جميع القصص
وارثُ أسرةِ “لورباكَر” العريقة، التي تُهيمن على العالم، هو الشابّ “راديوس”؛ رجلٌ وسيمٌ إلى حدٍّ أسطوري، ذو حنكةٍ تجاريةٍ بارعةٍ وكمالٍ يكاد يُضاهي الكمال ذاته.
كان راديوس الداعمَ الخفيّ والمُعجَبَ المخلص للممثلة المسرحية “فيلهلمينا مارتينيز”، غير أنّ في حياته ما يثير صداعه الدائم:
فأمّه، التي انفصلت عن والده، لا تلبث أن تعود كلّ حينٍ ومعها رجلٌ غريبٌ تزعم أنّه حبيبها، ثمّ تُخدع به في النهاية.
قال بحدّةٍ وقد ضاق ذرعًا بالأمر:
“من الآن فصاعدًا، أريني أوّلًا الرجلَ الذي تنوين مواعدتَه.”
قرر راديوس أن يحمي والدتَه من تلك الحُثالة بنفسه.
لكنّ حين التقى بآخر من تقدّم لخطبتها، تنفّس الصعداء وهو يتمتم في ضيق:
‘آه… مجددًا، رجلٌ من العامة؟’
لم يستطع تحمّل ذلك، فعزم على أن يُرهب هذا الرجل حتى لا يجرؤ على الاقتراب من أمّه قيدَ أنملة، مستخدمًا سطوةَ النبلاء التي وُلد بها.
غير أنّ ما اكتشفه هناك جعله يُصعَق؛
فمرشّحُ أمّه الجديد لم يكن سوى والدِ محبوبتِه فيلهلمينا مارتينيز!
دارت عجلاتُ عقل راديوس بسرعةٍ مذهلة:
‘إن تزوّجت أمّي بهذا الرجل… فسيغدو ابنُه فيلهلمينا… أختي؟
هل سأصبح أخًا لمحبوبتي؟!’
فصاح بحماسةٍ جامحة:
“تزوّجا حالًا، من فضلكما!”
لم يكن يعلم راديوس آنذاك أنّ هذه لم تكن الطريقة الوحيدة ليغدو من أسرة محبوبته…
ابنة غير شرعية محتقرة تنتمي إلى عائلة شريرة، وساحرة تصنع السموم—
تلك كانت كاميلا مووين.
في صراعها للبقاء، وبينما كانت تقاوم مصيرها البائس،
سقطت من على الدرج وكادت تموت.
وفي تلك اللحظة بالذات، عادت إليها ذكريات حياتها السابقة.
> “أأنا الأخت غير الشقيقة لبطلة رواية رومانسية مظلمة مخصصة للبالغين؟
والأسوأ… أنني سأموت بسبب جرعةٍ محرّمة من صنعي؟!”
عليها أن تهرب فورًا،
لكن وجه أختها الصغرى، الوحيدة التي كانت طيبة معها، ظلّ يطاردها.
“سأفعل كل ما بوسعي حتى لا تصبحي بطلة في مأساةٍ كهذه!”
وبالكاد تمكّنت من تهريب أختها إلى الأمان،
حتى بدأ خطيب الأخت يتصرّف بغرابة.
> – إذًا، لا تمانعين الزواج بي، أليس كذلك؟ حسنًا، فلنتزوج إذن.
يا صاحب السموّ الدوق، ما بك؟
ألستَ من قال إنك تحب أختي؟
—
“قلتُ لكِ من قبل، كاميلا.”
وضع داين شفتيه على ظاهر يدها بلطفٍ مميت.
> “حتى لو هبطتِ إلى الجحيم…
يجب أن أكون أنا من يقف بجانبك هناك.”
*جميع المعلومات الطبية والصيدلانية الواردة في هذا العمل خيالية ولا تمتّ للواقع بصلة.
