‘سواء انتهى الأمر حساءً أم أرزًّا ، المهم أن أدخل سريعًا إلى الممرّ السرّي….’
قد يكون ذلك المتعصّب عديم الرأس الذي رأيته قبل قليل يسدّ الطريق ، لكن في هذه الحالة ، الضربة الأولى هي الحاسمة.
في هذه اللّحظة ، روين هو الأخطر ، و كان يمكنني بالفعل أن أشعر بنيّة القتل المنبعثة منه.
بينما ألهث بقلق ، و في اللحظة التي أغمض فيها روين عينيه ، نهضتُ بسرعة.
“اجلسي.”
….فجلستُ مجدّدًا.
لم يكن ذلك فقط لأنني شعرتُ بالتهديد في صوته المنخفض ، بل أيضًا لأنّ حدسي أخبرني أنّني إن خطوتُ خطوة واحدة فسينطلق فخّ ما.
و كان ذلك اختيارًا دقيقًا للغاية.
[‘ليلي’ تجنّبت أن تصبح ‘لحمًا مفرومًا——’…]
‘و ما الذي يجعلني أتحوّل إلى لحمٍ مفروم هنا أصلًا!’
كلّ النهايات التي رأيتها سابقًا لـ’فتاة اللحم المفروم’ كانت بسبب فخٍّ يسقط من السقف و يسحقها.
لكن مجرّد التفكير بأنّ ذلك قد يحدث حتّى في الخارج جعل معدتي تنقلب.
روين ، الذي أجبرني على الجلوس ، لم يقل شيئًا بعدها لمدّة طويلة.
و كان فينسترنيس ، قليل الكلام أصلًا ، صامتًا هو الآخر.
ثمّ بعد مرور نحو عشر دقائق تقريبًا.
“لماذا لا تقولين شيئًا؟”
كان سؤال روين المفاجئ عبثيًّا إلى حدٍّ كبير.
نظرتُ إليه بامتعاض و سألته بالمقابل:
“هذا… أليس من المفترض أن أكون أنا مَنٔ يقول ذلك….؟”
أن تأمرني بالجلوس بهذه الصرامة ثمّ تتظاهر بالجهل ليس أمرًا سهلًا عليّ.
لكن روين أجاب بابتسامة مائلة.
“أليس لديكِ ما تقولينه لي بعد أن أريتني شيئًا كهذا ؟
‘أريه شيئًا كهذا.’
يبدو أنّه يعتقد حقًّا أنّ الهلوسة التي حدثت قبل قليل كانت من صنيعي.
بالطبع ، ليست لديّ مثل هذه القدرة.
بل إنّني أنا نفسي كنتُ أتساءل عن سبب ظهور تلك الهلوسات بين الحين والآخر.
‘حتّى لو كان سحرًا حقيقيًّا ، فأنا لا أعرف أصلًا كيف أستخدمه بشكلٍ صحيح….’
قد لا يصدّقني حتّى لو قلتُ الحقيقة ، لكن الصمت لم يكن خيارًا جيّدًا.
و ربّما أستطيع انتزاع إجابة ما من روين.
تجاهلتُ نظرته الباردة بصعوبة و فتحتُ فمي.
“أنا فعلًا لا أعرف ما الذي يحدث. في الحقيقة ، رأيتُ هلوسات عدّة مرّات حتّى الآن ، و كانت تظهر فجأة دون أيّ علاقة بإرادتي. و هذه المرّة أيضًا كانت كذلك.”
“…….”
“…حتّى لو نظرتَ إليّ بنظرة تقول بوضوح إنّك لا تصدّقني ، فهذه هي الحقيقة الكاملة دون كذب. أنا لم أكن أعرف أنّ تلك الفتاة التي قلتَ إنّك وعدتَها بالزواج هي حياة ليلي السابقة أصلاً….”
طقطقة.
سمعتُ بوضوح صوت روين و هو يضغط على أسنانه.
كان وجهه متجمّدًا أكثر من أيّ وقتٍ مضى ، و قد قبض على يده بقوّة حتّى ابيضّ ظاهرها.
