أوّل ما طفا على السطح كان مشهد معبدٍ قديم مألوفٍ على نحوٍ غامض.
ثمّ اختلطت دفعةً واحدة أصوات عددٍ لا يُحصى من الناس ، حتى بات من الصعب تمييز صاحب كلّ صوت.
“لقد مرّت أربعُ سنواتٍ منذ أن جاءت هذه الطفلة إلى هنا ، و لا يبدو أنّ والديها سيأتيان للبحث عنها ، فلنمنحها اسمًا قريبًا.”
“ليلي ، هذا اسم جيّد ، و معناه الزنبق.”
“شكرًا لأنّكِ نظّفتِ المكان بإتقان اليوم أيضًا ، ليلي.
“حقًّا إنّها طفلةٌ صالحة.”
“هيه ، ليلي! هناك مَنْ يرغب في تبنّيكِ!”
“آه ، هل هذه هي الطفلة؟ إنّها جميلة فعلًا.”
“هل تفهمين يا ريبلي؟ من الآن فصاعدًا ، اعتبريني والدكِ.”
“نحن سنستدعي الحاكمة على هذه الأرض من أجل السعادة الأبديّة ، و جسدكِ جسدٌ ثمين يجب أن يستقبل الحاكمة.”
“هل تخافين من الدير؟ كلّ هذا بسبب ضعف مبادئك. ابقي في غرفة العقاب إلى أن آذن لكِ بالخروج.”
“كيخ ، ككِيك…… كك…….”
“هـ ، هينفلين قال إنّه لا يجب أن نكلّمكِ!”
“جائع…… جائع ، جائع. جائع.”
“ريبلي، لا تقتربي كثيرًا من فراخ الطيور.”
“أنتِ ، من تكونين؟”
“أين ذهب أخي……؟”
“مرّةً أخرى لا تطيعين الأوامر و تتصرفين من تلقاء نفسك!”
“……وجهي يؤلمني. ماذا سيحدث لي الآن؟”
“ليلي.”
“ريبلي.”
وسط دوّامة الأصوات المختلفة ، العالية منها و الخافتة ، الواضحة و المشوَّشة ، كان آخر ما سمعته صوت روين ، متداخلًا مع الواقع.
رفعتُ رأسي و أنا أتصبّب عرقًا باردًا ، كأنّني استيقظتُ من كابوس.
كان روين ، الذي كان جالسًا بجانبي ، قد نهض في وقتٍ ما وأصبح واقفًا أمامي ، يحدّق بي.
“كانت أربع مرّات.”
عند سماعي هذه الكلمات المبتورة ، أطلقتُ زفيرًا طويلًا كنتُ أكتمه.
خشيتُ ما قد يتبعها من كلام.
قضمتُ شفتي دون أن أُخفي توتّري.
كان نفسي يتسارع ، و عددُ رمشاتي يزداد ، بل حتّى دقّات قلبي ، بينما فتح روين فمه بهدوءٍ غريب.
“عدد المرّات التي قاومتِ فيها بجنونٍ لتحاولي النجاة.”
“…….”
“في المرّة الأولى ، تعرّفتِ عليّ و بكيتِ. قلتِ إنّكِ آسفة ، ثمّ أنهيتِ حياتكِ بنفسكِ.”
لم يكن ينقل قصّةً من الماضي ، بل كان ينظر إليّ كأنّه يسألني: هل أنتِ تتذكّرين؟
تدفّقت المشاهد التي وصفها روين إلى ذهني المشوّش ، فشعرتُ ببؤسٍ خانق.
و لم يمنحني روين وقتًا لالتقاط أنفاسي ، بل تابع:
“في المرّة الثانية ، لم تصدّقي أنّكِ وُلدتِ من جديد. تجاهلتِني و أنا أتظاهر بأنّي صديقكِ ، و حين علمتِ أنّني لستُ الوحيد المحتجز هنا ، اخترتِ الموت مرّةً أخرى.”
كما في المرّة السابقة ، عادت الذكريات واضحةً أمام عيني.
أمّا الثالثة ، فقد خطرت ببالي قبل أن ينطق بها روين.
