امرأة لطيفة
“تعاقدي معي.”
أديل، الابنةُ غيرُ الشرعيةِ المزعجةُ لعائلةِ ماركيز ميريوذر، تتلقّى عرضًا غيرَ مُتوقعٍ من ابنةِ عمها الصغيرة، كلارا، الفتاةِ العبقريّةِ التي أطاحت بوالدِها وأصبحت رَبّةَ الأُسرة.
“أعني أن تكوني وصيّتي القانونية.”
وكانَ الطلبُ هو أن تُصبحَ وصيّتَها.
لأنّ القاصرينَ لا يُمكنُهم الحصولُ على لَقبٍ دونَ وصيٍّ قانونيّ.
بالنّسبةِ لأديل، كانَ هذا عرضًا مُذهلًا، لكن…
“أُريدُ أن أعيشَ بعيدًا عن ميريوذر.”
ترفضُ العرضَ وتقرّرُ تركَ عائلةِ الماركيز المُزعجةِ نهائيًا.
لكن، في اليومِ الذي خَطَّطت فيه أديل لمُغادرةِ المنزل،
أمسكَت بها قُدراتُها المُخفاة.
“لقد رأيتِ شيئًا، بتلكَ العينين.”
بفضلِ قُدرَتها التي أخفَتها، تَكتشفُ أديل وجودَ قُوىً تتربّصُ بحياةِ كلارا الصغيرة.
فتُقرّرُ أديل، التي رفضتِ العرضَ في البداية، أن تقترِحَ عرضًا مُعاكسًا…
“سيدتي الماركيزة، اجعليني وصيّتَكِ القانونية.”
“حسنًا، لكن في اليومِ الذي أُصبِحُ فيه بالغةً، يجب أن تُغادري القصرَ نهائيًا.”
وهكذا تمَّ عقدُ اتّفاقِ الأخوّاتِ المزيفُ.
لكن كان هناك عقدٌ مُزيفٌ آخرُ ينتظرُ أديل.
“منَ المُطمئِنِ حقًا أن يهتمَّ ويدعمَ هذا العددُ الكبيرُ منَ الأشخاصِ خطيبتي العزيزة.”
فقد عرضَ دوقُ وينشستر، الذي وجدَ أديل في مأزقٍ، عليها أن تكونَ خطيبتهُ المُزيفة.
أُختٌ بالعقد، ثم خطيبةٌ بالعقدِ أيضًا؟!
ما هي نهايةُ هذهِ الحياةِ المُزيفةِ المليئةِ بالعقود؟
“لا يمكنكِ الهروب منّي. أبدًا.”
يجتاح البرد القارس الشمال.
الدوق الأكبر لإمارة فينيكس، ثيو دي لواش.
كان يُلقّب بـ”القاتل”، “شيطان الحرب”.
كان الجميع يخشون قسوته ويرفضون البقاء إلى جانبه.
لكن الآن، لديه عروس مُرتقبة.
امرأة من جزيرة صغيرة في الجنوب، لا توجد حتى على الخريطة.
بعد عام، ستلقى مصرعها كقربان للإمبراطوريّة.
دون علمها بذلك، بيعت إلى الدوق الأكبر القاسي، ثيو.
لم يهتمّ ثيو إن كانت زوجته قربانًا.
ستتركه في النهاية خوفًا.
لن تصمد حتى عامًا وسوف تهرب.
كانت حياته دائمًا منعزلة.
“ثيو، هل نذهب للتنزّه؟”
لكنّها لا تبدو تفكّر في الهروب.
لا تخافه وتبقى إلى جانبه.
بابتسامة نقيّة صافية كهذه…
هل يمكنها حقًا أن تنظر إليّ بهذه الطريقة؟
لا، هذا لن يصلح.
يجب أن أربطها بإحكام بالإمارة، أبقيها إلى جانبي إلى الأبد.
يجب أن أقتل أولئك الذين ينوون تقديمها كقربان.
يجب أن أجعلها أكثر خوفًا حتى لا تستطيع الهروب من هنا أبدًا.
لكن أولاً، يجب أن أتنزّه معها.
لأنّها تحبّ ذلك.
لا أعرف العمل الأصلي، لكن يبدو أنّني تجسّدتُ في جسد عروس مزيّفة داخل قصة رومانسية كوميدية.
