وقفتُ أمام الممرّ بعزمٍ حاسم ، لكنّ التوتّر لم يهدأ.
بعد أن أطلقتُ أنفاسي المتقطّعة أكثر من عشرين مرّة و هدّأتُ صدري المرتجف ، طلبتُ من فينسترنيس.
“فين ، أنا آسفة ، لكن هل يمكنكَ أن تتقدّم؟ الممرّ ضيّق جدًّا لنعبره معًا ، و إذا دخلتُ أوّلًا فلن أرى الضّوء.”
كان بإمكاني أن أُعطيه الفأس ، لكنّه قصير القامة و صغير اليدين ، و سيكون الإمساك به عبئًا عليه. كما أنّ هيئته البالغة لا تبدو مألوفة لديه ، و بصراحة أنا أيضًا أشعر بثقلٍ ما ، لذا كان من الأفضل أن يتقدّم.
نظر فينسترنيس إلى الشّمعدان ثمّ إلى وجهي ، و أومأ برأسه ، ثمّ دخل مباشرةً إلى الممرّ السّرّيّ.
بعد أن أخذتُ نفسًا عميقًا مرّة أخرى ، توجّهتُ بالكلام إلى أسمير الذي كان يقف بوجهٍ غير راضٍ.
“إذًا يا مير ، أنا و فين سنذهب قليلًا و نعود. هل ستذهب إلى مكانٍ آخر؟”
“لماذا؟”
“فقط أسأل…. بدافع الفضول؟”
لم أتوقّع أصلًا أن ينتظرنا أسمير.
فإذا كان روين من النّوع الذي يجعل المرء يجنّ سواء كان موجودًا أم غائبًا ، فإنّ غياب أسمير كان مريحًا إلى حدٍّ كبير.
لكن بما أنّ هدفي الآن هو رفع مستوى الصّداقة ، أردتُ على الأقلّ معرفة تحرّكاته.
أجابني بفظاظة و هو يلمس الجزء العلويّ من القلادة.
“سأنتظر هنا.”
“ستنتظر؟ لماذا؟”
“إذا قرّر السيّد روين أن يقتلكِ مرّةً أخرى ، سأتدخّل و أقطع رأسكِ هكذا.”
“…….”
“همف.”
رغم أنّ مستوى الصّداقة ارتفع ، إلا أنه لا يزال على حاله. الأمر مُحبط ، لكنّه بطبيعته هكذا ، لذا لم يكن الأمر صادمًا.
شدَدتُ قبضتي على الفأس و ألقيت عليه وداعا مقتضبًا ، ثمّ دخلتُ الممرّ.
“لنذهب يا فين.”
أومأ فينسترنيس برأسه الصّغير و تقدّم ببطء.
وجوده أمامي كان مطمئنًّا أكثر من وجوده خلفي.
كما أنّ الممرّ ، رغم ظلامه و ضيقِه ، كان يُظهر الخارج ، لذا لم أتردّد.
لكن المشكلة كانت في ضيق المكان فعلًا. كان أضيق ممّا يبدو بالعين ، لدرجة أنّ الانحناء كان ضروريًّا للمشي.
أمسكتُ بذراعيّ إلى الخلف و سحبتُ الفأس على الأرض كي لا أطعن فينسترنيس ، و كان صوت احتكاك الحجر مخيفًا.
‘هلوسة موت مينا تعود إلى ذهني باستمرار….’
صحيح أنّني لستُ وحدي الآن و أنا أتّبع توجيهات الاختيار ، لذا لن أتعرّض للتّفكيك ، لكنّ الشعور بعدم الارتياح لا يمكن إنكاره.
بدأتُ أسمع وقع خطواتٍ خلفي عندما لم يبقَ على المخرج إلّا القليل.
طق….طق.
صوتٌ لا يحمل أيّ نيّة لإخفاء وجوده ، جعل العرق البارد يتصبّب منّي.
“…..فين. الصوت الذي نسمعه خلفنا ، ليس مجرّد وهم ، صحيح؟”
“نعم.”
“لو التفـتُّ الآن ، هل سأندم؟”
“نعم”
“حسنًا…..”
مهما كان ذلك الشّيء ، علينا الإسراع.
و لحسن الحظّ ، بدا أنّ فينسترنيس يأخذ علاقة ‘صديق★★’ على محمل الجدّ ، فزاد من سرعة خطواته.