“.…هربتِ من القرية. لم تصلي بعيدًا ، إذ ظهر فرسانٌ من مكانٍ ما ، و طاردوكِ على ظهور الخيل و هم يصرخون بالإمساك بالساحرة ، ثمّ طُعنتِ بالرمح و…….”
أُحرقت حيّـة.
كانت الفكرة التي خطرت ببالي عفويًّا هي بالضبط ما حدث لـ’ليلي’ ، أي لي أنا.
نسيتُ الألم ، لكن الإحساس المرعب باختراق الجسد كان شيئًا لا أريد اختباره مرّةً أخرى أبدًا.
و في خضمّ ذلك ، ذكر روين المرّة الرابعة و الأخيرة.
“الأولى و الثانية انتهتا بانتحاركِ ، و الثالثة قُتلتِ فيها. أمّا الرابعة ، فقد رأيتُكِ تحاولين جاهدَةً أن تعيشي. بقيتِ إلى جانبي بلا توقّف.”
نعم ، كان الأمر كذلك.
كما أفعل الآن و أنا أطارده لرفع مستوى الإعجاب ، تعلّقتُ به بعنادٍ شديد.
ثمّ تظاهر روين بأنّه سامحني ، قبل أن يحوّلني إلى لحمٍ مفروم.
“بعد أربع مرّاتٍ فقط ، تحطّمتِ.”
“أربع مرّات فقط؟!”
اعترضتُ دون وعي ، لتخترقني نظرةٌ حادّة.
“نعم ، فقط!”
ما إن غيّرتُ كلماتي سريعًا حتّى خفّت حدّة البرودة.
كنتُ خائفةً لدرجة أنّني بالكاد أستطيع الكلام. لم يكن هكذا في الأصل.
استعدتُ ذكرياتي طبيعيًّا و أنا أستمع إلى روين ، لكنّني ما زلتُ أشعر بالدوار.
فذكريات كوني ‘ريبلي’ لم تعد إليّ إلا جزئيًّا ، و كذلك ذكريات الحيوات الأخرى.
كان الأمر أشبه بسماع قصّة شخصٍ آخر ، بعيدةً عنّي.
الصدمة كانت حقيقيّة ، فعرقي لم يتوقّف و يدي كانت ترتجف.
و مع ذلك ، و على نحوٍ غريب ، كان قلبي هادئًا.
‘و فوق ذلك ، قيل أنني قتلتُ روين ، لكنني لا أتذكّر ذلك إطلاقًا. كما أنني لم أتذكر لا وباء الدير ، و لا هيجان الحاكمة…….’
ما بقي واضحًا في ذهني هو أنّ أبي بالتبنّي ، هينفلين ، كان وغدًا ، و أنّني كنتُ أحـبّ روين بشدّة.
نعم ، أحببتـه بشدّة.
إلى درجة أنّ مجرّد رؤية وجهه الآن تملؤني بالشوق و الحنين و المحبّة ، فيخفق قلبي بعنف.
“…….”
يبدو أنّ روين لاحظ نظرتي المريبة ، فقطّب حاجبيه.
“لا تنظرِي إليّ هكذا…هذا مقرف.”
“و أنا أيضًا لستُ مرتاحة! لا أعرف السبب ، لكنّي أدركتُ أنّ ذاكرتي لم تكن مكتملة حتّى الآن. و مع ذلك ، لا يزال الأمر كذلك.”
“……هل ما زلتِ تنوين الكذب؟”
“أنا لا أكذب حقًّا! مهما فكّرتُ ، يبدو أنّ هناك سببًا ما. حسب كلامكَ ، أنا كنتُ أتذكّر حيواتي السابقة دائمًا ، أليس كذلك؟ لكن هذه المرّة ، إلى أن أخبرتني أنتَ ، كنتُ أؤمن بأنّني تجسّدت في جسـد ‘ليلي’. ألم يحدث شيءٌ مشابه من قبل؟”
عقدتُ ذراعيّ ، و لمستُ شفتي و ذقني بيدٍ واحدة متظاهرةً بالتفكير.
و بينما تحرّكتُ بضع خطواتٍ و كأنّني أغوص أعمق في التفكير ، اخترقني صوت روين فورًا.