“يا إلهي، خطأ! لكن بما أن لون الشراب يشبه لون الفستان، فلن يُلاحظ أحد، أليس كذلك؟”
تظاهرت بأنها أسقطت الشراب على الفستان القديم، بينما تحدثت ببرودٍ متعمد،
“ألَا تُدرَّس الآداب في بيت البارون؟”
أمام الجميع في قاعة الحفل، أهانت خصمها علنًا.
هكذا كانت سيلينا آرسين، الشريرة المشهورة في مجتمع النبلاء.
لكن..…
“هذا أمرٌ إمبراطوري: كوني الشريرة!”
فقد كان الأمر في الحقيقة مشروعًا سريًا بأمرٍ من ولي العهد!
إذ إن ولي العهد، الذي وقع في حبّ ابنة البارون الفقيرة، قدّم لسيلينا عرضًا لا يُصدّق — أن تتظاهر بدور الشريرة لتساعده في التقرب من حبيبته الحقيقية.
كانت سيلينا تظن أن الأمر مؤقت، وأنها ستتظاهر بالشر حتى يصل الحبيبان إلى نهايةٍ سعيدة.
لكن فجأة..…
“هل يليق بمثل تلك الآنسة أن تبقى في مجتمعنا الراقي؟”
“إنها تزداد وقاحةً يومًا بعد يوم…..أريد فسخ الخطوبة!”
تحوّل التمثيل إلى حقيقةٍ مرّة.
طُردت سيلينا من المجتمع، وكادت تخسر خطيبها أيضًا!
وفي خضم أزمتها، مدّ بطل حرب الإمبراطورية، الدوق زينوس يوستيا، يده إليها.
“كان يمكنكِ أن تقولي أنكِ كنتِ معي، لم يكن ليصعب ذلك، لكنكِ عانيتِ دون داعٍ.”
“عفواً؟”
“حالما تُنهين فسخ خطوبتكِ…..تزوّجيني.”
“ماذا؟!”
عيناه الحمراوان ثبتتا عليها بثباتٍ مقلق، ويبدو أن هوس الدوق الغامض بها ليس بالأمر العابر..…
“سأقبض على جميع المحتاليين واذهب الى الجحيم!”
تعرضتُ للخداع من قبل حبيبي، وفقدتُ كل ثروتي
ومما زاد الطين بلة، فقد فقدتُ حياتي ظلماً…
عندما فتحت عيني، وجدتُ نفسي متقمصةً شخصية ثانوية في رواية فانتازيا رومانسية بعنوان”هل أنا حقاً ابنة الدوق بعد أن كنتُ مجرد عامية؟”
لكن المصيبة أنني تقمصتُ شخصية إسبين ليون، التي اشتهرت بكونها مغفلةً تُخدع من الجميع وتموت ببؤس!
‘حسناً، في هذه الحياة لن أسمح لأحد بخداعي…’
سأبدأ أنا بخداع المحتالين أولاً.
يجب أن يتذوقوا نفس المرارة التي تشعر بها الضحية، أليس كذلك؟
وهكذا، كنتُ أتُجنب القانون بخفة بينما كنتُ أضرب المحتالين على رؤوسهم
لكن لسبب ما، دوق هولت قائد فرسان الإمبراطورية، والذي يعد بمثابة المدعي العام والذي يشبه الشرطة،كان يشك بي باستمرار.
“يا آنسة، هل تعتقدين أنني لن أعرف؟”
“ماذا؟”
“هويتكِ الحقيقية، يا آنسة”
هل سأتمكن من الهروب من بطل الرواية الأصلي وأطهر الإمبراطورية من جميع المحتالين؟
إسبين، المحتالة النبيلة وترافيس قائد الفرسان الذي يصطاد المحتالين، مطاردة مليئة بالتوتر والمشاعر في قصة رومانسية حلوة ومريرة.
أوركسترا لا تنتهي، وثرياتٌ ساحرة، وعطورٌ فاخرة، وقبّعاتٌ أنيقة… تلك هي الحياة التي فُرضت على “لينور دي بيلوف” — أن تحيا في عالمٍ من الأناقة والإتيكيت الصارم.
