تذكّرتُ فجأةً الهلوسة التي رأيتها داخل قاعة الصّلاة.
حين رأيتُ مقلة عين كانت أطول من جسدي و مخيفة ، و فكرت في احتمالية أن تكون الحبكة رديئة لدرجة أن تكون العملاقة نائمة تحت الأرض.
لكن الآن ، كانت الحبكة تبدو أسوأ من ذلك.
‘لا ، لحظة. ربما أرى هلوسةً مرّةً أخرى….!’
حتى لو كنتُ أستطيع تحريك جسدي بحرّيّة على عكس المرّات السّابقة ، فلا بدّ أنّ عينيّ بهما خلل.
فركتُ عينيّ بقوّةٍ بظهر يدي أوّلًا. و بعد أن فركتهما إلى درجة شعوري بالألم ، فتحتهما على أوسع ما يمكن و تفقّدتُ داخل البرج من جديد.
كانت هناك قدم.
أوضح ممّا كانت عليه قبل قليل.
“…….”
حوّلتُ نظري بسلاسةٍ كالماء ، و نظرتُ إلى فينسترنيس.
كان ينظر إليّ بدوره ، و عيناه لا تزالان مبتلّتَين.
هاه ، هااه.
أخذتُ نفسًا عميقًا و طويلًا ، ثمّ ركعتُ كما فعلتُ قبل قليل لأتبادل النّظر مع فينسترنيس.
كنتُ مصدومةً جدًّا ، لكن علي أن أهدأ.
بهدوءٍ و رزانة ، علي أن أسأل لماذا تلكَ العملاقة هنا.
“هل تلك حيّـة؟”
لكنّني كنتُ مرتبكةً إلى درجة أنّ الفكرة خرجت من فمي مباشرةً دون أن تمرّ على عقلي. لأنّ هذا سؤال مهمّ فعلًا.
لحسن الحظّ ، لم يرتبك فينسترنيس من صلب الموضوع الذي أطلقته فجأة ، و أجابني.
“نائمة”
….لكنّ الجواب لم يكن مطمئنًا بأيّ حال.
نظرًا لقرب المسافة ، حملتُ فينسترنيس و ابتعدتُ عن البرج.
ربّما فزع لأنّ جسده ارتفع فجأة ، إذ فتح عينيه بدهشةٍ حين أنزلتُه على الأرض.
“آسفة لأنّي حملتكَ فجأةً ، فين. بما أنّك قلت إنّها نائمة ، شعرتُ أنّ علينا الابتعاد قليلًا.”
مع أنّ حجمها لو تحرّكت خطوةً واحدة فقط لسحقنا على أيّ حال.
على أيّ حال ، حقيقة وجود شيءٍ كهذا في البرج جعلتني أتنفّس الصّعداء بلا توقّف.
ثمّ ، حين رأيتُ ظلّ الجسر المعلّق ، تذكّرتُ حقيقةً ما فجأةً و رفعتُ رأسي.
وجود قدم هناك يعني أنّ ‘هي’ على الأرجح نامت و هي واقفة.
‘ليس نومًا عاديًّا ، بل إغلاق أو ختم ما…. شيء من هذا القبيل.’
بما أنّ مصّاصي الدماء هؤلاء أيضًا يظهرون في نافذة النّظام على أنّهم [مختومون] ، بدا هذا الافتراض معقولًا.
لكنّ نومها و هي واقفة يعني أنّ وجهها عند قمّة البرج.
أي أنّه لو أنّني في الجولة الأولى عبرتُ ذلك الجسر بسلام ، لكنتُ رأيتُ وجهها.
عن قربٍ شديد.
“…….”
كنتُ أصلًا مطاردةً من الأرواح الشّرّيرة ، و لو رأيتُ شيئًا كهذا في تلك اللّحظة ، ربّما مـتّ بسكتةٍ قلبيّة.
ارتجفتُ لمجرّد تخيّل الأمر ، و أخفضتُ رأسي.
اقترب فينسترنيس الذي كان شاردًا قليلًا ، و أمسك بيدي و سأل.
“هل الصّديقة خائفة أيضًا؟ من حاكمتنا.”