“ما زلتِ تفعلين هذا. حين يصبح الوضع ضدّكِ ، تبتعدين بخبث.”
“…….”
شعرتُ بنذير خطر. رغم أنّني ابتعدتُ خطواتٍ قليلة فقط ، كان الإحساس سيّئًا ، فسارعتُ بالعودة إلى مكاني.
كان نظر فينسترنيس ، الجالس بلا حراكٍ و لا صوت ، مزعجًا للغاية.
[‘ريبلي’ تفادَت ‘التفكيك(ㅇ[—[)’……]
و مع ظهور نافذة النظام فورًا ، أطلقتُ نفسًا مرتجفًا.
روين يريد قتلي في هذه اللحظة.
و مع ذلك ، ما زال يترك لي هامشًا ، على ما يبدو لأنّه يريد معرفة سبب قتلي له في حياةٍ سابقة.
‘……و أنا أيضًا أريد أن أعرف.’
قال روين إنّني منحتُه الثقة ، و منحتُه الأمل ، و جعلتُه يحلم بالمستقبل.
و هذا ينطبق عليّ أيضًا.
لا أعلم حقًّا ما الذي ينبغي فعله.
تفحّصني روين بنظرةٍ جافّة ، ثمّ أجاب عن سؤالي السابق.
“في المرّات السابقة ، كنتِ تستسلمين للموت ببلادة. و حتّى في تجسّدكِ الأخير ، تصرّفتِ كما تفعلين الآن. كنتِ تعلمين أنّني خطر ، و مع ذلك لم تتذكّريني حقًّا.”
“إذًا ، أليس من الأفضل أن نكتشف السبب أوّلًا……؟”
“و بأيّ طريقة؟”
“بـ…… حسنًا؟”
“…….”
انسكبت نيّة القتل من عينيّ روين.
في الماضي ، كان يضحك لو قلتُ شيئًا كهذا___
ابتسمتُ ابتسامةً متكلّفة ، و سارعتُ بإضافة:
“أظنّ أنّ للأمر علاقة بكوني ساحرة. ربّما حذفتُ ذكرياتي بنفسي لحماية عقلي؟”
كنتُ أقولها بلا تفكير ، لكن حين نطقتُ بها بدت مقنعةً للغاية.
“أو ربّما أنا شخصٌ آخر ، يعتقد خطأً أنّه ريبلي!”
“….ها أنتِ تعودين لتفوهّي هراء. قلتُ لكِ ، روحكِ هي نفسها. كيف لي أن أُخطئ فيكِ؟”
قد تبدو عبارةً رومانسيّة حسب الموقف ، لكن للأسف ليس هذا هو الحال.
لم أقل ذلك عبثًا للهرب من المأزق ، بل عن قناعةٍ حقيقيّة.
“اسمعني يا روين. هذا العالم لا يعرف مفاهيم نافذة النظام أو الألعاب. و مع ذلك ، كنتُ مقتنعةً تمامًا بأنّني أصبحت شخصيّة إضافية في لعبة. أليس هذا غير منطقي؟”
“لا ، بل هو منطقي. روحكِ رأت آثار عالمٍ آخر. سواءً انتحرتِ ، أو توسّلتِ إليّ ، أو حاولتِ مغادرة القرية ، لم تستطيعي الإفلات من مصيركِ الملعون. لذلك حاولتِ الهرب إلى عالمٍ مختلف تمامًا ، لكنّكِ فشلتِ.”
و لهذا ، همس روين ، تحطّمتِ بعد أربع مرّاتٍ فقط.
كانت كلماته مقنعةً إلى حدٍّ مخيف ، فتجمّدتُ في مكاني.
اقترب روين منّي ، و هو يرسم ابتسامةً مشوّهة ، ثمّ انحنى.
تدفّق نَفَسه الحارّ و صوته الخافت إلى أذني.
“لو لم تكوني ريبلي حقًّا ، لكنتُ أكرهكِ إلى حدّ أرغب فيه بخنقكِ حتّى الموت…… و مع ذلك ، لا يمكن أن تكوني محبوبةً إلى هذا الحدّ.”
التعليقات لهذا الفصل " 109"