لامست شفتاه مؤخرة عنقي.
طوال هذه الفترة ، كلّما اقترب روين منّي أو اضطررنا إلى التلامس ، كان قلبي يخفق بدلالةٍ سلبيّة.
دائمًا ما كان الأمر مخيفًا و مثقلًا بالنفور ، لكن الآن امتلأتُ بمشاعر الحنين و الذنب إلى حدٍّ أربكني و جعلني لا أعرف كيف ينبغي أن أتصرف.
و في خضمّ ذلك ، شعرتُ بعنقي يبتلّ برطوبةٍ خفيفة.
‘هـ ، هل هو يبكي……؟’
روين ، الذي يبدو كأن عينيه لن تذرفا قطرة ماء واحدة حتّى لو تمّ وخزهما بإبرة أو نُثر فيهما الرمل ، كان يبكي.
تحرّكت ذراعاي دون وعي.
عانقتُ ظهره العريض، ولم أكرّر سوى الاعتذار ، رغمَ أنّني لا أتذكّر أصلًا ما الذي أخطأتُ فيه.
ثمّ ، حين ظهرت نافذة النظام أمام عينيّ ، ظننتُ بلا شكّ أنّها مجرّد تحذير ناتج عن الارتفاع الكبير في مستوى إعجاب روين و محبّته.
لكن.
[يبدو أنّ راية ‘النهاية 15—فتاة الجحيم’ قد رُفعت!]
[يبدو أنّ راية ‘النهاية 16—فتاة النسيان’ قد رُفعت!]
الذي ظهر كان رايات نهاياتٍ جديدة.
نهايات من المتوقع أن تكون بالغة السوء.
“…….”
حبستُ أنفاسي بصمت ، ثمّ أنزلتُ ذراعيّ بهدوء.
حتّى في هذا الموقف يحاول النظام وضعي في خطر.
سأجنّ فعلًا.
لو لم أكن قد تذكّرتُ مَنٔ أكون ، لكنتُ شتمتُه و اعتبرته شيطانًا ، لكنّني الآن لم أشعر سوى بالمرارة.
كان روين في الأصل طفلًا لطيفًا و حنونًا بحقّ.
و لا بدّ أنّني في الماضي ارتكبتُ بحقّه خطأً لا يُغتفر.
‘لكن هذا شيء ، و ذاك شيء آخر!’
لقد مررتُ بكمٍّ هائل من اليأس و الرعب.
إلى حدّ أنّني ، لعجزي عن تحمّل حقيقة أنّ الموت لا يمنحني مهربًا ، محوتُ ذاكرتي بنفسي.
‘قد أكون قلتُها عشوائيًّا ، لكنّني متأكّدة.’
فكّرتُ الشيء نفسه حين كنتُ أتحرّك مع ريد و جين.
‘ليلي’ كانت تعرف أنّها ستموت.
و بعد أن تولد من جديد و يمرّ بعض الوقت ، تستعيد ذكريات حياتها السابقة بسبب حادثٍ ما ، فتبتعد عن أصدقائها و تغدو خاملًا.
‘يبدو أنّ الأمر تكرّر في كلّ تناسخ ، لكن في المرّة الماضية و هذه المرّة ، تمّ محو الذكريات بالكامل.’
أنا لستُ ‘ليلي’.
ألم يكن ذلك نوعًا من آليّة دفاع؟
ربّما ظهور نافذة النظام أو الخيارات ، كما لو كان كلّ شيء لعبة ، كان من أجل منع الانهيار في المنتصف.
‘ففي الواقع ، كنتُ أتحمّل الوضع لأنّني ظننتُه لعبة.’
لكن ما لا أزال أجهله هو لعبي في المرّة الأولى.
لم يكن هلوسة و لا تنبؤ.
لقد كان أمرًا رأيته و عشته فعلًا.
و إن لم يكن لعبة ، فلا يمكن تفسيره إلا بأنّ الزمن قد عاد إلى الوراء.
‘هل أنا أملك مثل هذه القوّة؟’
أم أنّها قوّة شيءٍ آخر ، لا علاقة لي به؟
ما دامت ذاكرتي لم تعد كاملة ، فلا يزال كلّ شيء لغزًا.
لكن ، كما هو الحال دائمًا ، لم يكن الوقت مناسبًا للانشغال بما لا يمكن معرفته الآن ، بل للتركيز على ما هو أمامي.
أي ، روين.
‘لا بدّ من حلّ الأمر هنا و الآن ، بأيّ طريقة.’
روين يكرهني و في الوقت نفسه يكنّ لي مشاعر.
و لهذا كان مستعدًّا لقتلي بلا تردّد متى سنحت الفرصة ، و مع ذلك لم يرفض البقاء معي.
لكن حتّى أصل إلى سماع مشاعره الحقيقيّة في هذا التناسخ ، مررتُ بعددٍ لا يُحصى من المنعطفات.
حقًّا ، بعددٍ مقزّز منها___
إن لم أفكّ العقدة المتشابكة الآن ، فلا يمكنني توقّع كيف سيتصرّف في التناسخ التالي.
“……روين.”
أخذتُ نفسًا واحدًا عميقًا ، ثمّ ناديتُه بهدوء.
لم يأتِ ردّ ، و لا حتّى حركة خفيفة ، لكن من خلال أنفاسه السطحيّة عند عنقي أدركتُ أنّه ينتظر كلماتي.
لديّ الكثير ممّا أريد قوله ، لكن أوّل ما خرج كان اعتذارًا.
“أنا آسفة. لأنّني لا أتذكّر شيئًا.”