طق… طق… طق.
كانت الخطوات تقترب ، لكنّ المخرج أيضًا بات قريبًا.
خرج فينسترنيس أوّلًا.
و بأنفاسٍ تكاد تختنق من شدّة التوتّر ، اندفعتُ أنا أيضًا إلى الخارج ، لكن في تلك اللّحظة ، تعلّق شيء ما بشعري.
“آه!”
صرختُ لا إراديًّا و لوّحتُ بالفأس بعشوائيّة.
شعرتُ بشيءٍ يمرّ على طرف الفأس ، لكنّ ذلك كان كلّ شيء.
كنتُ قد تأكّدتُ سابقًا من أنّ الهجمات الجسديّة تؤثّر في مصّاصي الدّماء ، فلو أصبتُ مَنٔ كان خلفي ، ألن يُصدر صوتًا؟
حبستُ جسدي بصعوبة و منعتُ نفسي من الالتفات ، ثمّ تقدّمتُ خمس خطواتٍ إضافيّة قبل أن أنظر خلفي.
كان هناك شخصٌ يرتدي زيّ الكهنة.
لكن دون رأس.
“…….”
لم أستطع تمييز إن كان رجلًا أم امرأة بسبب ردائه الفضفاض ، و كان يلوّح بذراعيه في الهواء.
لكنّه بدا عاجزًا عن الخروج ، فتخبّط قليلًا ثمّ عاد و اختفى في الظّلام.
‘لو التفتُّ داخل الممرّ ، لكنتُ ندمتُ فعلًا.’
كانت ذراعاه تتحرّكان و كأنّه يبحث عن شيءٍ ما.
فضّلتُ ألّا أتخيّل ما كان سيحدث لو أمسك بي.
أخرجتُ أنفاسي المكبوتة طويلًا و رفعتُ رأسي.
و عندما تنفّستُ بعمق ، امتلأت رئتاي بهواء اللّيل البارد ، و دخل الجسر الذي سقطتُ منه سابقًا و البرج الحادّ في مجال رؤيتي.
أدرتُ بصري بتثاقل إلى الأسفل، فوجدتُ فينسترنس ينظر إليّ. ومجرّد رؤية وجهه الشّارد جعلني أشعر بالشّرود أيضًا.
“لنذهب إذًا…. إلى البرج؟”
“نعم. هل نمسك أيدينا الآن؟ هل يمكنني رمي هذا؟”
سأل و هو يُلوّح بالشّمعدان.
كان ضوء القمر كافيًا الآن ، لكن بما أنّنا سنعود إلى داخل الدّير لاحقًا ، لم يكن من الجيّد إطفاء النّار.
“هل البرج مظلم؟”
“نعم.”
“إذًا ، خذ الشّمعدان و اترك الكتاب مؤقّتًا. أنا لا أستطيع التقدم دون ضوء.”
نظرَ فينسترنيس إلى يديه بالتّناوب ، ثمّ وضع الكتاب على الأرض دون اعتراض.
عندما أمسكتُ بيده الفارغة ، رسم ابتسامةً عريضة ، فبادلته الابتسام ، ثمّ تحرّكنا نحو البرج.
رغمَ أنّني ظللتُ أجرّ الفأس على الأرض.
لم تكن المسافة بعيدة ، لكنّني سايرتُ خطوات فينسترنيس ، فكان السّير بطيئًا و على مهل.
لم يكن هناك داعٍ للاستعجال.
و لأنّ المشهد الذي رأيته قبل قليل لم يغادر ذهني ، طرحتُ عليه سؤالًا لتخفيف التوتّر.
“ذلك الشّخص الذي بلا رأس… أعني الشّبح. لماذا هو بتلك الحالة؟”
“قُطع رأسه.”
“..…هذا واضح. أقصد ، الآخرون كانوا في حفرة نار و يُصدرون أصواتًا غريبة ، فلماذا هو مختلف؟”
رؤية رأس مقطوع أمر صادم ، لكن الجلد الذائب أيضًا منظر لا يُحتمل.
“هل روين هو مَنٔ فعل ذلك؟”
كان لدى روين سبب لمنعهم من الرّاحة حتّى بعد الموت.
توقّف فينسترنيس عن المشي في اللّحظة نفسها التي أنهيتُ فيها كلامي.
