كان هواء الليل باردًا ، لكنّني كنتُ أتصبّب عرقًا باردًا بغزارة.
كلّما كشفتَ طبقةً ، ظهرت طبقاتٌ أخرى ، و لم يكن الأمر مقتصرًا على الدير فحسب ، بل على ‘ليلي’ أيضًا.
كان قلبي يخفق بعنفٍ لمجرّد رؤية نظرة روين الحادّة ، و في خضمّ ذلك اخترقني صوت فينسترنيس.
“ريبلي.”
“…….”
“……أنا ، أعرف هذا الاسم.”
[انخفضت درجة صداقة ‘فينسترنيس’ إلى 0]
[ [☆]الإعجاب: 103→5
[★]الصداقة: 163→0 ]
انهارت درجات الإعجاب و الصداقة التي رفعتها بشقّ الأنفس في لحظةٍ واحدة.
كانت نافذة النظام تُظهر أنّ الصداقة فقط ستنخفض إلى 0 ، لذلك ارتبكتُ للحظة عندما انخفضت الإعجاب معها.
‘لكن هذا منطقيّ ، أليس كذلك؟ يبدو أنّ أمله بي قد خاب.’
إن فكّرتُ بإيجابيّة ، فكونها أصبحت 5 ، أو لنقل بقاء درجة 5 أصلًا ، يُعدّ حظًّا جيّدًا.
كنتُ أعلم أنّ فينسترنيس ، إذا تجاوزت درجة الإعجاب عنده الصداقة بعشر درجاتٍ أو أكثر ، فسوف يتفعّل المسار الرومانسي.
كان رأسي على وشك الانفجار أصلًا ، و لم تكن لدي طاقة للاهتمام بذلك أيضًا.
‘المشكلة هي ، هل سأخرج من هذه الأزمة بسلام أصلًا….؟’
حتّى لو لم تتغيّر أرقام حب روين و إعجابه ، لم يكن ذلكَ مدعاةً للاطمئنان.
كنتُ قد أغفلتُ حقيقة أنّ الأرقام المخفيّة بعلامات الاستفهام قد تكون في الواقع قريبةً من الصفر إلى حدٍّ مخيف.
لو كنتُ أعلم أنّ الأمور ستصل إلى هذا الجواب ، لكنتُ واصلتُ التظاهر بالجهل.
‘ليت أحدًا يقول شيئًا……’
كنتُ متوتّرة إلى درجةٍ شعرتُ معها أنّ دمي يجفّ.
تضخّم شعوري بالقلق مع فكرة أنّ فخًّا آخر قد يظهر فجأة ، أو شيءٍ مرعبٍ قد يخرج من العدم.
لكن لا يمكنني الاستمرار في هذا الصمت إلى الأبد.
بل ، قبل ذلك ، إن استمرّ الأمر على هذا الوضع ، فمن الواضح أنّني سأموت.
‘وصلتُ إلى هنا بالكاد ، و يجب أن أواصل التقدّم.’
الهروب لأنّني خائفة لم يكن الحلّ أبدًا ، بل الاندفاع مع الاستعداد للتحطّم ، و هذا ما اختبرته بما يكفي.
أخذتُ نفسًا عميقًا ، و ربّـتُّ على صدري الذي كاد يخرج من مكانه ، ثمّ فتحتُ شفتيّ أخيرًا.
“أعرف أنّك لا تثق بي. أعرف ذلكَ حقًّا…… لكنّني فعلًا لستُ ليلي. قلتُ ذلك في الحمّام الكبير أيضًا. أنا فقط شخصٌ مسكينٌ سيّئ الحظّ تمّ تجسيده فجأة. و أخبرتَني إنّ هذه ليست المرّة الأولى التي أقول فيها ذلك ، لكن هذه المرّة حقيقيّة. قلتَ إنّه لا يمكن الخلط بين الأرواح ، أليس كذلك؟ لكن بما أنّه تجسّد ، ألا يعني ذلك أنّ الروح واحدة؟”
أنهيتُ كلامي بسؤالٍ و أنا أنظر مباشرةً في عينيّ روين اللتين كنتُ أتجنّبهما.
كنتُ يائسةً بحقّ.
