّة الحجر و يُصدِر جلبةً معدنيّة.
لكن وسط ذلك الضجيج ، امتزج صوتُ خطواتِ شخصٍ ما.
و لم يأتِ الصوت من الخلف ، بل من الأمام.
‘هل هو ذلك المؤمن بلا رأس؟’
يبدو أنّ جرأتي قد ازدادت فعلًا.
قبل قليل ، كنتُ خائفةً من النظر إلى الخلف ، أمّا الآن ، بعد أن عرفتُ أنّ الحاكمة نائمة في البرج ، لم أعد أشعر بشيءٍ يُذكر.
توقّفتُ أوّلًا ، ثمّ التصقتُ بالحائط قدر الإمكان ، و دفعتُ المِعول إلى الأمام.
كان الدفع أكثر إزعاجًا من الجرّ ، لكنّ هذا يتيح لي الردّ فورًا.
‘هيا ، اظهر!’
سأمزّقك إربًا.
و بينما كنتُ أتمتم و أتقدّم بلا تردّد ، رأيتُ شيئًا ما يترنّح خارجًا من الظلام.
توقّفتُ ، و ضيّقتُ عينيّ ، و حدّقتُ إلى الأمام.
شدَدتُ قبضتيّ على المِعول و الشمعدان ، لكنّ الظلّ الذي يقترب كان صغيرًا جدًّا.
كان بحجم فينسترنيس تقريبًا.
لكن ، من بين البشر أو الكائنات الأخرى داخل الدير الآن ، لم يكن هناك أحدٌ صغير مثل فينسترنيس.
‘هل يُعقل……؟’
هل استيقظ بسبب حملي له قبل قليل ، و جاء ليمنعني؟
لكنّني كنتُ قد تأكّدتُ من أنّه نائم قبل دخولي إلى هنا.
“…….”
بما أنّني أرى ساقين ، فهو ليس أسمير (الرأس) ، و لا فريسينغير (النصف العلوي من الجسد).
و بمجرّد أن اعتبرتُه كائنًا مجهولًا ، تصاعد توتّري فجأة.
و بينما كنتُ أبتلع ريقي و أحافظ على وضع الاستعداد ، اتّضح شكل القادم و هو يشقّ نور الشمعدان.
شَعرٌ أقرب إلى الأبيض منه إلى الفضّي ، و عينان ذهبيّتان لامعتان كعيني قطّ ، و بشرةٌ بنّيّة___
أي أنّه فتى يشبه فريسينغير تمامًا.
نظر الفتى ، صاحب العينين الحادّتين ،إلى وجهي ، ثمّ ابتسم ابتسامةً ماكرة.
“أنا جائع.”
“…….”
من طريقته في الكلام ، يبدو أنّه فريسينغير نفسه فعلًا.
“قلتِ لي : عندما أشعر بالجوع ، اذهب إليكِ. لذلك جئـت.”
لم يكتفِ بسيلان لعابه ، بل كان الجنون يلمع في عينيه أيضًا ، ممّا يدلّ على شدّة جوعه.
كنتُ أتذكّر أنّني قلتُ له أن يأتي إليّ ، لكنّني لم أتوقّع أن يفعل ذلك حقًّا ، فشعرتُ ببعض الارتباك.
أرخيتُ قبضتي ، و أطلقتُ الزفير الذي كنتُ أحبسه ، ثمّ سألته:
“لم تهاجم الآخرين ، صحيح؟”
“نعم. لقد تحمّلتُ.”
“هذا جيّد. أحسنت. لكن…… ألا تشعر أنّ حجمك صار أصغر بكثير ممّا كان عليه حين رأيتُك سابقًا؟”
“كان الدخول إلى هنا صعبًا ، فصغرتُ.”
“لم أكن أعلم أنّ لديكَ موهبة التصغير أيضًا.”
و بينما كنتُ أجيبه بلا تفكير ، أدركتُ شيئًا.
ربّما لم يكن قد صغر ، بل هذا هو شكله حين واجه الموت.
الأطفال المرشّحون كفراخٍ رأيتُهم عبر الهلوسات كانوا جميعًا صبيانًا و فتيات.
و عندما أخبرني فينسترنيس عن فريسينغير ، قال أيضًا: ‘الحاكمة تحبّ الصغير و الجميل.’
بهذا المنطق ، يمكن فهم سلوكه الذي يبدو طفوليًّا من حيث العمر العقليّ.
و فوق ذلك.
‘قال إنّه كبر بسرعةٍ كبيرة ، و كان يتم تجويعه كلّ يوم.’
لا أعلم لماذا يطلب الدم ، لكن من الواضح أنّ الجوع هو السبب.
انحنيتُ قليلًا عند الخصر ، و قلتُ لفريسينغير:
“هذا المكان غير مريح ، فلنخرج إلى الخارج أوّلًا. يبدو أنّك دخلتَ من جهة القبو ، أليس كذلك؟ هل ما زال مير هناك؟”
“نعم. كان منزعجًا جدًّا.”
“……و بخلاف التذمّر ، هل قال شيئًا آخر؟”
هزّ فريسينغير رأسه.
يبدو أنّ كليهما لا يعرفان بعد أنّ روين جاء للبحث عنّي.
‘يجب أن أُخفي الأمر بأيّ ثمن.’
إن عرف أسمير أنّ روين نائم في الحديقة ، فسيهرع إليه بحماسٍ لا شكّ فيه.
و إن سمع من روين أو فينسترنيس مَنٔ أكون ، و ما الذي فعلتُه ، فسيأتي ليقتلني فورًا.
‘و حتّى إن تجاوزتُ هذه اللحظة ، فماذا سأفعل بعدها؟’
كان هذا العالم مليئًا بأشياء عديدة تهدّد حياتي…..
التعليقات لهذا الفصل " 112"