لقد وضعتُ خطة محكمة لجعل البطل الرئيسي والمحيطين به في صفّي، تحسّبًا لليوم الذي يُكتشف فيه أنّني عروس مزيّفة.
“على أيّ حال، هذا الزواج مجرّد صفقة.”
أوه، كم هو متوقّع.
على أيّ حال، ستصبح خادمي في النهاية، فلماذا كل هذا النّزق؟
كل ما فعلته هو أنّني نشرتُ بطاقة إيجابية لا نهائية وابتسامة مشمسة كبطلة رومانسية كوميدية…
لكن لماذا يبدو البطل الرئيسي وكأنّه يتعرّض للتنمّر؟
“أنا لا أحبّكِ.”
لم أكترث لبرودته، ظننتُ أنّها مجرّد مرحلة إنكار المعجبين.
كان ينظر إليّ بعيون يملؤها الاستسلام، وكأنّه يرى جدارًا لا يمكن تجاوزه، لكن أذنيه كانتا تتحوّلان إلى اللون الأحمر.
فمه يقول إنّه لا يحبّني، لكن جسده صادق.
“…لا يمكنني حبسكِ، أليس كذلك؟”
يبدو أنّ البطل الرئيسي بدأ يتعلّق بي تدريجيًا…
لكن لماذا يبدو أسلوب هوسه كأنّه من قصة مأساوية؟
لم أكن أعلم حتى في أحلامي أنّ العمل الأصلي كان قصة مأساوية تُعرف بـ”السمّ القاتل”.
آه- على أيّ حال، إنّها قصة رومانسية كوميدية! قصة شافية!
«سأجعلك لا تفكرين في شيء… غيري.»
قبل أسبوع، قضت ليلة مشتعلة مع رجل في جناح هذا الفندق. كانت تظن أنها ستكون مجرد ليلة عابرة…
«أنا أفضل بكثير من ذلك العجوز. في العمر، وفي الشكل، وفي المال… وبالطبع في القدرة. وأنت تعرفين هذا جيدًا.»
لكن لماذا يجلس ذلك الرجل على الطاولة المجاورة في موعد زواجها المُرتّب؟
«تزوجيني. سيكون الخيار الأفضل لنا معًا.»
اسمه كوان سي هيون، المدير التنفيذي لمجموعة هوانهي ووريثها المحتمل. رجل من طبقة لا يمكنها حتى الوصول إليها.
«أنا أكره إضاعة الوقت. أنتِ بحاجة لإنقاذ عائلتك. ونحن متوافقان جسديًا. هل أحتاج لشرح أكثر؟»
«لدي شرط واحد. عندما تصبح الوريث… طلقني.»
كانت تريد الشيء نفسه الذي يريده. وللمرة الأولى، يجد سي هيون نفسه منجذبًا لشخص آخر.
«حسنًا. عندما أحقق ما أريده… سننفصل.»
غا أون تخفي هويتها كابنة غير شرعية. وسي هيون لا يستطيع النوم إلا بقربها. ومع بدء زواجهما العقدي، يخفي كل منهما أسراره، بينما ينجذب كلٌّ منهما للآخر دون قصد.
«هل تريدين أن أربط ربطة عنقك؟»
«أنت تفعلها أفضل مني، السيد كوان.»
«بالضبط. هكذا سنبدو كزوجين حقيقيين.»
سي-هيون، الذي كان يتجنب النساء والأطفال بسبب صدمة ماضية ويكرّس نفسه للعمل فقط، يتظاهر الآن بدور الزوج المحب لوقف الشائعات. لكن تمثيله يبدأ شيئًا فشيئًا بالتحول إلى حقيقة… رغم أنه ينكر مشاعره بيأس.
«لماذا لا تحبين الأطفال؟»
«أنا أحبك لأننا متوافقان جسديًا… وثانيًا، لأنك تعرفين حدودك.»
«…»
«لا تتجاوزي الخط يا غا أون. كما اعتدّتِ دائمًا.»
وبينما تراقب زوجها البارد ظاهريًا الذي ينام كل ليلة إلى جانبها، تتمسك غا-أون ببصيص أمل…
إلى أن يأتي اليوم الذي تستمع فيه بالصدفة إلى حديثه مع جده، الرئيس كوان.
