إثارة
عُدتُ إلى الماضي لا بدافع الحنين، بل لأنَّ بعضَ الآثارِ تأبى الفناء، وتصرُّ أن تبقى معلّقةً بينَ الذاكرةِ والزمنِ، كندبةٍ لا يطالها النسيان.
في عالمٍ تُستحضَرُ فيهِ القوى همسًا، وتُنسَجُ فيهِ المصائرُ خلفَ جدرانِ أكاديميةٍ لا تُرى إلا لمن كُتِب له العبور، تعلّمتُ أن أكون ظلًّا لا يُرى، أمشي بخطًى لا تُسمَع، وأُحكِمُ قبضتي على خيوطِ القدر من حيث لا تمتدّ الأيدي ولا تُدرِك الأبصار.
كان البيت أولَ ميدانٍ للهزيمة، وكانت العائلة أولَ درسٍ قاسٍ أن القربَ لا يُورِث الانتماء، وأنَّ الصمتَ قد يكون حكمًا، وقد يكون إدانةً لا يُمهِلُ صاحبها دفاعًا.
حُمِّلتُ وِزرَ ما لم أرتكب، فعدتُ لا لأستعيد ودًّا منقضيًا، ولا لأطلب تبريرًا، بل لأعيد صياغةَ ما كُسِر، ولأُثبت بهدوءٍ لا يُلتفت إليه، أن من يُدان ظلمًا قد يصبح القدر ذاته حين يقرّر أن يُحسن الصمت.
واتباد: Ayla-2007
كانت هيس راينويد فتاةً يتيمة، آوتها كنفُ زوجين مسنّين من طبقة الكونت، لم يبقَ لهما من سطوع الماضي سوى اسمه.
وهكذا سيق مصيرها إلى زواج سياسي من الدوق الوسيم ديير كاسلوت، مالك أعظم ثروة ونفوذ في أرجاء الإمبراطورية.
زواج أُكرهت عليه، حتى إن اليأس دفعها إلى الارتماء في البحيرة طلبًا للموت، لكنها عادت إلى الحياة على غير إرادتها.
وفي خاتمة الأمر… وقعت في الحب.
أحبّت زوجها البارد، ذاك الذي قابلها في يوم زفافها بنظرة جفاء لا تليق بالمقام.
غير أنه، ومع انقضاء خمس سنوات من زواج موحش، لم تجد هيس مهربًا من البوح بما كتمته طويلًا.
“طلّقني، أرجوك.”
“……ماذا؟”
حسبت أن كل شيء سينتهي بلا معنى، إلى أن غدت كلمة واحدة، تخفي وراءها الحقيقة، شرارة قذفت بها فجأة إلى المستقبل.
وهناك، وعلى نحو يبعث على الذهول، كان دير الذي واجهته مختلفًا كليًا عن ديير الذي تعرفه في الحاضر.
“أكان ما رأيتِه كابوسًا؟
أن تنسي تقبيلي، وتناديني بكل هذا الجفاء، فلا بد أنه حلم قاسٍ إلى حدّ لا يُحتمل.”
تعابير وجهه التي تعجز عن إنكارها، وحركته العابرة بيده…
كلها كانت توحي بالحب، بلا مواربة.
وتسلّل إلى هيس شكّ مرير، لعلها فقدت صوابها أخيرًا.
ثم، حين أدركت، بتدخّل قدر غاشم، أن دير المستقبل ماضٍ إلى الموت، بدأت تتنقّل بين الماضي والحاضر بحثًا عن اليد التي تسعى إلى إزهاق روحه.
مَن صاحب الجريمة؟
ولِمَ تبدّل على هذا النحو؟
تعرف تيري رومان أربع حقائق ثابتة:
بعد عامين، سينتهي هذا العالم.
هي في الحقيقة متجسدة داخل رواية، وتشغل دور البطلة.
لإنقاذ العالم، عليها أن تعثر على بطل الرواية وترتبط به ارتباطًا وثيقًا.
لكن الكاتب توقّف عن نشر الرواية، لذا لا أحد يعرف من هو البطل الحقيقي.
أما أدلة هوية البطل فليست سوى أربع:
شعر أسود، مظهر وسيم، خلفية قصصية متينة، وعلاقة عميقة مع البطلة.