في زمنٍ أخذت فيه قيمُ الماضي التي حافظت على مجد المدينة تتهاوى، برزت أسرة “بونيل” كإحدى العائلات الجديدة الثرية.
وُلدت “أنِيت بونيل” في نعيمٍ مترف، وعاشت حياةً مكلّلة بالبهاء والمجد، إلى أن اتجهت هي وعائلتها إلى العاصمة.
‘يقولون إنّ صيف بيلوف يشبه فتىً مراهقًا.’
يمرح بحماسةٍ لا تنتهي، ثمّ يذبل عند لمحةِ عين، حارٌّ بالأمس، ماطرٌ اليوم… ذاك المزاج المتقلّب للصيف هو ما شهدت خلاله “أنِيت” لقاؤها به.
إنه “ليونيل يوركشر” — سيّدٌ من علية القوم، ورمز الشرف والرقيّ، الرجل الذي حصد أعلى الأصوات في استفتاء “الرجال الذين ترغب النساء بالزواج منهم”، وربما كان أجملَ السادة في البلاد قاطبة.
لكنّها ذات يومٍ شهدت الوجهَ الآخر لذلك الرجل.
“سأتخلّص من إيمِريت مِلتون خلال يومين. لم أُرِد أن أصل إلى هذا الحد، لكنّه هو من حفر قبره بنفسه…”
يا لها من مصيبة! بدافعٍ من ضميرها الذي لم يطاوعها، قرّرت أن تكشف للعالم جرائمه.
“السير ليونيل ف. يوركشر هو من قتل البارون إيمِريت ج. مِلتون!”
غير أنّه كان رجلاً بوجهٍ سميكٍ لا يعرف الخجل.
“…تذكّري فقط، أنّ من جعل الأمر يخرج عن السيطرة… هو أنتِ.”
ماذا… ماذا كان يقصد بذلك؟
لقد صدر قرار زواج غير متوقع من الملكة المسنة.
“أنا أقود اتحاد دوق كافنديش من ديفونشاير وإيرل ستيوارت من جالواي.”
أين دوق كافنديش؟ إنه من أعظم عائلة في إنجلترا، يتفوق على الملكة في السمعة والثروة.
وماذا عن إيرل ستيوارت؟ إنه اسكتلندي فقير، لا يملك سوى لقب فارغ، ويعيش في عقار مهجور في غالاوي.
ماذا عن العريس، دييموس كافنديش؟ إنه رجل قاسٍ ومنحط.
وماذا عن العروس، سايكي ستيوارت؟ تُعرف بأنها الشبح المقيم في قلعة غالاوي الكئيبة.
منذ البداية، بدا هذا الزواج محفوفًا بالمخاطر. ولضمان إتمامه بسلاسة، ينطلق إيروس كافنديش، الابن غير الشرعي للدوق، والذي يأسر قلوب سيدات البلاط بسهامه الذهبية، إلى اسكتلندا.
حاملاً ذكريات زهور الذرة الزرقاء والفراشات الصفراء.
استيقظتُ لأجدني رهينةَ عالمٍ قصصيٍّ غارقٍ في العتمة، خاوٍ من الرجاء كأرضٍ نُزِع عنها النور.
تجسدتُ في هيئة الابنة الكبرى لأسرةٍ نبيلةٍ عُرفت ببراعتها في السحر، غير أنّي كنتُ عاطلةً عن أيِّ موهبةٍ أو هبةٍ تُذكَر، مجرّد هامشٍ في الحكاية، ظلٍّ يتلاشى بين السطور.
لكن…
لم أكن لأدع البؤس يبتلعني كما ابتلع سواي!
حين تهاوى وريثُ إحدى الأسر العريقة من عليائه إلى حضيض الهلاك، مددتُ نحوه يدي، وانتشلته من بين ركام قدره، ووهبتُه عنايتي كما تُوهَب الحياة لمن على وشك الفناء.
