كانت قصّة فريسينغير و أسمير مؤلمة ، لكنّ الحكاية التي تلت عن إيديلاين كانت أشدّ بؤسًا.
“ديلا كان جميلا. الصّديقة أجمل، لكنّ ديلا كان جميلا جدًّا أيضًا ، لذلك قال الجميع إنّه سيكون الفرخ التّالي. إذا أعجب الحاكمة ، ستنهال المعجزات أكثر. لكنّ طفلة شعرت بالغيرة من ديلا و رشّت شيئًا سيّئًا على وجهه ، فلم يصبح فرخًا. الحاكمة تكره الغير الجميل.”
“…و ما هو ذلك الشّيء السّيّئ؟”
“الشّيء السّيّئ…جعل وجه ديلا يذوب ، و كان يتألم كثيرًا….”
مهما كان ، يبدو أنّه كان سمًّا أكّالًا يشبه حمض الكبريتيك.
“إذًا ، ماذا حدث لتلك التي رشّت الشّيء السّيّئ؟”
“أصبحت هي الفرخ بدلًا من ديلا.”
“تمهّل ، تمهّل قليلًا. لا أفهم تمامًا ، دعني أرتّب الأمر. أخبرني إن كان هناك خطأ. أوّلًا ، العملاقة المرسومة في هذا الكتاب و النائمة في ذلك البرج هي الحاكمة ، صحيح؟”
أومأ فينسترنيس برأسه. و من هنا يبدأ الأهمّ.
“في الكتاب ، هناك أشخاص يرتدون ملابس سوداء ، و آخرون يرتدون ملابس بيضاء. و خلال تجوالي في الدّير أيضًا… رأيتُ الكثير من الأشياء الغريبة.”
قصصتُ عليه بالتّفصيل ما حدث في الدّرج و غرفة النّسخ ، ثمّ أخذتُ نفسًا عميقًا و تابعتُ:
“أظنّ أنّ مَنٔ يرتدون الأسود هم أتباع تلك الحاكمة. و الأطفال بالملابس البيضاء هم جميعًا قرابين تُقدَّم لها. لكن بحسب كلامكَ قبل قليل ، مَنٔ يُؤكلون هم فقط الأطفال الخاصّون الذين يُسمّون فراخًا ، و مَنٔ لا يصبح فرخًا يموت فحسب ، أليس كذلك؟”
الأطفال الذين رأيتُهم في غرفة النّسخ كانوا يردّدون الصلاة نفسها.
هي تراقبنا ، تريدنا ، تخلّصنا ، و تقودنا إلى أرض السّعادة الأبديّة.
الأطفال الذين حُبسوا في الدّير و تلقّوا تعليمًا أقرب إلى غسيل الدّماغ ، اعتقدوا أنّ أسمى سعادة هي أن يُؤكلوا من قِبل الحاكمة ، أي أن يصبحوا فراخًا.
و في هذه العمليّة ، لا بأس بإيذاء بعضهم بعضًا.
“….هذا المكان أكثر جنونًا ممّا توقّعت. مجانين تعفّنت أدمغتهم بالكامل.”
و ما إن بدأتُ أشتم الدّير و المتعصّبين ، حتّى ارتفع مستوى صداقة فينسترنيس.
ربّـتُّ على رأسه بحذر.
حاكمة أو فراخ أو غير ذلك ، من منظوري لم يكن الأمر سوى وحشٍ عملاقٍ مهووسٍ بالوجوه الجميلة يلتهم الأطفال.
يا له من جنون محض.
هذا يبدو كأنه تجديف.
تبجيل وحشٍ كهذا على أنّه حاكم هو تجديف بحدّ ذاته.
رمقتُ البرج بنظرةٍ متثاقلة ، ثمّ أغلقتُ الكتاب الموضوع على ركبتي.
لا داعي لرؤية بقيّة الصّفحات.