“أرغب في زواج يقوم على لقاء قدَري، مثل قصص الحب.”
في موقف يُحتم عليها العثور على بطل الرواية لإنقاذ العالم—
“ولكي أتصرف كرفيقة قدَرية… ماذا علي أن أفعل؟ هل أُقبّله فجأة وكأن الأمر مصادفة؟”
تلتقي بالأمير الذي اختارته نساء المملكة كأكثر شخص يبدو كبطل لرواية رومانسية، فإذا به يقول:
“إن أحسنتِ الإصغاء… ستنالين مني كل دلال.”
ثم يظهر عبدٌ مقاتل سبق أن أنقذته ونسيته، ليقول:
“ألا تعلمين أن أمثالك عادةً ما يُشتهَون من أمثالي… ذوي الشعر الأسود؟”
حتى الشرير الأخير، الخصم الأكبر الذي كانت تتصادم معه دائمًا، يبدأ بمحاولة إغوائها.
وبصفتها بطلة الرواية، فليس مفاجئًا أن ينجذب إليها رجال بهذه المواصفات العالية.
لكن المشكلة الوحيدة: فليت أحدهم يأتي وقد كتب على جبينه أنه البطل الحقيقي!
كانت إيلويز ضعيفة البنية منذ طفولتها،
لذا تخلّت عن مجتمع العاصمة الراقي لتعيش في قرية فيلثام الريفية حفاظًا على صحتها. تمضي أيامها السعيدة بزيارة قصر بليسبرى، وهو مقر أوكل صديق والدها إليه العناية به.
وذات يوم، يصلها خبر قدوم قيّم جديد للقصر،
فيقع ذلك عليها كأزمة كبرى، إذ إن لوحاتها السرّية
المخّلة لمحبوبها الأثير، اللفتنانت كولونيل رايان ويلغريف،
التي كانت ترسمها هناك، مهددة بالانكشاف.
وبينما تحاول إيلويز استعادة لوحاتها قبل وصول القيّم الجديد، تصطدم به على درج القصر…!
«لم تري الكولونيل شخصيًا من قبل، أليس كذلكِ
يا آنسة إيلويز؟ إنه ليس بهذه الهيئة.»
منذ ذلك اليوم، تجد إيلويز ورايان الآخر — رجل يحمل
الاسم نفسه لم تكن تتوقع لقاءه — نفسيهما متشابكي المصير
على الدوام، ومع الوقت يبدأ كلٌّ منهما
بالوقوع في حب الآخر…!
إذا كنت تمتلك المانا، فبالتأكيد تعرف كيف تمارس السحر، أليس كذلك؟
“السحر؟ لا، لا أستطيع فعله على الإطلاق.”
لا أعرف كيف أمارس السحر. ماذا يفترض بي أن أفعل إذا لم أستطع حتى رفع ريشة؟
هناك من يستطيعون البقاء في برج السحر حتى لو لم يمتلكوا القدرة على السحر. لأنني أملك من المانا أكثر من أي شخص آخر في العالم.
لذا، في أحد الأيام بينما كنت أشحن الأدوات في برج السحر، انكشفت حقيقة غير متوقعة.
“…ماذا تريدني أن أشحن؟”
“أنا.”
ليام مور. كان الساحر الأعظم الوحيد في العالم الذي لا يملك مانا.
***
لم أرَ حقيقةً كهذه في حياتي.
تاركًا ورائي كل ألم الأسرار والترقيات، ذهبت إلى أرض جديدة مليئة بالفرص…
“ماناك… أطلقها. أطلقها بجنون.” من الساحر الأعظم الذي توسل من أجل المانا،
“لقد أحببتك منذ أيام أكاديميتنا.” إلى زميلي الأصغر الذي يعرف ماضيّ المظلم.
حقائق… تلاحقني…؟
أرجوكم أخبروني. كيف يمكنني البقاء على قيد الحياة بذكاء في برج السحر؟
“ألا تستطيعين التوجيه كما ينبغي؟ يا لغبائك!”
هكذا بدأت حياتها كشخصية ثانوية، تموت مُستغَلَّةً بديلاً للبطلة.
في جسد “إيرينا”، الدليل من الرتبة “سي” المُكلَّفة بعلاج أبطال الرواية من ذوي القوى الخارقة.