“……حاكمتنا؟ تقصد تلك العملاقة؟”
“عملاقة. تعبيرٌ ممتع.”
غطّى فينسترنيس فمه بيده الأخرى و ضحك بخفّة.
بحسب معرفتي… أو وفق المفهوم العام ، الحاكم كائن مقدّس و نقيّ. إطلاق هذا اللّقب على شيءٍ كهذا دليلٌ على أنّ هذا الدّير مجنون.
تنفّستُ بعمقٍ مرّةً أخرى بوجهٍ مثقل ، ثمّ أومأتُ برأسي.
“سألتني قبل قليل إن كنتُ خائفة ، أليس كذلك؟ نعم ، أنا خائفة. لو كانت بهذا الحجم ، يمكنها أن تمسكني و تبتلعني أو تسحقني في لحظة. فين ، أنتَ أيضًا خائف من تلكَ العملاقة ، أليس كذلك؟”
قال فينسترنيس قبل قليل: “هل الصّديقة خائفة أيضًا؟” هذا يعني أنّه يشعر بالأمر نفسه.
تردّد للحظة ، و كأنّه تفوّه بتلك الكلمات دون وعي ، ثمّ جاءني جواب بالإيجاب.
“خائف. إذا استيقظت الحاكمة ، سيُؤكل الجميع.”
“…….”
“الصّديقة أيضًا ستُؤكل.”
“….أنا أيضًا؟!”
“نعم. الجميع ، سيُؤكل. كلّهم. بلا استثناء. هذا هو العقاب الذي قيل إنّه فُرض علينا.”
تدفّق العرق البارد مع صوته الجازم. يبدو أنّ علمًا خطيرًا لا يُحتمل قد رُفع الآن!
“لا أعرف. لكنّها ستستيقظ. و عندها سيُؤكل الجميع. الجميع. كلّهم. هذا هو العقاب الذي نزل بنا.”
قال فينسترنيس كلمة “عقاب” أيضًا حين رأى الكاهن المقطوع الرّأس.
محتوى الاختيار : ‘يبدو أنّك ستقتربين خطوةً من الحقيقة’، على الأرجح كان يقصد هذا الحوار.
استقمتُ في مكاني و نظرتُ حولي.
كان مكانًا قاحلًا لا يشبه حديقةً على الإطلاق ، لا شيء فيه سوى أعشابٍ ذابلة و نباتاتٍ بريّة ، لكن كانت هناك مقاعد حجريّة منحوتة هنا و هناك.
رغمَ أن الطّحالب تغطيها ، إلا أنّها أفضل من الجلوس على الأرض.
حملتُ فينسترنيس مجدّدًا ، و توجّهتُ بخطواتٍ واسعة إلى أحد المقاعد و أجلستُه. ثمّ أسرعتُ لأستعيد المعول و الكتاب و عدتُ.
أوّل ما فعلتُه كان فتح الكتاب و عرضه على فينسترنيس.
“فين. هذا الكتاب وجدته في المكتبة. يبدو أنّه يتحدّث عن تلك العملاقة ، أليس كذلك؟”
تصفّح الصورة الأولى ، الثّانية ، ثمّ الثّالثة و الرّابعة بالتّتابع ، و أومأ برأسه.
“الحاكمة. كانت تراقبنا دائمًا.”
و أشار بطرف إصبعه الصّغير بدقّة إلى المقلة المثبّتة على وجه العملاقة.
سألتهُ ، و كأنّي مسحورة:
“مَنٔ تقصد بـ نحن؟ الأشخاص الذين كانوا في الدّير؟”
“السيّد روين و أنا.”
“أنتَ و روين؟”
“نعم. نحن فراخ الحاكمة الصّغار ، الأعزّ و الأثمن.”
و في تلك اللّحظة ، تأكّدتُ أنّ فينسترنيس يتذكّر أيّام هذا المكان حين كان ديرًا. و في الوقت نفسه ، فهمتُ لماذا يؤدّي التّظاهر بالجهل و الذّهاب إلى مكانٍ آخر إلى الانتقال إلى مسار ‘فتاة الهروب’.
‘أسمير لم يكن يعلم أنّني عدوّته في حياتي السّابقة.’