راعيتُه بإخلاصٍ لا شائبة فيه، وصدْقٍ لم تَمسّهُ الأنانية، على مدى أعوامٍ كانت كفيلةً بأن تُعيد صياغة كلِّ شيء.
لكنّ الزمن لم يكن رحيمًا.
فبعد أربعِ سنواتٍ كاملة، تبدّلَ كلّ ما كنتُ أعرفه.
“ألعلّكِ…
تفكّرين في التخلّي عنّي؟”
همس بها صوته المرتجف كأنّه سؤالُ حياةٍ أو موت، وكانت عيناه تُمسكان بي كما يُمسِك الغريق بطوق نجاةٍ أخير.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد يبتعد عنّي طرفة عين.
—
“لوسي…”
نطق اسمي وكأنّه يتذوّقه، ثمّ تابع بصوتٍ تخالطه رعشةُ امتنانٍ وحنين:
“حين تكونين إلى جانبي، أشعر أنّ كلّ ما ينهار داخلي يمكن أن يُبنى من جديد، وأنّ العالم – على قسوته – يغدو محتمَلًا.”
توقّف فجأة، ثمّ مدّ ذراعيه نحوي واحتواني بقوّةٍ صادقةٍ أربكت أنفاسي.
كانت أصابعه تجوس في شعري وعلى ظهري بارتباكٍ شبيهٍ بالعطش، كما لو أنّه يخشى أنّه إن تراجع لحظةً واحدة… سيفقدني إلى الأبد.
“أنظري إليّ،” قال بنبرةٍ واهنةٍ ولكنها دافئة،
“ما إن بقيتِ معي ساعاتٍ معدودة حتى عادت إليَّ روحي، وعاد قلبي ينبض بثبات.”
ابتسمتُ بخفةٍ لأكسر ثقل اللحظة وسألته برقةٍ ممزوجةٍ بالتردّد:
“وهل يعني ذلك أنّه بإمكاني الابتعاد قليلًا الآن؟”
لكنّ رافين لم يُجِب بالكلمات.
قبض على يدي بعنفٍ مفاجئ، قوّته كانت تفوق كلّ ما عهدتُه منه، حتى شعرتُ بالألم يزحف عبر معصمي.
“لا تجرّبي ذلك.”
قالها بصوتٍ خفيضٍ، ولكنّها انغرست في قلبي كسيفٍ مسلول.
ضاقت عيناه قليلًا، وارتسم في ملامحه صرامةٌ لم أعرفها من قبل، ثمّ أردف ببطءٍ حاسمٍ:
“هذا أمرٌ لا يُسمح به. لن أسمحَ به، أبدًا.”
تردّدتُ صامتة، وبين ضلوعي شيءٌ يشبه الخوف…
أو الارتباك… أو لعلّه شيءٌ أعمق من كليهما.
كلماته تلك لم تكن مجرّد رفضٍ، بل قَسَمٌ غامضٌ يحمل في طيّاته وعدًا وعُقدةً لا تنفصم.
ورغم قلبي الذي تاه بين النفور والعطف، أدركتُ أنّني كنتُ — بطريقةٍ ما — أُصبح مركزَ عالمه المتهالك شيئًا فشيئًا.
بوني، في الرابعة من عمرها، فتاة يتيمة من دار الأيتام.
“أنا رودن هاينر، وسأتولّى خدمتكِ بدءًا من اليوم.”
‘هل حان أخيرًا انقلابُ حياةِ بوني؟ هل ستُصبح ابنةَ دوق؟!’
“عليكِ أن تتعلّمي كيف تعيشين وحدك في هذا القصر.”
……أو هكذا ظنّت، لكنّ الحقيقة كانت شيئًا آخر تمامًا!
“بوني… لقد تحطّم حلمكِ تمامًا…”
ومع ذلك، لم تفقد الطفلة العبقرية بوني عزيمتها.