“و ماذا عن إيديلاين؟ هل تلقّى علاجًا مناسبًا……؟”
حين خرج من السّقف كان في هيئةٍ مرعبة ، لكن حين تنظر إليه بشكلٍ طبيعيّ فهو يبدو جميلا حقًّا.
سألتُ و أنا أتذكّر لقاءنا في الحمّام ، فأجاب فينسترنيس بالإيجاب.
“نعم. كان هناك حاكم أراد ديلا.”
“……حاكم آخر؟ ما هذا الآن؟ هل كان هناك الحاكم غير تلك الحاكمة؟”
هل لهذا علاقة بقولهم إنّهم يرسلون مَنٔ لا يصبح فرخًا إلى حضن الحاكم؟
لم يبدو الأمر مجرّد تعبيرٍ عن القتل ، فشعرتُ بانقباضٍ غريب.
في تلكَ اللّحظة ، مرّت صور الأرواح الشّرّيرة في ذهني ، و في الوقت نفسه فتح فينسترنيس فمه.
“ما رأته الصّديقة ، ذلك الشيء الطري….”
“…….”
“مير و ديلا و فرين لم يصبحوا فراخًا ، فذهب كل منهم إلى حضن حاكم آخر. حكام قد أتوا مع الحاكمة للبحث عنا. ثمّ أصبحوا واحدًا مع كل واحد…..”
“.…انتظر قليلاً يا فين. دعنا نرتّب الأمر. أوّلًا ، أصدقاؤك تتغيّر هيئاتهم حين يُغمى عليهم ، و قد رأيتُ ذلك كلّه. مير يتحوّل إلى وحشٍ سائل ، و فرين إلى رجلٍ فمه مخيط و يرتدي رداءً أسود. و ديلا يتحوّل إلى امرأةٍ ذات رأسٍ ضخمٍ جدًّا. هل هذا… ما تقصده بالحكام الذين تحدّثت عنها؟”
“نعم.”
أجاب فينسترنيس بالإيجاب مرّةً أخرى. لكن تلك الأشياء ليست حكام. نافذة النّظام كانت تُظهرها بوضوح على أنّها ‘أرواح شرّيرة’. و من مظهرها ، لم تكن سوى أشباحٍ أو وحوش.
‘قال قبل قليل إنّهم أتوا مع الحاكمة للبحث عنا ، أليس كذلك ؟’
حين حلمتُ بـدير لاتري ، رأيتُ أشباحًا مشوّهة تتجوّل في المكان.
لم أكن أظنّ أنّ تلكَ العملاقة حاكمة ، لكن من الواضح أنّها كانت أكثر شرًّا ممّا تصوّرت.
أي أنّ الإعداد الحقيقي للّعبة يجعل تلك الحاكمة هي الزّعيم النّهائي الحقيقي.
أمّا روين ، فهو ليس سوى زعيمٍ نهائيٍّ مزيف.
‘المشكلة هي : ماذا لو استيقظ ذلك الشّيء فعلًا؟’
لو كانت هذه اللّعبة من نوع RPG الذي يسمح بزيادة القوّة و القتال لكان بالإمكان المحاولة ، لكنّ نوع هذه اللّعبة هو رعب.
و مع تدخّلي ، أصبحت خليطًا من محاكاة المواعدة و التّحقيق و البقاء ، لكنّ ذلك لا علاقة له البتّة بالقتال مع ذاك الشّيء.
‘و لا يمكن أن يكون ذلك الشيء أحد الأهداف أصلًا ، أليس كذلك؟’
إن كان الأمر كذلك فعلًا ، فسأختار الموت ببساطة.
بهذا التفكير، كان المسار خاليًا من الأحلام و الأمل و المستقبل.
لكن لم يكن الطريق مسدودًا تمامًا.
لا تزال هناك نافذة النّظام التي رأيتها في الحمّام الكبير.
إذا أكملتُ مسار روين و رفعتُ مستوى الإعجاب أو الصّداقة مع بقيّة الأهداف إلى حدٍّ معيّن ، يتحقّق شرط الهروب من دير لاتري ، و يمكنني العودة حينها.
