78
“جلالتكِ، السيد جيستا يرغب في مقابلتكِ.”
عندما سُمع الصوت القادم من الخارج، كانت شييت جالسة بجانب رايان يعملان على الأوراق معًا، تمتم رايان قائلاً: “جيستا؟” ثم أدرك سريعًا من هو وسأل شييت : “هل أترك المكان؟”
كادت شييت ان تقول له لا حاجة لذلك، لكنها غيرت رأيها بعدما فكرت : ‘هل ستتسامر لاتيل مع أحد رجالها أمام شقيقها الأكبر؟’ (لاتيل؟ بنتك صايعة قليلة رباية تعملها عادي)
“اجل اذهب.”
بينما كان رايان يغادر المكان، أخرجت شييت تقريرًا كانت قد أعدته عن شخصيات كل فرد من الحريم وعلاقتهم مع لاتيل، وبدأت تراجعه بسرعة.
“جلالتكِ.”
حتى بعد دخول جيستا الغرفة، ظلت شييت تتابع التقرير بتأنٍ وسألت بلهجة هادئة: “حسنًا، ما الذي أتى بكَ؟”
كانت نبرة صوتها مرنة ومريحة، مما أعطى انطباعًا بأنها مشغولة وليس متجاهلة له.
“أعتذر لقدومي المفاجئ مع علمي بانشغالكِ.”
“لا بأس.”
عندما قرأت في التقرير عبارة : “جلالتها كانت لطيفة مع السيد جيستا”، رفعت شيت نظرها أخيرًا باتجاهه.
كان جيستا يرتدي سترة بسيطة، كما وصفه التقرير تمامًا، كان يبدو عليه الراحة والبساطة، ورائحته تُذكر بالكتب وأشعة الشمس.
لم يكن يبدو عليه أنه ابن رئيس الوزراء العظيم رودس، شاب خالٍ من الشكليات المبالغ فيها التي يميل إليها أبناء العائلات الأرستقراطية الكبرى.
‘يبدو رجلاً جيدًا’
لكن منصب القرين الملكي ليس مكانًا يتطلب البساطة فحسب؛ أحيانًا يجب أن يرتدي الشخص ثيابًا فاخرة جدًا وأن يتحمل تبعات ذلك، فهو يمثل الإمبراطورية بجانب الإمبراطورة.
لكن هل يستطيع هذا الرجل البسيط أن يتحمل هذا الدور؟
“جلالتكِ؟”
عندما طال صمتها وهي تحدق فيه، بدا الأمر غريبًا لجيستا، فمال برأسه مستغربًا.
“كنت فقط ألاحظ أنك تبدو بصحة جيدة اليوم.”
“عذرًا؟”
بررت شييت كلامها بلباقة، ثم وضعت التقرير جانبًا وسألت: “حسنًا، ما الذي أتى بكَ؟”
“سمعت أنكِ مشغولة بالكثير من الأمور مؤخرًا…”
“صحيح، هناك الكثير مما يستدعي الانتباه، وأعتذر لعدم زيارتي لك.”
“حسنًا، في الواقع، بشأن عيد ميلادي القادم…”
كانت شيت قد عرفت مسبقًا موعد عيد ميلاد جيستا، وراجعت تقويم لاتيل، لذلك لم تتفاجأ، بل أجابت مباشرة: “صحيح، لم يتبقَ الكثير، لا تقلق، لم أنسَ ذلك.”
“ليس هذا ما قصدته، مع كل هذه الفوضى، هل ستتمكنين من الوفاء بوعدكِ…؟”
بينما كان جيستا يخفض نظره مترددًا، تذكرت شيت أن لاتيل كتبت كلمة “كتاب” على التقويم، فأجابت بهدوء : “بالطبع، أنا أتذكر جيدًا، فلا تقلق.”
***
في يوم عيد ميلاد جيستا، لم تُقم شيت حفلة خاصة للاحتفال، بدلاً من ذلك، في اليوم السابق، أرسلت شخصًا ليخبره أنه يمكنه دعوة عائلته وأصدقائه إلى الحريم إذا أراد، للاحتفال بالطريقة التي يحبها.
لكن جيستا رفض العرض بقوله “القصر في حالة من الفوضى، ولا أرغب في الاحتفال بصخب”، لذا دعت شيت جيستا إلى المائدة مباشرة مساء عيد ميلاده حوالي الساعة السادسة.
خلال العشاء، قدمت شيت له هدية كانت عبارة عن مجموعة من الكتب النادرة والقيمة، كانت جميعها نسخًا قديمة أو نادرة من المؤلفات، وهي هدية مثالية لرجل يعشق الكتب مثل جيستا.