لا يمكنني الخروج من اللعبة دون إكمال إستراتيجية روين و أتباعه ، فماذا يُفترض بي أن أفعل إذًا؟
لم يكن لديّ خيار سوى جعله يصدّق أنّني لستُ ‘ليلي’.
على عكسِ توقّعي بأن يطول الصمت ، جاء ردّ روين فورًا.
“إن لم تكوني ريبلي ، فهل تستطيعين أن تخبريني مَنٔ أنـتِ؟”
لم يكن على وجهه أيّ تعبير ، و صوته كان هادئًا بالقدر نفسه.
من حسن الحظّ أنّه لم يغضب و يصرخ طالبًا منّي الكفّ عن الهراء.
هززتُ رأسي بسرعة.
“ط ، طبعًا! قلتُ ذلك في الحمّام الكبير ، و أقوله الآن أيضًا. في الأصل كنتُ… أشتمكَ… أقصد ، كنتُ ألعب لعبة. ليست كشطرنج أو بوكر، بل لعبة تستخدم أدواتٍ أخرى. كنتُ أتحكّم بكَ و أستكشف هذا الدير.”
شرحتُ له محتوى <القلعة الملطّخة بالدماء> بأبسط طريقةٍ ممكنة ليفهم ، و لم يُظهر أيّ ارتياب أو يقاطعني ، بل واصل الاستماع بهدوء.
و أثناء الشرح ، كنتُ أشعر أحيانًا و كأنّني أتجاوز الجدار الرابع ، لكن على أيّ حال ، انتهى الشرح بسلاسة.
“……و هكذا ، تبيّن أنّكَ ، أنتَ الذي ظننتُه صديقًا طيّبًا ، كنتَ في الحقيقة العقل المدبّر لكلّ شيء ، و انتهت اللعبة. و بعدها أصبحتُ ‘ليلي’.”
لم يتغيّر تعبير روين ، و لا نظرته.
……هل يمكن اعتبار ذلك إشارةً إيجابيّة؟
لم يختفِ توتري تمامًا ، لكنّني انتظرتُ تحرّك شفتيه بقلب أخفّ من قبل. ثمّ رمش روين ببطء و سألني من جديد.
“اسمـكِ؟”
“……هاه؟”
خرج صوتٌ أحمق منّي من شدّة المفاجأة.
عضضتُ شفتيّ بتوتّر ، ثمّ ابتسمتُ ابتسامةً محرجة.
“قلتَ أنه ريبلي….أليس كذلك؟”
في نافذة الحالة كان الاسم يظهر ‘لي؟ لي؟’ ، فهل اختفت علامات الاستفهام الآن؟
و بما أنّ وجود اسمٍ حقيقيّ كان تلميحًا مبرمجًا مع التحقيق ، بدا أنّ تشويه الحروف له سبب ما.
عندها قال روين مجدّدًا.
“أسأل عن اسمكِ أنـتِ.”
“ذلك….”
“إن لم تكوني ريبلي ، فيمكنكِ أن تخبريني اسمكِ الحقيقي ، أليس كذلك؟”
لم يكن ذلك صعبًا.
اسمي هو! اسمي هو…!
الاسم___
“……ا ، انتظر لحظة. يبدو أنّ صدمة التجسّد جعلتني أنسى. دعني أفكّر قليلًا….”
“عمـركِ؟”
“ماذا؟”
“هل كنتِ امرأة أم رجلًا؟ مكان ولادتكِ؟ اسم والديكِ ، أقرب أصدقائكِ ، ما تحبّينه و ما تكرهينه. هل تستطيعين قول كلّ ذلك؟”
“ط ، طبعًا. أنا….في التاسعة عشرة…. و أنثى.”
“حقًّا؟ ريبلي أيضًا في التاسعة عشرة و أنثى. إنه متطابق. إذًا ، أين وُلدتِ؟”
مكان الولادة.
هذا أيضًا ليس صعبًا.
كنتُ متأكّدة أنّني أستطيع الإجابة عنه ، لكن عندما فتحتُ فمي ، لم يخطر ببالي أيّ اسمٍ لمكان.
و عندما تردّدتُ ، طرح روين سؤالًا آخر.
“يمكنكِ قول اسم والديكِ ، صحيح؟”
لم أتذكّر.
كأنّ رأسي فرغ تمامًا ، و لم يخطر ببالي شيءٌ واضح.