ما سيحدث للباقين بعد ذلك ليس شأني بصراحة.
فهذا العالم مجرّد لعبة.
‘على أيّ حال ، إنه ليس وقت التّراخي. يجب أن أجد روين قبل الخريطة.’
إن استمرّ الأمر على هذا النّحو ، فسيصل فينسترنيس قريبًا إلى الحدّ الأقصى للصّداقة.
أسمير أيضًا ، لولا مشكلة روين ، لما كان من الصّعب كسب ودّه.
فريسينغير أو إيديلاين لم أجد لهما طريقةً واضحة ، لكن بما أنّ الشّرط هو ‘رقم معيّن’ ، يكفي أن أصل معهما إلى درجةٍ من القرب.
لكن روين كان مختلفًا.
هو لا يصغي لكلامي أصلًا و يحاول قتلي ، هذا أوّلًا. و قبل ذلك ، يجب أن ألتقي به أصلً ، لكنّه لم يظهر حتّى الآن.
‘مع أنّه يبدو كأنّه يراقبنا من مكانٍ ما….’
حين التفتُّ حولي بلا داعٍ ، سأل فينسترنيس بصوتٍ مستغرب:
“ما الخطب؟”
“آه ، لا شيء. فقط فكّرتُ إن كان روين يراقبنا من مكانٍ ما.”
أجبتُ بصراحة ، إذ لم يكن هناك داعي للإخفاء. فمال رأس فينسترنيس قليلًا.
و مع ميلان رأسي بدوري ، أدركتُ أنّ نظره لم يكن موجّهًا إلى وجهي ، بل إلى الخلف.
“….هل هناك شيء خلفي؟”
“نعم.”
“إن التفـتُّ ، هل سأندم؟”
“لا.”
يا له من أمر مريح.
بما أنّ الإجابة مختلفة عن قبل ، فالذي يوجد خلفي ليس روحًا شرّيرة و لا شبحًا.
التفتُّ و أنا أفكّر أنّه قد يكون روين___
و كان هو فعلًا.
بوجهٍ بلا تعبير و نظرةٍ جافّة ، ابتسمتُ بتكلّف و لوّحتُ بيدي أوّلًا.
“آه ، مرحبًا. ها نحن نلتقي مجدّدًا. هل كنتَ تتنزّه؟”
“…….”
لا يزال صامتًا.
كنتُ أنوي البحث عنه ، لكن ظهوره بهذه السّرعة أربكني.
روين في هذه الجولة كان يلتزم الغموض مهما سألتُه.
ربّما هو يقصد أنّه لا يرغب في التّعامل بلطف مع شخصٍ مثلي.
يا له من فـظّ.
و مهما أظهر فينسترنيس من مودةٍ و هو يناديني بالصّديقة ، فلن يبلغ مكانة روين. و إن أمر روين فينسترنيس بكتمان الأمر ، فسيصعب عليّ الحصول على مزيدٍ من المعلومات.
‘ما زال هناك الكثير لأسمعه.’
كان عليّ إبعاده مجدّدًا.
بينما كنتُ أبتسم ظاهريًا و كأنني غير مؤذية ، كنتُ في داخلي أكرر التفكير بيأس___
“ليلي.”
ناداني روين.
أي أنه نطق اسمي.
رغمَ أنه منذ أن توقّف عن التظاهر ، لم يكن يناديني إلا بـ”أنـتِ”.
لكن تعابير وجهه ظلّت هادئة ، فحدّقتُ فيه و أنا أُظهر توتّرًا واضحًا.
كان الصمت المصحوب بنظرةٍ كأنها تراقبني ، طويلًا و مزعجًا للغاية.
و بعد برهةٍ طويلة من ذلك ، اقترب روين دون أن يقول شيئًا ، و جلس على الكرسي.
التعليقات لهذا الفصل " 103"