زوزيتا
“أرجو أنْ تمنحني الطّلاق يا صاحب السّمو.”
جاء الحكمُ المفاجئ بقصر العمر كالصّاعقة.
وكان ذلك هو الدّافع الذي جعل رينا تُنهي زواجها الشكليّ الذي دام ثلاث سنوات، وتطوي حبّها من طرفٍ واحد.
“أنت لست بحاجةٍ إليَّ بعد اليوم.”
ولمْ تكن عبارتها مجرّد مجاملةٍ أو ذريعة.
فقد كان مقامُها أرفع من شأنها، ولمْ تكن سوى وسيلةٍ تُستغلّ لنيل لقبٍ لا غير.
“لا يوجد سبب لأتحمل مخاطرة الطلاق.
لا قيمة لكِ، وأنتِ لا تعنين شيئًا بالنسبة لي.”
غير أنّ ما تلقّته لم يكن الطّلاق، بل وَصمةُ عارٍ وإعلانُ بطلانِ زواجها.
بل وتردّد في الأرجاء خبرٌ كاذبٌ بأنّها قضت نحبَها في حادثة عربة بعد مغادرتها القصر.
ومع ذلك، كانت ريينا مطمئنّة.
فما دامت حياتها قصيرة، فإنّ اختفاءها هكذا كان كافيًا لها.
لكنّ الأمور تبدّلت…
“ريينا.”
لم يخطر ببالها أنّها ستلتقي بزوجها السّابق في المكان الذي لجأت إليه خلسة.
“إذًا خبرُ موتكِ لم يكن سوى كذب.”
ولم تتوقّع أن يُساء الظنّ بها إلى هذا الحدّ، وأنْ يظنّ أنّها دبّرت الحادث عمدًا لتخدعه.
——
“هاه، ربّما كان خبرُ مرضكِ المُزمن أهون عليكِ.”
“……ماذا تقصد بكلامك؟”
“عندها، شفقةً بكِ، لكنتُ بعثتُ بكِ إلى الريف لتلقّي العلاج.”
كلماته الساخرة زعزعت نظرات رِيينا الهادئة وجعلتها متشابكة الاضطراب.
“على الأقل، ما كنتُ لأتكلّف هذا العناء.
كنتِ ستذوين وحدكِ في الريف.
مؤسف، كان خيرًا لو أصابكِ داءٌ عضال، فتستريحين أنتِ وأستريح أنا.”
أنهى دانتي عباراته بابتسامةٍ باردةٍ.
وكانت كلماته تمزّق قلب ريينا كالسّهام.
اشتدّ عليها الألم في صدرها.
وتلاحقت أنفاسها المضطربة، ثم عضّت شفتها بقوّة.
فهذا الأنين لم يكن أثرَ سقمها.
وحين تبادلت النّظر في عينيه الذّهبيّتين القاسيتين، أرسلت ريينا ابتسامةً حزينة.
إذ كانت تدرك أنّ غايته من كلامه لم تكن سوى جرحها.
“……صدقتَ.
لو أنّني متُّ الآن لكان ذلك أنفعَ لك.
أغفر لي خيبتك.”
هذه المرّة، سيقع الخراب الفادح عليكم أنتم لا محالة.
تعدّدت الألقاب التي أُلصِقت بأوديت رينا فون ألبريشت، الشريرة التي تتصدّر لعبة حريم مظلم مُصنَّفة للكبار، وتنوّعت حدّ الإفراط.
مُدَّعيةُ تطهيرٍ لم تكن منه بشيء، تزيّت بزيّه وخدعت الإمبراطوريّة بوجهٍ زائف.
وساحرةٌ لوّثت يديها بشرورٍ يُعجِز اللسان عن تعدادها، واتّخذت من الأبطال الذكور الأربعة المتسامين ألعوبةً لعبثها.
غير أنّ حقيقةً واحدة ظلّت عصيّة على معرفة اللاعبين، كما خفيت عن أولئك الأبطال الذين لاحقوا أوديت مدفوعين بحقدٍ أعمى.
“أنتِ مجرّد لعبةٍ في دارنا، وقد عزم السيّد على رميكِ جانبًا، فاستقبلي موتكِ بامتنان.”
جميع الفظائع المروّعة المنسوبة إلى أوديت لم يكن لها فيها أدنى اختيار، ولا مقدار حبّة رمل.