كانت يدي التي تقبض على طرف ملابسي تنبض بالألم.
و على عكسِ اضطرابي الذي لم أفهمه حتّى أنا ، واصل روين الحديث بهدوءٍ و كأنّه توقّع كلّ شيء.
“ريبلي كانت يتيمة. لا تعرف مكان ولادتها و لا وجوه والديها ، فقد أُلقي بها في المعبد ، و هناك كانت تقوم بالأعمال الشاقّة ، ثمّ عندما بلغت العاشرة تمّ تبنّيها.”
هذا ليس ما أريد معرفته.
ليس هذا.
“الرجل الذي تبنّى ريبلي كان رجلًا يُدعى هنفلين. كان في هذا الدير رئيسان ، و هو أحدهما. لا بدّ أنّكِ رأيتِه. كان يظهر أحيانًا عند السلّم.”
رغمَ أنّني لم أرد التفكير في أيّ شيء ، تدفّقت إلى ذهني صورُ أولئك الذين خرجوا من الحفر بهيئاتٍ مشوّهة.
انكمشتُ انعكاسيًّا.
كان من الصعب تمييز إن كان رجلًا أم امرأة بعد أن ذاب وجهه ، لكن في الجولة الأولى و هذه المرّة أيضًا ، كان هناك شخصٌ واحد يحدّق بي بإلحاحٍ خاصّ.
و بينما كان جسدي يرتجف ارتجافًا خفيفًا ، اخترق صوت روين البارد أذني.
“لم يتبنَّ هنفلين ريبلِي وحدها. معظم الأطفال في الدير كانوا ممّن جاء بهم. بعضهم بلا مأوى مثلكِ ، و بعضهم اختطفهم أو اشتراهم بالمال. أنا كنتُ من الذين باعهم أهلهم.”
“…….”
“كان ينوي أن يجعل ريبلِي قربانًا أيضًا. اسم ريبلي يعني ‘محبوبة’ و يعني أيضًا ‘لذيذة’. و بما أنّ الفرخ الذي تريده الحاكمة يجب أن يكون جميلًا و بديعًا ، فنيّتـه كانت واضحة جدًّا. لكنّكِ كنتِ تكرهين هذا الاسم. اسم ليلي يعني ‘الزنبق’ ، و كان الاسم الذي تتم مناداته في المعبد ، و طلبتِ منّي أن أناديكِ به.”
منذ لحظةٍ ما ، بدأ روين يشير إلى ريبلي بـ”أنتِ”.
أردتُ أن أصرخ بأنّني لستُ ليلي ، لكنّ فمي لم ينفتح.
في كلّ مرّة يتحدّث فيها روين ، كانت مشاهد لا أذكرها تتسرّب إلى رأسي كبقعٍ غير واضحة.
و من بينها ، ظهر وجه رجلٍ في منتصف العمر ، مليءٍ بالتجاعيد ، يبدو طيّبًا إلى حدٍّ مريب.
كان يرتدي عباءةً سوداء مطرّزة بخيوطٍ ذهبيّة.
‘……لا.’
لا ينبغي أن أستحضر المزيد من أيّ شيء.
عدم تذكّري لاسمي ، و عجزي عن الإجابة عن أسئلة روين ، لا بدّ أنّه بسبب الارتباك.
في الواقع ، هذا المكان هو أيضًا حيث مـتُّ في الجولة الأولى.
‘أو لعلّ روين عبث بذاكرتي مرّةً أخرى.’
كان الشكّ طبيعيًّا ، خاصّةً بعد أن خضت تجربةٍ سابقة خُدعتُ فيها حتّى و أنا أظنّ أنّني لن أنخدع.
و عندها أخبرني روين بحقيقةٍ جديدة.
“السبب الذي جعل هنفلين لا يحوّلكِ إلى فرخ ، هو أنّه أراد استخدام جسدكِ كوسيطٍ لظهور الحاكمة.”
“صحيح! ذلك المجنون……!”
صرختُ دون وعي و نهضتُ في اللحظة نفسها ، فتبعني نظر روين.
و انهمرت الذكريات التي كنتُ أتجاهلها و أكبتها ، مغطّيةً رأسي دفعةً واحدة.
التعليقات لهذا الفصل " 108"