فقد كانت تملك ما يُنقذها دائمًا. ‘دفتر الأسرار العبقري’ الذي يخبرها بكلّ شيء!
‘عزيزتي الصغيرة، إن تمّ تبنّيكِ، فعليكِ أن تجدي وصيًا يحميكِ.’
“أيّها العمّ الوسيم، هل تريد أن تربي بوني؟ عرضٌ خاصّ اليوم!”
وباتباعها نصائح الدفتر، وجدت وصيّها بالفعل.
‘إن لم تعرفي ما العمل، فافتحي دفتر الأسرار في أيّ وقت.’
“في الثامن عشر من مايو من العام 887 حسب التقويم الإمبراطوري، سيظهر وباءٌ غامض في إقليم لوبيّا الجنوبي؟”
لقد منحها الدفتر معلوماتٍ سرّية عالية المستوى أيضًا!
“ابنتي لطيفةٌ حدَّ الذوبان، أليست كذلك؟”
“أشعر أنّني لا أمانع لو التهمتني بوني …”
“أنا الأخ الأكبر لبوني، فهمتِ؟ الـ ـأخ، الأكـ ـبر!”
وهكذا تمكّنت بوني من ‘احتلال’ منزل الدوق!
غير أنّ خلف براءتها تلك، كان يكمن سرٌّ هائل آخر!
‘كم هي لطيفةٌ حدَّ الجنون. كيف يمكن أن تكون هذه الطفلة شريرة؟’
‘إيّاكِ أن تتوقّعي الحبّ أبدًا. فالبشر جميعهم سُذّج! استنزفيهم حتى آخر قطرة!’
‘……عندما تُصبحين راشدةً حقًا، ستفهمين كلَّ شيء يا صغيرتي.’
فهل ستتمكّن بوني، كما تنبّأ ‘دفتر الأسرار العبقري’، من أن تُصبح راشدةً عظيمة بحقّ؟
في عالمٍ تتشابك فيه الخريطة كنسيجٍ عتيقٍ من الأسرار والدماء، يمتدّ هذا العالم عبر سبع قاراتٍ عظيمة:
نيڤارا، سليفانا، سولارا، أوديسوس، لانسلوت، سليفان، وأتلانتس وفي — كلّ واحدةٍ منها تحمل طابعًا مختلفًا، بعضها غارق في الجليد والصمت، وأخرى تتوهّج تحت شمسٍ لا تغيب، فيما تُخفي الغابات القديمة أنفاس حضاراتٍ اندثرت منذ قرون.
هذا العالم لا يعرف التوازن. فسطوحه مقسّمة إلى أربع إمبراطورياتٍ كبرى، وست ممالك مستقلة، تتخلّلها مدن حرّة لا تخضع لسلطةٍ سوى لأسوارها الحديديّة. أما الطرق الطويلة التي تربط العواصم ببعضها، فهي تمرّ عبر قرى تائهة — لا راية تظلّلها، لا إمبراطور يعترف بها. هناك، يُعدّ البقاء نوعًا من العبادة، إذ ينام الناس على بطونٍ خاوية ويستيقظون على صرخات من يساقون إلى التجنيد الإجباري.
في الأطراف، حيث الأرض تُباع مقابل قطرة ماء، تُحكم بعض القرى من قِبل إقطاعيين يملكون الأرض والأنفاس معًا. يفرضون الضرائب على الحبوب والهواء، بينما الأطفال يموتون قبل أن يتعلموا نطق أسمائهم. هناك، لا يصل الخبز ولا يصل الضوء… فقط العفن، والخوف، ورايات النبلاء التي لا تمزّقها الرياح.
رغم الفساد الذي ينخر الطبقة العليا، لا يخلو العالم من النبلاء الذين لم تُطفأ إنسانيّتهم بعد. بين أرشيدوقيةٍ واحدة، وخمس دوقيات، وثلاثٍ وعشرين ماركيزية، وخمسٍ وثلاثين بارونية، وسبعة كونتات، واثني عشر فيكونت — يقف القليل منهم ضدّ التيار، كأنهم شموعٌ تحاول تحدّي العاصفة.