بات واضحًا أنّ الحديث عن الحياة السابقة هو حقل ألغام ، لذلك قرّرتُ أن أتحفّظ من تلقاء نفسي.
‘يبدو في مزاجٍ سيّئ… ليتكَ تختفي…. لا ، ليتك تبتعد فقط…….’
محاولة رفع نسبة الحب أو الإعجاب في هذا الوضع ستكون طريقًا مباشرًا إلى الموت.
و مع ذلك ، ظلّ روين في مكانه ، ناشرًا جوًّا حادًّا كحدّ سيفٍ مصقول. أما أنا ، فلم أجرؤ حتّى على التفكير في الهرب ، مكتفية بمراقبة ردّة فعله.
كان الصمت الذي طال بلا نهاية خانقًا حدّ الألم.
و لحسن الحظّ ، كان فينسترنيس إلى جانبي.
على عكس روين ، بدا أنّه لم يرَ الهلوسة قبل قليل.
‘إن حدث شيء ، سيفعّل درع الصداقة. نعم ، إن حدث شيء…. على الأرجح….’
هل يمكن الوثوق بشخصٍ احمرّ خدّاه و هو يقول إنّ روين أجمل منّي؟
و فوق ذلك ، فإنّ ‘ليلي’ لم تكن لا مرشّحة لتكون فرخًا و لا فرخًا أصلًا.
من مجرّد طريقة حديثها ، بدا نفورها من الدير كبيرًا ، لكن ردّة فعل روين كانت غير مطمئنة على الإطلاق.
ما يعنيه هذا هو أنّ فينسترنيس قد يتحوّل فجأة إلى عدوّ لي أيضًا.
في اللّحظة نفسها تقريبًا التي خرجت فيها تنهيدة منّي دون وعي ، كسر روين الصمت.
“كانت الوجود الوحيد الذي أستطيع الوثوق به.”
لم يذكر عمَن كان يتحدث ، لكن حسب هذه الكلمات لم يكن هناك سوى شخصٍ واحد.
‘ليلي’ في حياتها السابقة.
حرّكتُ عينيّ بهدوء ، فكان نظر روين موجّهًا إلى الأمام.
نظرةٌ تتّجه نحو مكانٍ بعيد ، تحمل حنينًا و أسى.
أغلق روين فمه مجدّدًا ، و في تلك اللحظة ظهر إلى جانبه إطار النظام.
[▶(نقطة تفرّع) تصرّفكِ الآن سيؤثّر كثيرًا على الرحلة القادمة.
1. أريد أن أعرف ما كانت العلاقة بيني و بينكَ في حياتنا السابقة. (→ تنخفض درجة صداقة فينسترنيس إلى 0)
2. لا أقول شيئًا. (→ تنخفض درجة حب/إعجاب روين إلى 0) ]
“…….”
بدأتُ أتمنّى لو أنّني لم أعد أرى كلمة ‘نقطة تفرّع’ هذه مجدّدًا.
بما أنّ المسار لا يُحذف و لا يتغيّر ، قد يبدو من السهل الوقوع في وهم أنّ أيّ خيار سيكون مقبولًا ، لكنّني ، بعد كلّ ما مررتُ به ، لم أعد أنخدع.
بفضل القرائن التي جمعتها حتّى الآن ، بدأ ذهني يعمل بسرعة.
‘سبب تحوّل صداقة فينسترنيس إلى 0 هو أنّه لم يكن يعرف أنّني كنتُ من المؤمنين في الدير’
كان يبدو أنّه يتذكّر زمن الدير ، لكن مَنْ يُفترض أنّهم مؤمنون كانوا جميعًا في حالةٍ مروّعة.
و قد قال فينسترنيس إنّ ذلك كان عقابًا.
إن كانت القرية التي وُلدت و ترعرعت فيها ‘ليلي’ قد أُنشئت على يد متعصّبين هاربين ، و كان الباقون جميعًا قد لقوا نهايةً بشعة هنا ، فليس من الغريب أن يسيء الفهم بعد معرفة الحقيقة.