“ها هي، الكتب التي وعدتك بها.”
عندما قدمت شيت الكتب، فتح جيستا عينيه باتساع ونظر إليها بدهشة، بدا على وجهه مزيج من الاندهاش والسعادة.
هل عدد الكتب قليل جدًا؟، أم أنها ليست على ذوقه؟، وبينما كانت شيت تفكر للحظة، ارتسمت على وجه جيستا ابتسامة مشرقة كالشمس، ملأت وجهه ببريق ساحر.
“شكرًا جزيلًا، جلالتكِ.”
احتضن جيستا الكتب المغلفة بورق رقيق وشفاف بحرص، مما جعل شيت تشعر بالرضا، فأومأت برأسها وقالت: “في عيد ميلادك القادم، سأقيم لك حفلًا كبيرًا، لا تضع في قلبك أن الاحتفال اليوم بسيط.”
“هذا يكفيني.”
بعد أن قدم جيستا انحناءة احترام وغادر، عادت شيت إلى مكتبها لاستكمال مراجعة الملفات التي كانت تعمل عليها قبل قدومه.
أما جيستا، فقد عاد إلى الحريم، وجهه مشرق بسعادة لم يستطع إخفاءها، تأكدت شيت من خلال التقارير أن جيستا غادر متأثرًا بشدة، ولكن، لم تكن شيت ولا مَن أبلغها بتلك التقارير على علم بما حدث لاحقًا.
عندما عاد جيستا إلى غرفته، توقف فجأة عن الابتسام، وتلاشت تلك البراءة التي بدت على وجهه تمامًا.
“سيدي، هل عدت؟”
كان الخادم الخاص بجيستا، منير، ينقل مزهرية كبيرة أُرسلت من قِبل زوجة رئيس الوزراء كهدية عيد ميلاد لابنها، ثم توقف وألقى التحية عندما شعر بقدومه.
“سمعت شيئًا، لكن لا أعرف صحته، يقولون إن السيد كارلين هرب مع خادمة، مصدر الشائعة هو السيد كلاين، لذا يحاول الجميع التستر على الأمر… سيدي؟”
لكن عندما رأى منير وجه جيستا الذي بدا جادًا ومظلمًا، كاد أن يُسقط المزهرية من الصدمة.
“سيدي، هل حدث شيء؟”
ثبت منير المزهرية في مكانها وهرع إلى جيستا، أخذ منه الكتب التي كان يحملها ووضعها بعناية على الرف، بينما يتفحصه بقلق.
“هل قالت لكِ جلالتكِ شيئًا قاسيًا؟”
“لا، لم تقل شيئًا.”
“إذًا لماذا يبدو وجهك بهذا الشكل… هناك بالتأكيد شيء حدث، أليس كذلك؟”
اقترب منير أكثر، يحدق بجانب وجه جيستا بحذر، لكن جيستا، بدلًا من الإجابة، خلع سترته وسلمها لمنير ثم جلس أمام طاولة الزينة، ووجهه يعكس قلقًا عميقًا.
كان وجهه متجهمًا لدرجة أن منير لم يستطع المغادرة وظل واقفًا في مكانه مرتبكًا.
“نعم.”
أجاب جيستا أخيرًا بطريقة مفاجئة.
“حقًا؟ حدث شيء ما؟”
نظر منير إليه بعينين واسعتين، يحاول تخمين ما يمكن أن يكون.
نظر جيستا إلى منير بعينين تحملان مزيجًا من الخوف والقلق، لم يتحدث، لكن تعبيره كشف عن مدى رعبه، شعر منير بالشفقة تجاه سيده الشاب الضعيف.
لكن الكلمات التي خرجت من فم جيستا كانت غير متوقعة تمامًا : “ألم تسمع عن الإمبراطورة المزيفة التي ظهرت مؤخرًا وطُردت؟”
“نعم… بالطبع سمعت، لقد كان أمرًا مدهشًا، لم أتخيل أبدًا أن هناك من يمكنه انتحال شخصية جلالة الإمبراطورة.”
“تلك… هي الحقيقية.”
“ماذا؟”
***
في نفس الوقت، كانت لاتيل في طريقها إلى كاريسين بعد مغادرتها تاريوم.
“هيسينت يعلم أنني الإمبراطورة الحقيقية، قابلني صدفة عندما هربت من القصر ورافقني، سيكون مفيدًا.”
لن أذهب مع هيسينت فقط لإثبات براءتي.