و لم يكن يعلم أيضًا أنّه يتحوّل إلى وحشٍ سائلٍ إذا فقد وعيه. و فينسترنيس لم يكن ليذكر ذلك من تلقاء نفسه.
يبدو أنّ ذاكرته غير مستقرة ، لذلك لا يمكن الحديث أمامه عن أمور الدّير و الحكام.
‘أسمير ، بسبب روين ، لا يبدو أنّه ينوي الابتعاد على أيّ حال.’
العُقَد المتشابكة بدأت تنفكّ واحدةً تلو الأخرى.
لو أجاب فينسترنيس جيّدًا ، فسيُحلّ ما تبقّى أيضًا.
قلّبتُ الصّفحات بحذر. الصورة الخامسة كان تظهر العملاقة و هي تلتهم شخصًا يرتدي ثوبًا أبيض.
“فين. هذا الشّخص ذو الثّوب الأبيض ، هو الفرخ؟”
“نعم. الفرخ.”
“….قلتَ قبل قليل أنّكَ أنتَ و روين فراخ ، أليس كذلك؟ إذن ماذا عن باقي مصّاصي…… أقصد ، الأصدقاء؟ أسمير و إيديلاين و فريسينغير ؟”
“لم يصبحوا فراخًا.”
بدأت القرائن الجديدة تدور في رأسي بسرعة.
أنا و جين رأينا الهلوسة نفسها في غرفة النّسخ. أطفال يرتدون ثيابًا بيضاء يجلسون إلى الطّاولات و يردّدون كلمات بشكل مقزّز.
كنتُ أظنّ أنّ جميع الأطفال بالثّياب البيضاء كانوا قرابين ، لكن يبدو أنّ هناك قرابين خاصّة بينهم.
‘و هما روين و فينسترنيس.’
حين أفكّر بالأمر ، المرّة الأولى التي رأيتُ فيها فينسترنيس كانت في قاعة الصّلاة ، و أوّل مرّة رأيتُ هلوسة العين كانت أيضًا هناك.
و بالمناسبة ، تعبير “فراخ” سيّئٌ جدًّا.
تابعتُ أسئلتي:
“هل هناك شرطٌ خاصّ لتصبح الفرخ؟”
“الحاكمة تختار. لكي تصبح الفرخ ، يجب أن تغتسل كلّ يوم ، و ترتدي ثيابًا جميلة ، و تمجّد الحاكمة. كلّ يوم ، كلّ يوم ، كلّ يوم ، كلّ يوم….”
“ح- حسنًا. فهمت. اهدأ. لا بأس. و ما الذي يحدث لمَنْ لا يصبح فرخًا؟”
“قالوا إنّهم يعيدونهم.”
يعيدونهم؟ إلى منازلهم؟ بهذه السّهولة؟
مال رأسي و أنا أقطّب حاجبي ، فأضاف فينسترنيس:
“إلى حضن الحاكم.”
“يا له من جنون….”
إذًا هذا هو الأمر.
بالطّبع لن يعيدوهم إلى منازلهم بسلام.
انفلتت منّي شتيمة دون وعي ، لكنّ فينسترنيس لم يهتمّ ، و واصل الكلام ، كأنّه يفرغ ما كان مكدّسًا في صدره.
“الحاكمة تحبّ الأشياء الصّغيرة و الجميلة. فرين كبـرَ بسرعةٍ كبيرة ، لذلك كان يجب أن يجوع كلّ يوم. قالوا إنّه لا يجب أن يكبر أكثر ، فكانوا يُجَوّعونه دائمًا.”
كان فريسينغير ، منذُ أوّل لقاء ، يسيل لعابه و يتحدّث عن الدّم بلا توقّف.
كان يقول دائمًا إنّه جائع.
ربّما هذا هو السبب؟
“مير كان له أخ. أصبح فرخًا ، و أكلته الحاكمة. السيّد روين اعتنى بمير كثيرًا. لكن حين أصبح السيّد روين فرخًا ، بكى كثيرًا.”
كان أسمير يحبّ فكرة كونه أخًا لروين. و كان يتبعه بإخلاصٍ مبالغ فيه.
التعليقات لهذا الفصل " 102"