في أقصى شرق القارة، حيث تغفو مملكة سيلفيا في حضن الغابات العتيقة والأنهار المسحورة، تعيش فتاة شابة تُدعى سيلفا في أطراف قرية “مورون” البسيطة، تجهل حقيقة دمائها النادرة التي تنتمي إلى سلالة الجنيات المنقرضة.
كبرت سيلفا بين البشر، تخفي عنهم النور الخافت الذي يتلألأ في عينيها حين تغضب، والهمسات التي تسمعها من الأشجار في الليالي المقمرة. لكن هدوء قريتها لا يدوم، فحادثة غريبة تقودها لاكتشاف جزء من ماضيها المدفون، وتدفعها لمغادرة قريتها نحو قلب المملكة… حيث المؤامرات تنسج في الخفاء، والعرش في خطر.
وفي طريقها، تصادف شابًا غريب الأطوار، ساحرًا بوسامته وغموضه، يخفي هو الآخر هوية مريبة. لا تعلم أنه لوكاس دي سيردا، الأمير المنفي الذي عاد ليطالب بحقه، لكن الرياح تحمل أسرارًا أكبر من أن يتخيلها أحدهما…
بين قوة خفية تتنامى داخلها، وماضٍ ملكي يطارد خطاهما، تبدأ رحلة تغير مصير المملكة بأكملها.
ماتت مرّةً واحدة في حياتها الأصليّة، ثم ماتت مرّتين أخريين بعد أن وُلدت من جديد أميرةً لمملكةٍ ساقطة.
في حياتها الرابعة، لم تكن تريد سوى أن تعيش بهدوء ولزمنٍ طويل، تطهو الطعام الذي تحبّه، وتبقى بعيدة عن الأضواء، وتتجنّب ملصقات المطلوبين.
لكن، كلّما طهت، كان الناس يتصرّفون على نحوٍ غريب.
‘إنه لذيذ…….”
“لم آكل طعامًا كهذا في أيّ مكانٍ آخر في الإمبراطوريّة!”
“إن رغبتِ يومًا في فتح مطعم، فأخبريني. سأستثمر. لا، أرجوكِ، دعيني أستثمر.”
“إن فتحت مطعمًا، فسأستثمر أنا”
يا تُرى، أيّ نوعٍ من الطعام كان هؤلاء الناس يأكلونه طوال هذا الوقت…….؟
وفوق ذلك، كان هناك جروّ صغير جائع التقطته في حديقتها، أخذ يتبعها في كلّ مكان. إلّا أنه لم يكن جروًا حقيقيًّا، بل صبيًّا صغيرًا مهجورًا، يتعلّق بها كحيوانٍ أليفٍ ضائع.
“ألينا هي منقذتي.”
بدأت الأمور تكبر وتتعقّد أكثر ممّا ينبغي، فهربت. لكن حينها…….
“وجدتكِ، يا ألينا.”
الصبيّ الذي كان في السابق طفلًا صغيرًا أشبه بالجروّ
عاد شابًّا ضخمًا بحجم كلبٍ كبير، مكتمل النموّ، قويًّا، ومخلصًا لها.
***
“عانقيني. كما فعلتِ من قبل.”
حدّق بها رجلٌ أطول منها برأسٍ بعيونٍ بريئةٍ كعيون الجرو.
وبينما لامست يد ألينا ظهره العريض برفق، عانقها ريهادرت بقوةٍ كادت تخنقها، وقال بنبرةٍ حنونة.
“لن أترككِ أبدًا.”
كانت كلماتٌ رقيقةٌ بوضوح، لكنها، على نحوٍ غريب، جعلتها تشعر بقشعريرة.
أصبحتُ خادمة للرجُل الثانوي الذي تخلّت عنه البطلة و صار شخصًا منعزلاً في زاوية الغرفة.
“أرجو أن تعتني بي من الآن فصاعدًا!”
“لا تضحكي…….”
لقد كان مختلفًا تمامًا عن صورة الرجُل الثانوي الواثق التي كنتُ أعرفها.
هيئتـه الآن، و هو جالس القرفصاء يعانق ركبتيه بشدة، بدت بائسة للغاية.
كنتُ أحبّ الشخصية الثانوية الذكرية لأنّه رجل مرح يندفع كقطار منفلـت، لكن…
“إلى أين أنـتِ ذاهبة تاركةً إياي؟”
“رئيس…….”