لكنّ تلك الحقيقة كُتِب لها أن تُدفَن في العتمة.
لأنّ أوديت، التي سُوِّدت سمعتها بتهمٍ ملفّقة، انتهت صريعةً بين أيدي الأبطال الذكور.
وهكذا، كان يُفترَض أن تُسدل الستارة على القصّة، دون نقاش.
“……أيمكن أنّني عدتُ فعلًا؟”
لقد عُدتُ إلى الزمن الغابر.
بل عُدتُ وأنا أستوعب، في اللحظة نفسها التي لفظتُ فيها أنفاسي، أنّني بُعثتُ من جديد في جسد أوديت.
حياةٌ أخرى وُهِبت لي، ومستقبلٌ مكشوف الصفحات أعرف خفاياه سلفًا.
كنتُ أعزم على أن أُغرق العائلة التي خانتني في جحيمٍ لا خلاص منه،
وأن أُحوِّل الأبطال الذكور الذين ازدروني إلى مجرّد أدواتٍ تُدار بيد الانتقام.
لكن،
“اللعنة، لا أدري لِمَ صرتِ عالقةً في فكري على هذا النحو.”
“أتمنّى أن أضع روحي بين يديكِ وأقسم لكِ قَسَم الفروسيّة.”
لقد تبدّل أولئك الأبطال الذكور الذين كانوا يمقتونني.
وفي خضمّ هذا الاضطراب، انكشفت حقيقتي فجأةً، وتجلّى استيقاظي كمُطهِّرةٍ حقيقيّة.
‘حين كنتُ أتشبّث بهذا الرجاء بكلّ ما فيّ، لم أُعطَ شيئًا، فلماذا الآن، وقد نبذتُ كلّ شيء؟’
ما يعنيني ليس سوى الانتقام.
ولا ذرة في هذا كلّه تُدخِل السرور إلى قلبي.
حقًّا، لا شيء البتّة.
تجسدتُ في جسدِ خادمةٍ عمياء تعمل في بيت دوق.
وسيّدي الذي أخدمه هو بطل هذه الرواية، ويعاني مرضًا نادرًا.
إنه مرضٌ يشبه اللعنة؛ إذ يشعر بألمٍ حارق كلّما لامسه الضوء.
ولأنه حبيس الظلام طوال اليوم، فلا أحد يستطيع الاعتناء به سواي أنا، القادرة على العمل من دون أن أرى.
“أتنوي أن تنزعي جلد ظهري كله؟”
“لا بدّ من فركه هكذا بقوّة ليشعر بالانتعاش.”
فأفرك له جسده بدلًا عنه، لأنه مضطر إلى الاستحمام في الظلام الدامس.
“حسنًا، جرّب أن تمشي وأنت تعدّ خطواتك.”
……طَخ! ……طَخ!
“سيدي الصغير، أتعاني ضعفًا في الإحساس بالاتجاهات؟”
وأعلّمه كيف يمشي من دون أن يصطدم بالجدران.
“سيّدنا الصغير، بشرتك لا بدّ أنها ناعمة ومشرقة، ما دمت لا ترى ضوء الشمس.”
“……أتسخرين مني؟”
وكنت أواسيه بإخلاصٍ ومن كل قلبي.
لكن منذ يومٍ ما، بدأ نَفَسُ البطل حين يوجَّه إليّ يتغيّر.
“أحسني لمسي..”
قال ذلك وهو يجذب يدي ويضعها على وجهه.
“قد لا تتذكّري أيّ وجهٍ آخر، لكن هذا الوجه بالذات لا يجوز لك أن تنسيه أبدًا. مفهوم؟”
“ربيه.”
بهذه الكلمة المقتضبة، ألقى سيّدي العائد من ساحة الحرب شيئًا بين ذراعيّ…
لم تكن غنيمة، بل طفلًا رضيعًا.
“سـ… سيّدي؟!”
ارتجف صوتي، عاجزة عن استيعاب ما يجري أمامي، وكأنّ العالم كله توقف عن الدوران للحظة.
كنتُ — أنا، أديلين — أحلم دومًا بحياة هادئة، أن أتزوّج رجلاً وسيمًا طيب القلب، وأن أحتضن طفلاً يشبه الربيع في نقائه وصفائه.
لكن يبدو أنّ القدر رسم لي مسارًا آخر، مختلفًا، أظلم بكثير من أحلامي البسيطة.
