“أ ، ألا تعرف ما هي المساحة الشخصيّة؟ طبعًا لا تعرف! على أيّ حال ، ليس الأمر أنّني أكرهكَ ، بل تفاجأتُ لأنّك كنتَ قريبًا جدًّا.”
هذا ليس كذبًا.
أنا لا أكره روين ، إنّما أشعر نحوه بنفورٍ طفيف و عدم ارتياح.
عند كلماتي التي قلتُها بجدّيّة ، نظر روين إليّ بعينين نصف مغمضتين، ثمّ حوّل بصره.
“حسنًا.”
أجاب بإيجازٍ و كأنّ الأمر لا يعنيه ، ثمّ أغلق فمه من جديد.
عاد الصمت ليسود المكان.
و بما أنّ فينسترنيس ليس ثرثارًا بطبعه ، أصبح الجوّ من حولي هادئًا أكثر من اللازم.
قد تبرز مسامير من الكرسيّ إن تسرّعتُ و تدخّلتُ.
بينما أترقّب الأجواء فقط، أطلقتُ زفرةً خافتة.
‘لكي أعود ، عليّ تنفيذ الاستراتيجيّة ، و لا يمكنني الاستمرار في التهرّب لمجرّد أنّ الوضع غير مريح.’
و فوق ذلك ، إذا فكّرتُ بإيجابيّة ، فإنّ قدوم روين إليّ بنفسه كان مدعاةً للارتياح.
لأنّ في الداخل ، كان أسمير ينتظر___
‘أسمير هو أكبر عائقٍ في استراتيجيّة روين.’
حين لم أكن أعلم شيئًا ، كنتُ أتساءل لماذا هو مهووس إلى هذا الحدّ ، لكن بعد أن عرفتُ السّبب ، أصبح الأمر مفهومًا.
و فوق ذلك ، من الواضح أنّ مسار استراتيجيّة أسمير نفسها ستصبح أصعب ، لذا كان من الأفضل تحسين العلاقة بأيّ طريقةٍ الآن.
بعد أن أخذتُ نفسًا عميقًا ، فتحتُ باب الحديث بحذرٍ كي لا أثير انزعاجه.
“روين ، اسمع….”
“ما زلتِ كما أنتِ ، تتجوّلين و تعبثين بكلّ مكان.”
“أعبث؟”
أعبـث بالمكان.
بالرجوع إلى المعنى الدقيق ، فهو يعني تقريبًا التجوال هنا و هناك بدافع الفضول.
أنا أحاول قدر الإمكان تجنّب الأماكن الخطيرة ، لكن بما أنّني أُسحَب إليها و أنا مضطرة ، كان هذا الوصف جارحًا جدًّا.
لو كان الأمر في السّابق ، لكنتُ قد أظهرتُ ارتباكي قائلة: “أنا؟ …أنا؟!” ثمّ شتمتُ أخلاق روين.
لكن الآن ، كان في الأمر ما يثير الشكّ.
أوّلًا ، أنّه أضاف عبارة “ما زلتِ كما أنتِ” ، و ثانيًا أنّ تعابير وجهه كانت هادئة أكثر من اللازم.
“.…هل يمكنكَ أن تشرح لي ما تقصده بذلك بالتحديد؟”
مثل هذه الأمور ، حتّى لو فكّرتُ فيها مئة يوم ، فلن أصل إلى جواب.
و بما أنّني لا أشعر هذه المرّة بخطرٍ كبير كما في السّابق ، و بفضل وجود فينسترنيس إلى جانبي ، تجرّأتُ و طرحتُ السؤال.
كان روين يحدّق إلى الأمام بتعبيرٍ مسترخٍ و كأنّه ينظر إلى مكانٍ بعيد ، ثمّ أعاد نظره إليّ.
“قلتِ إنّك رأيتِ هلوسة.”
رغمَ أنّ هذا لم يكن الجواب الذي أردتُه ، بدا أنّ الحوار ممكن.
في البداية لم أفهم ما يعنيه ، ثمّ أدركتُ أنّه يسأل عن الكلام الذي قلته في الحمّام الكبير.
“نعم. رأيتُها حقًّا. كلّ الأشخاص الذين أخرجتَهم من القلعة… لا ، من الدّير ، عادوا جميعًا إلى القرية. لم أسمع أصواتهم ، لكن تعابير وجوههم كانت تبدو و كأنّهم يطلبون المساعدة. لكنهم… في كلّ مرّة ، يُقتلون. و على أيدي عائلاتهم.”
“…عائلاتهم.”