أما الإمبراطورية الأساسية، أورايوس، فهي قلب هذا العالم النابض… والعفن الذي يسري في شرايينه معًا.
إمبراطورية تمتدّ كقارةٍ ونصف، مقسّمة إلى مقاطعاتٍ واسعة تحكمها الدوقيات والماركيزات، وتخضع مباشرة لظلّ العرش الذهبي. نظامها هرمي صارم، حيث يقف الإمبراطور على قمّة الهرم، يليه مجلس الأرشيدوقيات، ثم الدوقات، فالماركيز، فالكونتات والفيكونتات، فالبوارنة حتى تصل السلطة إلى الإقطاعيين الصغار الذين يمسكون برقاب القرى البعيدة.
في أورايوس، القوة ليست فقط في السيف، بل في الاسم، في النسب، وفي الأسرار التي يمكن أن تطيح بعرشٍ بمجرد همسة. إنها إمبراطورية تتقدّم عامًا بعد عام، لكنها تبني مجدها فوق عظام من يُنسَون في الظلّ.
خرجت الشريرة لتعيش بهدوء، تدير مقهى برنش بسعادة!
استفاقت لتجد نفسها قد انتقلت إلى جسد شخصية أخرى.
حدث هذا لي، قصة شبيهة بروايات الخيال.
أنا التي لم أختبر الحب يوماً، وعشت فقط من أجل العمل، انتقلت إلى جسد الشريرة في الرواية الحزينة “التنين يغرب عند نهاية العالم”.
بيفيانا، خطيبة ولي العهد.
إذا بقيت على هذا الحال، سأقع ضحية لانفجار التنين وأموت.
“بيفيانا، أطلب فسخ خطوبتنا!” “فسخ الخطوبة؟… ماذا؟”
وفي الوقت نفسه، تم فسخ خطوبتها من قبل ولي العهد.
لكن الأمر لم يكن سيئاً!
أخيراً، خرجت بأمان من القصة الأصلية وافتتحت مقهى في قرية هادئة، كما كنت أحلم.
لكن، لماذا هذا الرجل هنا؟
‘لماذا هذا الرجل هنا! كان من المفترض أن لا يترك العاصمة أبداً!’
كارل دراين، الرجل الذي رغم كونه بشرياً، يعد أقرب رجل إلى التنين بعد عدة أجيال.
وفي النهاية، سيكون هو الشرير الذي يدمر الإمبراطورية بعد انفجاره، فلماذا هو أمامي الآن؟
منذ قرونٍ طويلة، لم تعبر جنّيةٌ من جنّيات فصل الدفء من بيكسي هولو إلى غابات الشّتاء.
ورغم أنّ معظم الجنيّات يخشين الأساطير التي تتحدّث عن الوحوش الكامنة في تلك الأراضي المتجمّدة، إلّا أنّ كلاريون لا تستطيع كبحَ انجذابها إلى سكون الشّتاء وجماله الفاتن.
لكنّ عيون الملك الحاليّ ووزراء البلاط المترصّدة بها، تجعلها تملك وقتًا ضئيلًا لتغرق في أحلامها، بينما تتناقص الأيّام الفاصلة عن تتويجها ملكةً جديدة.
غير أنّ الأخبار عن “وحشٍ” يعبر من أراضي الشّتاء إلى أراضي الرّبيع تبلغ القصر، فترى كلاريون في التصدّي لهذا الخطر فرصةً لإثبات أنّها جديرةٌ بمكانتها القادمة.
لكن، وبدلًا من أن تعثر على وحشٍ عند حدود الشّتاء، تجد ميلوري، الحارس الشّاب لغابات الشّتاء.