فجأة، وجدت نفسي أحتضن طفلًا لا صلة لي به، طفلًا قيل لي إنّه “غنيمة الحرب” التي أعادها سيّدي معه.
ولم أكن أعلم حينها أنّ هوية هذا الطفل ستقلب عالمي رأسًا على عقب، وتهز أركان حياتي كلها.
من تلك اللحظة، لم تعد حياتي تربيةً فحسب،
بل تحوّلت إلى معركة صامتة أُخاطر فيها بكل شيء، حتى بحياتي.
“سأمنحك ضعف الأجر، ومنزلًا، وعربةً، ومواشي، ومهرًا للزواج…
هل يرضيكِ هذا؟”
تلعثمتُ، مرتعدةً، قبل أن أجيب، فابتسم ابتسامة خفيفة، حاملة في طياتها تهديدًا ووعودًا وقال:
“إذًا… أضيفي إلى ذلك رجلًا تتزوّجينَه.”
لم أستطع مقاومة تهديده الخفي ولطفه المخادع في آنٍ واحد، فانتهى بي المطاف حبيسة قراره.
ولكنه لم يخبِرني أبدًا أنّ الرجل الذي سيُضاف إلى الصفقة لم يكن سوى هو نفسه.
كان البطلُ رجُلَ بحرٍ برتبةِ عقيد، صَدَرَ بحَقِّه حُكمُ الفناءِ المحدود بفعلِ السِّحر.
وقد وجدتُ نفسي مُتقمِّصةً جسدَ خطيبته، تلك التي ستُبادُ عائلتُها عن قريبٍ على يَدِه.
ظننتُ أنّ كلّ ما عليَّ فعله هو الإسراع في ترميمِ الأخطاء التي ارتكبتها العائلة، ثمّ فسخُ الخِطبة والفرارُ بعد ذلك.
“ربّما، مَن يَدرِي؟ قد نُنهي خِطبتَنا أصلًا؟ هاها.”
“ما الذي قلتِه الآن، دافلين؟”
لماذا ينقلبُ بصرُه إلى هذا القدر من القسوةِ كلّما ذُكِرَ أمرُ فسخِ الخِطبة، ولو على سبيلِ المزاح؟
“لا أدري.
كلّما نظرتُ إليكِ، وجدتُ نفسي أبتسمُ دونَ سبب.”
وما هذه العباراتُ المتغزِّلة التي يَلفِظُها بلا وعي؟
وفوقَ ذلك كلِّه……
“تنفَّسي جيِّدًا!
إن وُجِدَ كيسٌ ورقيّ، فسيُفيدُكِ.”
“لا، لا، أنا فقط أطلقتُ زفرةً……!”
تساءلتُ لِمَ يهتمّ حتّى بصحّتي إلى هذا الحدّ، فإذا به……
“لم يعُد هناك داعٍ للإخفاءِ.”
“إخفاءِ ماذا؟”
كان خطيبي، المحكومُ بوقتٍ محدود، قد ابتلعَ كلماتِه مرّةً، ثمّ أعادَ إخراجَها بصعوبة.
“أَلَسْتِ مُصابَةً بمرضٍ لا أَمَلَ في شِفائِه؟”
“……؟”
ما هذا الكلامُ أيضًا؟
أَلَمْ يَكُنِ المُصابُ بمرضٍ لا برء منه هو أنتَ؟
ابنةُ الدوق الصغرى، ليليتا، اختفت منذُ عشرِ سنوات.
طوالَ العشرِ سنوات التي قضتها عائلتها في البحث عنها،
استسلموا أخيرًا وأقاموا جنازتها على تابوتٍ فارغ.
“ما هذه الثيابُ الممزقة؟ أيّ منحرفٍ فعلَ هذا؟”
عادت ليليتا، البالغةُ من العمر عشرين عامًا، التي كبرت خلالَ سنواتِ الغياب.
“أقولها مرةً أخرى، لستُ أختك الصغرى.
لسببٍ ما، جسد أختك احتلَّه شخصٌ آخر.”
لقد نسيتْ تمامًا أنها كانت ليليتا،
وأصبحتْ الآن ‘ريتا لاسكايل’.
—
كانت ريتا يتيمة.