“لكن ملامحهم لا تتشابه. ألوان شعرهم مختلفة ، و ربّما هو مجرّد شعور مني ، لكن علاقاتهم بدت محرجة بعض الشيء. الأمر نفسه ينطبق على أصدقاء ليلي الموجودين حاليًّا في الدّير. لذلك…. خطر لي أنّهم قد لا يكونون والديهم الحقيقيّين.”
لم أكن أفكّر كثيرًا في هذا لأنّه لا يرتبط مباشرة بالاستراتيجيّة ، لكنّه في الحقيقة كان أحد نقاط الشكّ.
قيل لي أنّنا نولد من جديد بشكلٍ دوريّ.
و ولادتنا في هذا العالم تعني أنّ هناك مَنٔ أنجبنا.
إذا افترضنا أنّهم ليسوا أفراد عائلاتهم الحقيقيّين ، فهناك ثلاثة احتمالات يمكن استنتاجها.
1. أنّهم بدّلوا الأطفال فيما بينهم و قاموا بتربيتهم حتّى لا يعرف أي طفل والديه.
‘الاحتمال الثالث مستحيل قطعًا ، لذا فالإجابة إمّا الأوّل أو الثاني.’
و في كلتا الحالتين ، يبرز سؤال جديد.
و هو : ما هي حقيقة سكّان القرية؟
“…تذكّر أنّني سألتُكَ في المطبخ عن أشياء كثيرة ، و تحدّثنا عن القرية أيضًا. و بعد ذلك فكّرتُ بالأمر ، و بدأتُ أعتقد أنّ سكّان القرية التي عشتُ فيها قد يكون لهم علاقة بأولئك المجانين الذين كانوا في هذا الدّير.”
كنتُ قد قلتُ لأصدقائي على سبيل الاحتمال: “أليس من الممكن أن يكون سكّان القرية هم الأحفاد الحقيقيّون؟”
و ربّما كان ذلكَ هو الجواب الصحيح.
بينما أحدّق بهدوء في روين ، أدرتُ رأسي و نظرتُ إلى فينسترنيس.
و حين شعرتُ بالخطر لأنّ كليهما لم ينبس بكلمة ، اخترق صوت روين أذني.
“كما قلتُ ، نحن لا نستطيع الخروج من الدّير. لذلك لا يمكنني الإجابة عن القرية ، لكن لديّ تخمين.”
شككتُ في أذني.
هل هذا وهم سمعيّ؟
هل روين يجيب بهذه السلاسة؟
رمشتُ بعينيّ ، ثمّ غطّيتُ أذنيّ براحة يديّ و هززتهما ، ثمّ قلتُ من جديد:
“آسفة ، روين. أظنّ أنّني لم أسمعكَ جيّدًا قبل قليل ، هل يمكنكَ أن تعيد ما قلتَه مرّةً واحدة؟”
“……قلتُ إنّنا لا نستطيع الخروج من الدّير ، و لذلك لا نعرف شيئًا عن القرية ، لكن لديّ تخمين.”
“…….”
يبدو أنّه لم يكن وهمًا.
فالإجابة كانت مطابقة تمامًا لما قاله قبل قليل.
لا أعرف لماذا أصبح روين لطيفًا فجأة ، لكن إن أظهرتُ ما أفكر فيه ، فقد ينزعج و يرحل.
و بينما أتهيّأ لسؤاله بابتسامةٍ محرجة و أنا أقول : “و ما هو؟” ، سبقني بالكلام.
“هل صُدمتِ إلى هذا الحدّ لأنّني أجيبكِ بصراحة؟”
….يبدو أنّه قرأ ما في داخلي.
أزلتُ الابتسامة المحرجة و أومأتُ برأسي بجدّيّة.
“أليس ذلكَ طبيعيًّا بالنظر إلى كيف كنتَ تتصرّف معي في المطبخ و الحمّام الكبير؟”
“هل هذا يعني أنّكِ لا تريدين أن تسمعي؟”
“أبدًا! أنا ممتنّة جدًّا. ما هو تخمينكَ؟ قل بسرعة.”
في الحقيقة ، لم تكن مسألة القرية حقيقةً عاجلة يجب أن أعرفها فورًا.
لكن بما أنّ هذا المكان مليء بالخيوط المتشابكة ، فلن يضرّني أن أعرف.
فتح روين فمه دون أن يسخر ، أو يستفزّ ، أو يُظهر انزعاجًا ، و قال بوجهٍ مبتسم:
“عندما كانت كلّ الكائنات الحيّة هنا تُحتضر ، كان هناك مَنْ فـرّ هاربًا. القرية التي تتحدّثين عنها ، لا بدّ أنّهم هم مَنٔ أنشأوها. لأنّها لم تكن موجودة في الماضي.”