“هل تحاولين الهرب منّي؟”
“دعني أذهب إلى الحمام فقط! هل أقضي حاجتي هنـا؟!”
“هل أشيح بوجهي إذًا؟”
آسفة، لكنني لا أحبّ المجانين إلى هذا الحـدّ.
****
إنه لطيـف.
“رئيس! لقد جلبتُ الوافل خلسة!”
لطيف جدًا.
“إمساكنا بأيدي بعضنا البعض و التنزه هكذا ليس أمـرًا سيئًا، أليس كذلك؟”
محبـوب. محبـوب جدًا. جميـل. لطيـف. ظريـف.
“رئيس!”
لا، لا يمكن أن تستمر الأمور هكذا.
“لكن، يا رئيس. إلى أين نحن ذاهبون؟”
لا مفـرّ سوى أن أسجنه إلى الأبد لكي يراه أحد سـواي.
عُدتُ إلى الماضي لا بدافع الحنين، بل لأنَّ بعضَ الآثارِ تأبى الفناء، وتصرُّ أن تبقى معلّقةً بينَ الذاكرةِ والزمنِ، كندبةٍ لا يطالها النسيان.
في عالمٍ تُستحضَرُ فيهِ القوى همسًا، وتُنسَجُ فيهِ المصائرُ خلفَ جدرانِ أكاديميةٍ لا تُرى إلا لمن كُتِب له العبور، تعلّمتُ أن أكون ظلًّا لا يُرى، أمشي بخطًى لا تُسمَع، وأُحكِمُ قبضتي على خيوطِ القدر من حيث لا تمتدّ الأيدي ولا تُدرِك الأبصار.
كان البيت أولَ ميدانٍ للهزيمة، وكانت العائلة أولَ درسٍ قاسٍ أن القربَ لا يُورِث الانتماء، وأنَّ الصمتَ قد يكون حكمًا، وقد يكون إدانةً لا يُمهِلُ صاحبها دفاعًا.
حُمِّلتُ وِزرَ ما لم أرتكب، فعدتُ لا لأستعيد ودًّا منقضيًا، ولا لأطلب تبريرًا، بل لأعيد صياغةَ ما كُسِر، ولأُثبت بهدوءٍ لا يُلتفت إليه، أن من يُدان ظلمًا قد يصبح القدر ذاته حين يقرّر أن يُحسن الصمت.
واتباد: Ayla-2007
سأحرسُ سعادةَ مُفضَّلي… لا بوصفها التزامًا عابرًا، بل كعهدٍ أقطعه على نفسي، وكقدرٍ اخترتُ أن أحمله بكامل إرادتي، وسأكون أنا الحاجز الأخير الذي لا يُخترق؛ فسعادةُ مُفضَّلي ملكٌ لي وحدي، وديعةٌ بين يديّ، أُحسن رعايتها وأحميها مهما امتدّ الدهر وتبدّلت الأحوال.
“قال لي عمّي يومًا… إنّ من يلتقط شيئًا، عليه أن يتحمّل كامل مسؤوليته حتى النهاية، وأن يمضي في طريقه دون تراجع، مهما كلّفه الأمر وأثقل قلبه.”
ثمّ مدّ مُفضَّلي سبّابته الصغيرة نحوي بخطٍّ مستقيم لا تردّد فيه، كأنّه لا يشير إليّ فحسب، بل يعلن عهدًا مقدّسًا أمام العالم أجمع، وكأنّ تلك الحركة البسيطة كانت كافية لتثبيت مصيرٍ جديد.
“هيلين… أنا الذي وجدتكِ! ولذلك… سأتحمّل مسؤوليّة هيلين ما دمتُ حيًّا، طوال حياتي كلّها! سنعيش معًا، دائمًا… حسنًا؟”
وبقيتُ أنظر إليه بلا رمشة جفن، ويدي تُطبق على فمي كأنّي أحاول احتواء صدمةٍ هزّت أعماقي من جذورها؛ إذ قبل ثانيةٍ واحدة فقط… هذا الطفل، هذا الكائن الصغير الذي لا يتجاوز الرابعة من عمره، نطق بكلماتٍ أثقل من سنّه، كلماتٍ أسقطت قلبي من مكانه وتركتني عاجزة عن التفكير.