لم يكن لديها بيتٌ تعود إليه، ولا عائلة تحبها،
لكن كان لديها رفاقٌ يقاتلون الوحوشَ معها ويعتمدون على بعضهم البعض.
“لقد عَلَّمتِني، أختي الكبرى.
لذا لن أرتكبَ خطأً مرةً أخرى.”
“أنتِ لم تصغي لكلام أختك حتى بأذنك، والآن تدفعين الناس إلى الجنون، أليس كذلك؟”
“اللعنة، كيف أستطيعُ التخلي عنكِ؟”
“زميلتنا لا تعرفُ شعورَ المكانِ الذي لا تكون فيه زميلتها، أليس كذلك؟”
“أنتِ من يقرر. فأنا سيفكِ.”
…
“هل ما زلتِ لا تعرفين، ريتا؟”
“لَمْ أستطعْ العيشَ بدونِكِ.”
عالمٌ هادئٌ بلا وحوش.
كانت تعتقدُ أنها ستفترقُ إلى الأبد عن رفاقها،
عند عودتها بهويّة ابنة الدوق الصغرى.
“لقد كنا ننتظركِ طوال الوقت.”
“كنتُ أظنّ أنني سأجنّ من طول الانتظار.”
لقد عادوا إلى هذا العالم قبلها!
“أيُّ حلمٍ عجيبٍ هذا؟”
في يومٍ من الأيّام، وبينما كنتُ أؤدّي عملي كسكرتيرةٍ في قصرِ الدوق، رأيتُ في منامي فارسًا لا أعرفُ عنه سوى اسمه الغامض وملامحه الباهتة، وقد كان جريحًا.
اعتقدتُ أنّه مجرّد حلمٍ عابرٍ لا أكثر، غير أنّه لم يكن كذلك، إذ بدا وكأنّهُ رؤيا تنبّؤية.
منذ تلك اللّيلة، صار ذلك الفارسُ يظهرُ في أحلامي مرارًا، وفي كلّ مرّةٍ أراهُ يُصابُ بأذًى.
ولم تمضِ أيّامٌ حتّى بدأت أحداثُ المنام تتكرّر في الواقع كما هي، دون اختلافٍ أو تأخير.
كان ضميري يأنّ داخلي، فلا يُتيح لي أن أتغافل عمّا أراه، فوجدتُ نفسي مدفوعةً للتدخّل رغمًا عنّي.
“أيّها الفارس! انتبه للصخرة أمامك!”
“لقد تُركتِ المحرقةُ مفتوحة…
ما أخطر هذا الإهمال!”
“سأسلكُ هذا الطريق، هل تودّ أن ترافقني؟ إنّه أكثرُ أمنًا وتعبيدًا.”
كانت كلّ تلك التصرفات مجرّد بادرةِ لطفٍ صغيرة، رغبةً في تجنيبهِ الأذى، لا أكثر.
ولكن حين دعوتُه إلى الحديقة كي أتفادى له موقفًا خطرًا، نظر إليّ بجدّيّةٍ وقال:
“أعتذر، لكنّي لستُ مهتمًّا بالمواعدة.”
ما الذي يقصده؟!
أيُّ مواعدةٍ هذه؟! ليس في قلبي له ميلٌ ولا رغبة! كلّ ما في الأمر أنّي أملكُ ضميرًا حيًّا وقلقًا مبالغًا فيه!
حاولتُ أن أشرح له ذلك مرارًا، لكنّهُ أبى أن يُصدّقني.
ناقشتُه، استنكرتُ ظنونه، ثمّ ضجرتُ أخيرًا وتركتهُ لشأنه، ليظنّ ما يشاء.
ومع مرور الوقت، وجدتُ المسافة بيننا تتلاشى شيئًا فشيئًا دون أن أشعر.
أين اختفى ذلك الرجلُ الذي كان يتمنّع خلفَ حواجزٍ لا داعيَ لها؟
“…أحقًّا لا تُكنّين لي أيَّ مشاعر؟”
كان يقفُ أمامي رجلٌ عريضُ المنكبين، ذو ملامحَ قويّةٍ شبيهةٍ بالدُّب، وعلى وجهه بقايا حزنٍ خافت.
…وإنْ كان يشبهُ الدُّب، أفلا يفترض أن أخشاه؟
فلماذا يبدو في عينيّ لطيفًا إلى هذا الحدّ؟
هل بلغَ بي الجنونُ أن أراهُ جميلًا؟