لم يعاملوها الثلاثة كإنسانة، بل كأداةٍ للشفاء فحسب.
حتى موتها وجدته مُثيرًا للشفقة والسخرية.
مُمزَّقةً بوحوشٍ، حين انشغل الأبطال بظهور البطلة الحقيقية.
“بما أنني أعرف النهاية، لا يمكنني البقاء مكتوفة الأيدي.”
***
يُقال إن العون يأتي مع السعي.
بفضل مهاراتها في الترويض ومساعدة صديقها الوفيّ، نجحت إيرينا في الهرب من الأبطال.
شهورٌ من السلام مرّت، لكن الشائعات التي تصلها الآن تبدو مشؤومةً.
“إنها تتعلّق بأشهر ثلاثة من ذوي القوى في المملكة انهم يبحثون عن الذي كان يرعاهم وتوفي في حادث.”
‘لا، هذه أنا! لقد ظهرت البطلة، فلماذا يبحثون عنّي؟’
ما زال الثلاثة يندبون رحيل من أُعلنَ رسميًا عن وفاتها.
“لماذا لا يتركون الموتى يرتاحون؟”
رغماً عنها، أُجبِرت إيرينا على خوض لعبة الغميضة مع أقوى شخصيات الإمبراطورية.
هل ستمضي في حياتها المنعزلة حتى النهاية؟
تقمّصتُ داخل لعبة محاكاة مواعدة كنتُ قد تركتُ لها مراجعة نقديّة لاذعة وطويلة.
ومع ذلك، لديّ خبرة في اللعب، فبناء مستوى الألفة ليس بالأمر الصعب…
[تحذير! الذكاء منخفض ولا يمكن الردّ!]
إذًا، فلأبدأ بالمهارات أوّلًا…
[تهانينا. تمّ الحصول على لقب “المثرثرة الكارثية”!]
هل هذا مزاح؟
إجمالي الإحصائيّات السالبة، ناقص 200، يعرقلني في كلّ صغيرة وكبيرة.
لكنّني التقيتُ بإضافي واحد فقط لا يتأثّر بالإحصائيّات،
وقد أصبح هو طوق نجاتي الوحيد……
“جرّب أن تُغويني أنت أيضًا، لوسي.”
لماذا انتهى به الأمر إلى التحوّل إلى الظلام؟
في يومٍ بدا عاديًا على نحوٍ مريب، يومٍ لم يحمل أي نذيرٍ مسبق… انقلب كل شيء بسبب سوء حظٍ واحد فقط.
تجد شارلوت، طبيبة التشريح، نفسها أمام جثة رجل نُقلت إلى المشرحة، وإلى جانبها تقف زوجته… صديقتها التي باتت فجأة موضع الشبهة.
صديقة تُنادى باسم «المشتبه به الأبرز».
ولانتزاعها من قبضة الاتهام، تتوجه شارلوت إلى قيادة الشرطة، حيث تلتقي بالمحقق المسؤول عن القضية—هنري.
غير أن اللقاء الأول لا يسير كما توقعت.
«لديّ ما هو مهم لأقوله لكم، سعادة المفتش.»
«تفضّلي، آنسة شيلون.»
«……اسمي شارلوت.»
«أوه؟ أعتذر. آنسة سيرين، إذن.»
رجل لا يتذكر الأسماء… لكنه لا ينسى الأدلة.
«تحمّلي قليلًا فقط. سأستدعي أحدهم فورًا.»
«……لا تذهب.»
«ماذا قلتِ؟»
«إن كنتَ ستبقى… أعتقد أنني أستطيع الصمود.»
بين مشرحة تفوح منها رائحة الموت، ومدينة تخفي أسرارها خلف الأقنعة، تبدأ قضية لا تبحث عن القاتل فحسب—بل عن الحقيقة التي حاول الجميع دفنها.
لكن في هذا الزواج، لم يبقَ سوى الواجبات والمسؤوليات.
“لا أستطيع النوم أليس هذا هو الحال نفسه بالنسبة لكِ كذلك زوجتي؟”
“…”
“إذاً، على الزوجة أن تساعد زوجها على النوم أليس كذلك؟”
يصل في وقت متأخر من الليل كضيف غير مدعو ويغادر قبل الفجر.
لم يرزق الزوجان بأطفال حتى الآن.