‘قال… إنّه سيتحمّل مسؤوليّتي طوال حياته.’
لكنّ مُفضَّلي لم يكن سوى طفلٍ لطيف، صغير، طريّ الروح، بريء الملامح، لم تمسّه بعد قسوة العالم، أمّا أنا—امرأةٌ بالغة راشدة—فكان ينبغي أن أكون أنا الحامية، أنا الراعية، أنا السور الذي يلتفّ حوله ليقيه الألم، لا أن أسمع منه وعدًا يليق بفرسان القصص والأساطير وأبطال الحكايات القديمة.
وكأنّ المنطق كان يصيح بي بلا رحمة: هذا غير ممكن… هذا غير معقول… هذا لا يتماشى مع أيّ قانون من قوانين الطبيعة، ولا مع ترتيب الأدوار الذي يعرفه العالم.
لكنّي لم أستسلم للمنطق في ذلك اليوم، ولم أسمح له بأن ينتزع منّي تلك اللحظة.
فقد انحنيتُ قليلًا وقلتُ، بصوتٍ حاولتُ أن أجعله ثابتًا رغم اضطراب قلبي:
“يسرّني الأمر… أيّها الوصيّ الصغير الذي قُدِّر له أن يكون حاميَّ.”
“ياي!”
أجاب بحماسةٍ غامرة، كأنّه يُعلن بداية عهدٍ جديد، بسيط في شكله، عظيم في معناه.
وهكذا… في تلك اللحظة، قرّرت ألا أدع قيود المنطق تحبسني، ولا أن أسمح للعالم بأن يحدّني بتعريفاته القديمة؛ فقد شهدتُ ميلادًا تاريخيًا في حياتي—
اللحظة التي حصلتُ فيها على حامٍ صغير، وصيٍّ طفل، قُدِّر له أن يحرسني أنا. 💫
قبل لحظاتٍ فقط من تخرّجي في الدراسات العُليا… وجدتُ نفسي وقد تلبّسني كيان غريب.
“أعيدوا لي شهادتي، حالًا!”
غمرتني الكآبة في لحظةٍ من اليأس الصافي. ورطةٌ لا يُرى لها مخرج، مستقبلٌ ضبابيّ، وواقعٌ لا يشبه ما خططتُ له…لكنني لم أسمح لليأس أن يطيل إقامته.بما أن الأمور خرجت عن السيطرة، فلمَ لا أُطلق العِنان لنفسي؟أستمتع بكل ما حرمتُ نفسي منه لسنواتٍ من السهر والدراسة… كالحُب، والحُب، و… نعم، المزيد من الحُب.
وكأن القدر استجاب لندائي، سكن بجواري رجلٌ… لا، لوحةٌ بشرية من الجمال.رجلٌ يُسكِتُ الضوضاء، ويجعل العالم يتباطأ من حوله.في تلك اللحظة، قطعت وعدًا لنفسي: سأجعله لي، مهما كلّف الأمر.
“ه-هل يمكنني الإبقاء على ردائي؟ أخجل من إظهار وجهي…”
قالها بنبرةٍ مرتجفة، وكأن العالم سينهار إن لمحني بلا حواجز.إنه عبقريٌ غريب، يتشبث بردائه كما يتشبث طلاب الهندسة العاطفيين بقمصانهم المربعة.
“لو كنتُ حقًا سيد برج السحر… هل كنتِ لتتخلّي عني؟”
قالها بعينين يكسوهما الغموض، وصوتٍ كأنّه قادم من عالمٍ آخر.تدور الشائعات حوله همسًا، تصفه بالمجنون، بالمختل، بـ”سيد البرج” الذي لا يقترب منه أحد… إلا أنا.
“لهذا قلتُ لكِ ألّا تدخلي هذه الغرفة…”
حتى عندما اكتشفتُ غرفته المليئة بصوري، ولوحاتي، ومقالاتي…
حتى وإن بدا كالمهووس الذي يطاردني في الظلال…لم أرتعب. لم أهرب.لأن كل هذا… لا يُقارن بما اكتشفته لاحقًا:أن هذا العالم، الذي ظننته حقل زهور لرواية رومانسية…ليس سوى لعبة رعب دامية. لعبة بقاء تُراوغني، تُطاردني، وتنتظر لحظة سقوطي… لتلتهمني حيّة.