“إذًا هم بالفعل الأحفاد… لكن ، ذلك…… هل يمكنني أن أسأل ماذا تقصد بأنّ الجميع كانوا يحتضرون؟”
إذا كان حادث وفاة كفيلًا بتفكيك جماعة متعصّبة تقدّم البشر قرابين ، فهناك عدّة احتمالات متوقّعة.
انتشار وباء ، أو جنون الحاكمة و قرارها إبادة الجميع ، أو اكتشافهم من قبل محقّقي الهرطقة الذين يقدّسون حاكمًا سليم العقل.
روين ، الذي لا يمكن فهم ما يدور في رأسه ، أجاب هذه المرّة أيضًا دون تردّد.
“انتشر وباء. الحاكمة التي لم تحصل على القرابين الموعودة غضبت ، و فيلق فرسان المعبد الذين أمسكوا بالخيط هاجموا هذا المكان.”
“…..مهلًا ، روين. أنتَ لا تقرأ أفكاري ، أليس كذلك؟”
“ليتني أستطيع ، لكن للأسف لا أملك مثل هذه القدرة.”
“هل ما قلته قبل قليل حقيقيّ؟ ليس لأنّني أشـكّ بكَ ، بل لأنّني بدأتُ أشـكّ بنفسي. فبمجرّد أن فكّرتُ أنّ حادثًا كفيلًا بإسقاط هذه الجماعة المجنونة لا بدّ أن يكون وباءً ، أو جنون الحاكمة ، أو اكتشافهم من قبل محقّقي الهرطقة الذين يقدّسون حاكمًا سليمًا… قلتَ الأمر نفسه تمامًا.”
و بشكلٍ غريب ، حتّى الترتيب كان متطابقًا.
كان من الصعب اعتبار ذلكَ مجرّد صدفة.
و حين نظر إليّ روين بدوره و كأنّه يفكّر في شيءٍ ما ، ازداد شعوري بعدم الارتياح.
من الأفضل ألّا أبحث عن ثغرةٍ بلا داعٍ و أن أتجاوز الأمر.
تنحنحتُ و غيّرتُ الموضوع.
“على أيّ حال ، لقد فهمتُ. إذًا ، إذا كان سكّان القرية هم أحفاد أولئك المتعصّبين الذين هربوا آنذاك ، فمن المنطقيّ أن نفترض أنّهم يتمنّون عودة تلكَ العملاقة….”
لكن هناك جزءًا لا أستوعبه.
و هذا أيضًا تساؤل خطر لي من قبل.
“لا أعلم أيّ منطقة هذه ، لكن في هذا العصر لا بدّ أنّ هناك سيّدًا إقطاعيًّا أو ملكًا يدير الأرض. و مع ذلك ، مهما كان المكان منغلقًا ، من غير المفهوم أن يتركوا هذا الدّير لخمسمئة عام. بل إنّ هناك عملاقة نائمة هنا. حتّى لو تنازلنا و قلنا إنّهم يعيشون متخفّين بطريقةٍ ما ، فلا أفهم لماذا يرسلوننا إلى الدّير في كلّ مرّة نولد فيها من جديد ، ثمّ يقتلوننا عند عودتنا.”
و كأنّني أطلب منه أن يكون أكثر لطفًا بقليل إن كان يعرف الجواب.
و في اللّحظة التي نظرتُ فيها إلى روين بهذا المعنى ، أشار بإصبعه إلى صدره.
“القيد؟”
عندما نطقتُ دون تفكير ، متذكّرةً الوشم الهندسيّ الذي رأيته سابقًا ، أومأ روين برأسه.
ثمّ أضاف بإيجاز:
“أنتِ تعرفين الجواب بالفعل ، ليلي.”
لا ، لا أعرف.
و بينما يتصبّب العرق البارد منّي و أنا أتساءل لماذا يتصرّف بهذا الشكل ، خطر شيءٌ ما في رأسي فجأة.
“….هل من الممكن أنّني أنا و بقيّة الأطفال كنّا فراخًا؟ أو مرشّحين لأن نكون فراخًا؟ لا متعصّبين؟ و لهذا…. حين تفتح الحاكمة…… أيّ العملاقة عينيها ، يرسلوننا لتأكلنا باستمرار؟”
دون أن أستطيع حتّى ترتيب أفكاري ، نطقتُ بذلك بصوتٍ عالٍ.
التعليقات لهذا الفصل " 104"