“أنـا تحت ضغط يومي لإنجاب وريث لا بد أنكِ خرجت والتقيتِ برجل غير شرعي آخر، أليس كذلك؟”
“أنت غير مفهوم يا أمير”
“توقفِ عن ذلك! هيز.”
لقد أسأت فهمي، ولم أخدعك.
من الآن فصاعدًا، سنعيش أنا وأنت على خطوط متوازية لن تلتقي أبدًا.
***
كنتَ واجبي ومسؤوليتي.
أريد أن أنهي قصتنا.
[لقد أحببتُكَ لوقتٍ طويل.
سأنتظرُكَ في الساحة أمام نافورة الماء حتّى تخرج.
-ليليان دانتي-]
خفقَ قلبُ ليليان بعنفٍ.
وضمّت يديها فوق صدرها المرتجف، وهي تستحضرُ في ذهنها جيفري الذي سيأتي للقائها.
لكنّ الذي ظهر في مكان الموعد لم يكن جيفري، بل كان شخصًا آخر تمامًا، وهو ‘الدوق كارتان’.
الرجل الذي ذبحَ والديه وإخوته الأشقّاء بلا رحمة، فأُقصيَ من العائلة الإمبراطورية!
وعندما همّت بالتراجع إلى الخلف من شدّة الخوف، تكلّم الدوق كارتان.
“هل قلتِ ليليان دانتي؟
لم أتوقّع منكِ أن تكوني جريئة إلى هذا الحدّ، فتُرسلي إليّ شيئًا كهذا.”
‘لا… لماذا أصبحت تلك الرسالة في يدِك…؟’
كانت رسالة الاعتراف التي كان ينبغي أن تكون لدى البارون جيفري، ممسوكةً بيد الدوق كارتان.
وفي تلك اللحظة، أدركت ليليان الحقيقة.
‘آه! لقد ورّطتُ نفسي.’
ومنذ ذلك الحين، بدأت رحلةُ ليليان المؤلمة والمليئة بالدموع لإلغاء ذلك الاعتراف…….
إنْ كانَ في محيطِكُم شريرةٌ خانها الحبُّ والصداقةُ، فجنحت قليلًا إلى الجنون، فالرجاءُ أنْ تُعامِلوها بلُطف.
فقد لا تكونُ مجرّدَ صديقةٍ أو فردٍ من العائلة…
إنّها أنا.
أنا بالذات.
“فيوليتا دأبت منذُ زمنٍ على اقترافِ الشرور.”
آه، إذًا فدلالةُ زهرةِ العِشقِ هي الخيانة.
هربتُ إلى دولةٍ مجاورةٍ لأضعَ حجرَ الأساسِ للانتقام.
لكنّ هذه البلدةَ أيضًا لا توحي بالاطمئنان.
“ما الذي تشتهرُ به هذه المنطقة؟”
“طيبةُ قلوبِ الناس؟”
فقيرة،
“وما ذاك هناك…؟ سوقٌ ليليّ؟ لا، بل سوقٌ سوداء؟”
“نُزاولُ التجارةَ هنا أحيانًا. وندفعُ أجرةَ المكانِ بانتظام.”
تجري فيها الأفعالُ غيرُ المشروعةِ على مرأىً ومسمع،
“أُوغ… كُح…”
“مولاي الدوق الأكبر، هل ما زلتَ حيًّا؟”
“……”
“يا إلهي… يبدو أنّه قد مات.”
مكانٌ يُصابُ فيه الدوقُ الأكبرُ بلعنةٍ مجهولة، فيتألّمُ كلَّ ليلةٍ أنينًا.
لا بدّ من ذلك. عليَّ أوّلًا أنْ أؤمِّنَ لنفسي مكانًا أعيشُ فيه!
لكن—
“أأُعيدُ القولَ مرّةً أخرى؟”
“قد تكونُ عديمَ الفطنة، وأحيانًا بلا اعتبارٍ للفوارق، ومشاكسًا لا يلبثُ أنْ يُحدثَ كارثةً ما إنْ تُرفَعَ العينُ عنه…”
“ومع ذلك، فإنّني أحبّك كما أنت.”
……ما هذا؟
أنا لم أكن أبحثُ إلّا عن سندٍ لانتقامي، ولم أكن أنوي اصطيادَ سموّ الدوق الأكبر!