الواقع مجنون إلى درجة أنّني ما زلتُ أريد تصديق أنّني لستُ ‘ريبلي’.
لكنّني كنتُ مثل روين تمامًا.
رغمَ أنّني كنتُ أراه مخيفًا ……إلا أن مشاعر الشوق و الحبّ و التعلّق تلاحقني معه.
لو لم أكن ريبلي حقًّا ، لما شعرتُ بمثل هذه الأحاسيس.
و الدليل الأوضح هو نافذة النظام ، التي لا بدّ أنّها متعلّقة بسحري.
كنتُ أعمل على التقرّب من روين.
كنتُ أحاول البقاء إلى جانبه ، و أقول له كلامًا لطيفًا ، كلّ ذلك لكسب ودّه.
‘لم يكن هناك أصلًا شيء اسمه مسار الصداقة.’
حتّى دون ذاكرة ، كنتُ أريد أن أحـبّ روين.
ظلّ روين بلا ردّ ، لكنّي تابعتُ الكلام بهدوء.
“لا أعرف الآن لماذا قتلتُكَ ، و لا لماذا خنتُكَ. لكن بالنظر إلى ما أشعر به الآن من ذنبٍ و حنينٍ طاغيين ، أظنّ أنّني كنتُ نادمةً فعلًا. ثمّ__”
“…….”
“……رغم أنّني أعلم أنّك تحاول قتلي حتّى الآن ، لا تخطر ببالي فكرة الهرب أو إسقاطكَ أرضًا.”
كانت الكلمات التي قلتها بتردّد صادقة.
لا أريد أن أموت ، لكنّني أيضًا لا أشعر بأنّ عليّ الفرار بكلّ ما أوتيت من قوّة.
كنتُ إنسانةً معقّدة ، متشابكة الغرائز و العقل و الذاكرة إلى حدٍّ يجعلني أتنهد من نفسي.
حتّى بعد أن كشفتُ عمّا في قلبي ، لم ينتهِ الصمت.
ظلّ روين دافنًا وجهه في عنقي ، و كان فينسترنيس صامتًا هو الآخر.
ثمّ فجأة ، غاصت أسنانٌ في عنقي بقوّة.
“آه!”
اندفعت آلام لاذعة مع إحساسٍ مرعب بشقّ اللحم ، و شعرتُ بالدم ينساب في اللّحظة التي صرختُ فيها و تيبّس جسدي.
ارتفعت في داخلي رغبة غريزيّة في الرفض ، لكنّني لم أقاوم.
لا أعرف لماذا صار روين و فراخ الطيور الأخرى يتعطّشون لدم البشر.
.…أشعر و كأنّ ما أعرفه أقلّ ممّا أجهله ، لكن لا بدّ أنّ لهذا أيضًا سببًا.
‘ربّما له علاقة بما هو مختوم هنا.’
مهما بدا روين في غاية النشوة كلّما شرب دمي ، لا أظنّ أنّه يفعل ذلكَ لأنّه يريد حقًّا.
بقيتُ ساكنة ، أحمل ثقةً و محبّةً تجاه روين.
و بعد أن مرّ بعض الوقت ، رفع روين رأسه.
شممتُ عند طرف أنفي رائحة وردٍ كثيفة.
حين رفعتُ يدي لا شعوريًّا ، كان الجلد نظيفًا و كأنّ الجرح قد التأم بالفعل.
و كان روين يعضّ شفتيه ، و وجهه محمرّ.
“روين؟”
لم يأتِ ردّ ، حتّى حين ناديتُه بالاسم.
تردّدتُ أمام مظهره غير المطمئن ، ثمّ سألتُ مجدّدًا.
“هل كان طعم دمي غريبًا؟”
بحسب ذكرياتي عن ‘المطوّر’…… أي عن اللعبة التي تنكّرت بها ذاكرتي ، يصبح الدم ألذّ كلّما زاد الخوف.
لكنّني الآن لم أكن أشعر بأيّ مشاعر سلبيّة ، لذا قد يكون الطعم مختلفًا.
و مع ذلك ، لم يُجب روين هذه المرّة أيضًا ، بل راح يحرّك عينيه بقلق.
و أمام ذلك ، خطر لي احتمالٌ فسألتُ سؤالًا آخر.
“هل… كان لذيذًا إلى هذا الحدّ؟”
كان مجرّد ‘احتمال’.
فوجهه كان محمرًّا إلى هذا الحدّ ، و يبدو عليه شيءٌ من الخجل.
لكنّ روين انتفض كمَن أُصيب ، ثمّ غطّى فمه بظهر يده ، بنفس التعبير الذي ظهر عليه حين لمستُ صدره.
“……حقًّا؟”
شعرتُ بالإحراج أنا أيضًا.
تحوّل الجوّ المشحون بالموت فجأة إلى شيءٍ فاتر ، لكنّ ذلك لم يدم سوى لحظة.
ساورني إحساسٌ خطير.
و بمجرّد أن تراجعتُ خطوةً إلى الوراء بغريزتي ، تشكّلت حفرة في المكان الذي كنتُ أقف فيه.
و تحتها ، كانت نيرانٌ حمراء تتراقص.
[‘ريبلي’ تفادت أن تصبح ‘مشويّةً كاملة’……]
……و مع ذلك ، حين أرى أنّني لا أكره روين حتّى الآن ، أجد نفسي أفكّر بأنّني أنا أيضًا مجنونة إلى حدٍّ لا بأس به.
التعليقات لهذا الفصل " 110"