معًا، يُنشئ الاثنان رابطًا غير متوقّع، بينما يسابقان الوقت لإنقاذ أراضيهما من الهلاك.
غير أنّ تحالفهما الدافئ سرعان ما يتخطّى حدّ الصّداقة، ليكتشفا السّرّ وراء تحريم اجتماع جنّيةٍ من فصول الدّفء بجنّيٍّ من فصول الشّتاء.
وسيدركان أنّ ثمن ذلك قد يكون قاتلًا، تمامًا كوحوش الغابات الثّلجيّة التي تُطارد الظّلال في صمتٍ مرعب.
اكتشف أصل القصّة التي جمعت بين ملكة بيكسي هولو وسيّد غابات الشّتاء، تلك الرّومانسية القدريّة المكلّلة بالنّجوم والمأساة.
“أيُّ حلمٍ عجيبٍ هذا؟”
في يومٍ من الأيّام، وبينما كنتُ أؤدّي عملي كسكرتيرةٍ في قصرِ الدوق، رأيتُ في منامي فارسًا لا أعرفُ عنه سوى اسمه الغامض وملامحه الباهتة، وقد كان جريحًا.
اعتقدتُ أنّه مجرّد حلمٍ عابرٍ لا أكثر، غير أنّه لم يكن كذلك، إذ بدا وكأنّهُ رؤيا تنبّؤية.
منذ تلك اللّيلة، صار ذلك الفارسُ يظهرُ في أحلامي مرارًا، وفي كلّ مرّةٍ أراهُ يُصابُ بأذًى.
ولم تمضِ أيّامٌ حتّى بدأت أحداثُ المنام تتكرّر في الواقع كما هي، دون اختلافٍ أو تأخير.
كان ضميري يأنّ داخلي، فلا يُتيح لي أن أتغافل عمّا أراه، فوجدتُ نفسي مدفوعةً للتدخّل رغمًا عنّي.
“أيّها الفارس! انتبه للصخرة أمامك!”
“لقد تُركتِ المحرقةُ مفتوحة…
ما أخطر هذا الإهمال!”
“سأسلكُ هذا الطريق، هل تودّ أن ترافقني؟ إنّه أكثرُ أمنًا وتعبيدًا.”
كانت كلّ تلك التصرفات مجرّد بادرةِ لطفٍ صغيرة، رغبةً في تجنيبهِ الأذى، لا أكثر.
ولكن حين دعوتُه إلى الحديقة كي أتفادى له موقفًا خطرًا، نظر إليّ بجدّيّةٍ وقال:
“أعتذر، لكنّي لستُ مهتمًّا بالمواعدة.”
ما الذي يقصده؟!
أيُّ مواعدةٍ هذه؟! ليس في قلبي له ميلٌ ولا رغبة! كلّ ما في الأمر أنّي أملكُ ضميرًا حيًّا وقلقًا مبالغًا فيه!
حاولتُ أن أشرح له ذلك مرارًا، لكنّهُ أبى أن يُصدّقني.
ناقشتُه، استنكرتُ ظنونه، ثمّ ضجرتُ أخيرًا وتركتهُ لشأنه، ليظنّ ما يشاء.
ومع مرور الوقت، وجدتُ المسافة بيننا تتلاشى شيئًا فشيئًا دون أن أشعر.
أين اختفى ذلك الرجلُ الذي كان يتمنّع خلفَ حواجزٍ لا داعيَ لها؟
“…أحقًّا لا تُكنّين لي أيَّ مشاعر؟”
كان يقفُ أمامي رجلٌ عريضُ المنكبين، ذو ملامحَ قويّةٍ شبيهةٍ بالدُّب، وعلى وجهه بقايا حزنٍ خافت.
…وإنْ كان يشبهُ الدُّب، أفلا يفترض أن أخشاه؟
فلماذا يبدو في عينيّ لطيفًا إلى هذا الحدّ؟
هل بلغَ بي الجنونُ أن أراهُ جميلًا؟