“عقاب.”
“عقاب؟”
“…….”
ثمّ عاد ليصمت ، مكتفيًا بكلمةٍ غامضة أخرى.
‘مستوى الصّداقة 155.’
عندما وصلنا إلى القبو كان 140 فقط ، و قد ارتفع مجدّدًا. بهذا القدر ، لن أخسر شيئًا في المحاولة بالسّؤال.
وضعتُ الفأس جانبًا ، و جثوتُ على ركبتيّ لأصبح في مستوى عينيّ فينسترنيس ، و تكلّمتُ بألطف صوتٍ استطعتُ إخراجه.
“تعرف ، يا فين ، رغم أنّ صداقتنا حديثة ، أشعر أنّنا متفاهمان جدًّا. أليس كذلك؟”
“….نعم.”
“و لهذا سأتكلّم بصراحة. أنا أريد أن أعرف كلّ أسرار هذا الدّير. من الماضي… كلّها.”
كان فينسترنيس مختلفًا عن أسمير و إيديلاين و فريسينغير. أجواؤه غامضة ، و كأنّ لديه قصّة ما ، كما أنّ معرفته بالروح الشّرّيرة حصرًا مع روين كانت غريبة.
‘و الأهمّ من ذلك أنّه لا يهتمّ بدمي كثيرًا.’
قيل إنّهم ليسوا مصّاصي دماء أصلًا ، لكنّ فريسينغير كان بعوضةً مثاليّة ، و أسمير و إيديلاين كانا يتوقان إلى الدّم خفيةً.
و فوق ذلك ، خاصية ‘المطعم الشّهير’ التي أملكها و التي أجذبهم بها ، لا بدّ أنّ لها سببًا.
حتّى الآن ، كنتُ أظنّ أنّ كلّ الإجابات عند روين ، لكنّ فينسترنيس يعرف شيئًا ما ، بلا شكّ.
نظرتُ طويلًا إلى عينيه اللّتين تشبهان احتواء النّجوم ، و انتظرتُ. و بعد رمشةٍ بطيئة ، فتح فمه.
“الصّديقة طيّبة؟ سيّئة؟ أيّهما؟”
“أنا مع الطّيّبين….”
مهما حاولتُ تلطيف الأمر ، لا أستطيع أن أقول إنّني شخصٌ طيّب ، خاصّةً مع مشكلة حياة ليلي السّابقة.
خلال الصّمت الذي يعمّ المكان ، تتابع الصّوت الصّغير.
“أنا طيّب؟ سيّئ؟ أيّهما؟”
“فين…. طيّب. نعم ، طيّب جدًّا.”
لم يكن بلا شوائب تمامًا ، لكن بالمقارنة مع مصّاصي الدّماء الآخرين ، كان أفضل بكثير.
أومأتُ بصدق ، فارتخى وجه فينسترنيس قليلًا.
“إذًا ، أنا طيّب.”
“نعم.”
“إذًا ، الصّديقة في صفي؟”
“هكذا يكون الأمر.”
“هكذا… هكذا….”
ما هذا؟ سير الحديث كان دافئًا جدًّا ، لكن حالته بدت غريبة.
عندما رأيتُ الدّموع تتساقط عند قدميه ، أدركتُ متأخّرة أنّني لامستُ صدمةً ما.
“فـ ، فين، لماذا تبكي؟ لا تبـكِ. إن بكيتَ…!”
قد يُعاقبني روين ، الذي يبدو أنّه يكنّ لكم مودّةً خفيّة!
كنتُ أواسيه على عجلٍ حين أمسك فينسترنيس بيدي و شدّني بقوّة.
دون أن أتمكّن من التقاط الفأس ، جرّني إلى وجهتنا الأصليّة ، أمام البرج خلف الجسر.
و عند رؤية الباب المغلق بإحكام ، شعرتُ بالدوار.
كان الباب الحديديّ نصف مدمّر ، و مسدودًا بألواح خشبيّة بشكلٍ بدائيّ.
المشكلة كانت في ‘شيءٍ ما’ بداخله.
‘…قدم؟’
نعم ، قدم.
قدمٌ ضخمة و مشوّهة ، لا يمكن أن تكون لإنسانٍ عاديّ.
التعليقات لهذا الفصل " 101"