صحيح أنّ مظهر ‘ليلي’ كان لافتًا قليلًا ، لكن عندما فرشت الحجاب الذي أخرجته من صدرها على الأرض ، قال روين: ‘ذلك يُوضَع على الوجه ، أليس كذلك؟’
‘ربّما كان مؤمنو هذا المكان يغطّون وجوههم به عادةً.’
و عندها يصبح من الطبيعيّ ألّا يعرف فينسترنيس شكل وجه ‘ليلي’.
السبب الذي جعلني واثقة من ذلك هو كلّ ما رأيته و سمعته عن الفرخ ، أي القربان.
قيل أنّ مَنٔ يريد أن يصبح فرخًا يجب أن يغتسل يوميًّا ، و يرتدي ملابس جميلة و نظيفة ، و يمجّد الحاكمة.
الأطفال الذين رأيتهم عبر الهلوسة في غرفة النسخ كانوا يرتدون ملابس فاخرة و متدلّية ، و يمجّدون الحاكمة ، و كانت هيئاتهم جميعًا نظيفة و مرتّبة.
في المقابل ، كانت ملابس المؤمنين بسيطة للغاية.
عباءة سوداء بلا أيّ زينة ، نُسجت عليها نقوش بخيوط ذهبيّة من الصدر حتّى الأكمام ، لكنها بدت باهتة رغم ذلك.
‘و حتّى عندما رأيتُ هلوسة روين الصغير في غرفة الصلاة ، كانت عيون الحاكمة تجوب روين بنهمٍ واضح.’
ربّما كانت تلكَ العملاقة ، تختار ضحاياها بهذه الطّريقة.
المؤمنون يخفون وجوههم و أجسادهم كي لا يلفتوا نظر الحاكمة.
أمّا الأطفال الذين سيُقدَّمون قرابين ، فيزيّنونهم عمدًا ليكونوا لافتين للنظر.
‘هذا مقرف فعلًا.’
كلّما تعمّقتُ في الحقيقة ، شعرتُ و كأنّ إنسانيّتي تتآكل___
على أيّ حال ، من المؤكّد أنّ سبب انخفاض صداقة فينسترنيس إلى 0 عند اختيار معرفة الحقيقة هو هذا.
أمّا سبب انخفاض حب و إعجاب روين إلى 0.
‘هو يريد أن أسأله ، أليس كذلك؟’
في الواقع ، منذُ اللّحظة التي رأيتُ فيها نافذة النظام ، لم يكن هذا خيارًا يحتاج إلى تفكيرٍ عميق.
فينسترنيس ليس من النوع الذي سيهاجمني أو يقتلني لمجرّد أنّ الصداقة وصلت إلى 0.
و فوق ذلك ، لم يكن من الصعب رفعها مجدّدًا.
لكن هذا اللعين ، روين ، إن وصلت درجة حبّه و إعجابه إلى 0 ، فلن يتردّد في قتلي.
‘اضطراري للتعامل مع شخصٍ كهذا… مؤلم حقًّا….’
و مع ذلك ، بدأ الطريق يتضح أمامي مجدّدًا.
أدرتُ وجهي المائل تمامًا إلى الجانب ، وأخرجتُ صوتي المرتجف بهدوء.
“روين. أريد أن أعرف. ماذا كنتُ أنا في حياتي السابقة…… ‘ليلي’ ، و ما العلاقة التي كانت بيننا.”
اتبعتُ ما طلبه الخيار ، لكن التوتّر جعل أحشائي باردة.
شدّدتُ عزيمتي متوقّعةً وابلًا من النظرات الحادّة ، لكن روين اكتفى بالتحديق فيّ بوجهٍ خالٍ من التعبير.
و بينما كان يحدّق فيّ بصمت ، فتح شفتيه أخيرًا.
ثمّ قال.
“أنا أيضًا أريد أن أعرف. ما الذي كنّا عليه بالضبط؟ منحتِني الثقة ، و منحتِني الأمل ، و جعلتِني أحلم بالمستقبل”
“…….”
“لماذا قتلتِنـي ، ريبلي.”
رغم كلّ تخميناتي و استنتاجاتي ، كانت هذه حقيقة لم تخطر ببالي و لو لمرّة واحدة.
التعليقات لهذا الفصل " 107"