حَصَلتُ مُصادفةً على حافظةِ مخطوطاتٍ أثريّة.
وحينَ كتبتُ رسالةً ووضعتُها داخِلَها… عادَ لي ردٌّ.
جاءَ مِن شخصيّةٍ ثانويّةٍ بائسةٍ في الحكايةِ الخُرافية ،
الأميرِ الوسيمِ العابث آرتشي ألبيرت.
بالنسبةِ إلى كورديليا، كانَ التَّحاوُرُ مع شخصٍ مِن داخلِ روايةٍ أَشبهَ بحُلمٍ لا يُصدّق.
أمّا الأميرُ آرتشي، فلم يكُن أقلَّ دهشةً منها؛ إذ وجدَ في كورديليا شخصًا يعرفُ مُسبقًا كُلَّ ما سيحدُثُ في عالمِه، وكُلَّ ما يحملُه المُستقبلُ بينَ صَفحاتِه.
وهكذا، راحتِ الرسائلُ التي يَتبادلانِها عبرَ حافظةِ المخطوطاتِ تتوالى بلا انقِطاع.
دونَ أن يَشعُرا بانقِضاءِ ليالي الصَّيف…
***
「آرتشي، هل سبقَ ومررتَ بتجربةٍ كهذِه؟ أن تَمشيَ مع شخصٍ ما… فتُزهِرُ الزهورُ على الطريقِ الذي تسلكانِه.」
「لِذلك… هل فعلتِها معَ ذلكَ الرجل؟」
「أنتَ مُنحَطٌّ يا آرتشي، هذا حقًّا مُبتذلٌ يا صاحبَ السُّمو. ولِسوءِ حَظك، أنا امرأَةٌ تُفكّرُ كثيرًا إلى حدٍّ لا يسمحُ لها بأن تنامَ معَ رجلٍ قابلته لتوها.」
「نوم؟ أنا كنتُ أتحدثُ عن قُبلة.」
「آه… قُبلة؟」
***
عندما أفتحُ عينيَّ، أولُ ما أفعلُه هو فتحُ حافظةِ المخطوطاتِ الموضوعةِ إلى جِوارِ السَّرير.
لكن في تلكَ الأَيّامِ التي كُنّا ننتظِرُ فيها رُدودَ بَعضِنا طوالَ النهار،
لم يعد يصلُني أَيُّ جوابٍ منه بعدَ أن انطلقَ في رحلتِه.
أَشتاقُ إِلَيكَ كثيرًا.
يا أميري أجِب على رَسائِلي، أرجوكَ.
“أخيرًا وجدتكِ… يا عروسي.”
في ليلة شتوية تتساقط فيها الثلوج بغزارة، كانت لارا، المقيمة في دار للأيتام، على وشك أن تُباع لأحد النبلاء المسنّين.
وفي تلك اللحظة، تتوسّل إلى رجل غريب يناديها «عروسي» أن يأخذها معه.
يتبيّن أن هوية الرجل هي ثيودور ديارك، زعيم إحدى العائلات الخمس التي تمثّل قبائل الذئاب من ذوي الدم السحري.
وحين تصل لارا إلى القصر، تسعى جاهدة لإثبات فائدتها، مترقّبة ردود أفعال من حولها، غير أنّ ذوي الدم السحري المقيمين هناك لا يقابلونها إلا باللطف.
«آنستي، ألا تودّين اليوم زيارة الحديقة في الملحق؟»
«آنستي، هل تحبّين الحلويات؟»
ومع مرور الوقت، تبدأ لارا بفتح قلبها تدريجيًا لثيودور، الذي يبدو صارمًا لكنه دافئ في آنٍ معًا، ولذوي الدم السحري من حوله.
كما تنمو بين لارا وثيودور مشاعر غامضة تزداد عمقًا مع الأيام…
«حتى لو قلتِ إنكِ لا ترغبين بالبقاء هنا، فلا أفكّر مطلقًا في إطلاق سراحكِ…»
«……»
«ابذلي قصارى جهدكِ، فأنتِ الآن ابنة هذا المكان.»
حكاية تدور بين ذوي الدم السحري والبشر،
حول وجود «عروس الذئب».
حين يذوب الثلج، سأعود لأصطحبكِ.