رغم الثقة بأن هيسينت سيكون حليفًا قويًا إذا أُحضر كشاهد، إلا أن كونه إمبراطورًا لدولة أخرى يجعل الأمر محفوفًا بالمخاطر؟ إذا كان الشاهد الوحيد هو هيسينت، فقد يتهمه الناس بالتواطؤ مع الساحرة السوداء، مما سيؤدي إلى المزيد من الشكوك حولي.
ولكن، إذا جلبتُ شهودًا آخرين لدعم قضيتي، فحينها يمكن أن يكون هيسينت أحد أكثر الشهود تأثيرًا.
“علينا أن نستدعي تيسير أيضًا.”
قالت لاتيل هذا عندما وصلت إلى بلدة صغيرة بالقرب من حدود كاريسين، بعد اختيار نُزل للإقامة فيه لليلة، جلست مع كارلين في الطابق الأول لتناول العشاء وهمست له بهدوء.
توقف كارلين عن طي المنديل الذي كان يضعه أمامها وسأل بدهشة: “تيسير؟” وكأن ذكر اسمه في هذا السياق غير متوقع.
“نعم.”
طلبت لاتيل من النادل أن يحضر طعامًا يناسب ذوق الجميع، ثم انحنت نحو كارلين وخفضت صوتها أكثر: “لدي إشارة سرية أستخدمها لاستدعاء تيسير.”
“إشارة سرية؟”
اتسعت عينا كارلين للحظة عند سماع هذه الكلمات، لكن سرعان ما خفض بصره ليخفي حيرته وسأل: “ما هي هذه الإشارة؟”
“لا أستطيع شرحها هنا.”
“هل يعني هذا أنكِ لا تريدين إخباري بها؟”
“في الحقيقة، لا توجد طريقة مناسبة لأشرحها.”
أومأت لاتيل مؤيدة كلامها، مما جعل كارلين يعيد ترتيب أدوات المائدة أمامه بهدوء، لكن حركاته كانت تعكس إحساسًا بالوحدة.
عندما وصل الطعام، انشغلت لاتيل بالتفكير العميق، ترسم بأصابعها رموزًا غريبة في الهواء، وكأنها تتدرب على الإشارة السرية مع تيسير.
بدا كارلين مرتبكًا، فجلس يُقلّب الحساء بملعقته دون أن يأكل.
بعد حوالي 15 دقيقة، توقفت لاتيل عن حركاتها ورفعت رأسها، لتجد أن الحساء أمام كارلين لم يُلمس تقريبًا.
“هل تعاني من ألم في المعدة؟”
سألته، مشيرة إلى أن صحن الحساء ما زال ممتلئًا تقريبًا، رغم أن الأطباق كانت كبيرة جدًا حتى بالنسبة للنُزل العادي.
كما أن طبق السلطة المشترك بينهما قد نفد تقريبًا بفضل لاتيل، بينما بقت جهة كارلين كما هي، حتى الفواكه المجففة التي بدت ذابلة لم تُمس.
“هل الطعام سيئ؟”
بالتأكيد، الطعم ليس رائعًا، لكنها تعلم جيدًا أن المرء أحيانًا لا يمكنه التذمر من الطعام، خاصة في الظروف العصيبة.
بالنظر إلى الرحلات التي خاضها كارلين عبر المناطق الخطرة، لم تكن تتوقع منه أن يشكو من أن الحساء خفيف أو أن الفواكه قديمة.
“هل تريدني أن أطلب شيئًا آخر إذا كنتَ لا تستطيع تناول هذا؟”
على عكس طبيعتها العادية، لم تكن لاتيل مستعدة لتجاهل حالته هذه المرة، فقد مرت رحلتهما بالكثير من المخاطر، وغالبًا ما اضطرّا للنوم في العراء وتناول الفطر أو الفواكه التي يجمعانها.
كانت لاتيل تتذكر بوضوح آخر مرة تناولا فيها فطرًا بألوان متعددة، وبرغم تأكيد كارلين أنه غير سام، كانت تأكل بينما تُهيئ نفسها لسيناريو مرعب : “إذا مت بسبب هذا، سأُسجَّل كالإمبراطورة التي ماتت بأسوأ طريقة ممكنة… أو ربما لن تُسجَّل قصتي أصلًا.”
نظرًا لهذه الظروف، رأت لاتيل أن عليهما الاستفادة من كل فرصة لتناول وجبة مُشبعة للحفاظ على قوتهما.
“لا، ليس الأمر كذلك، كنت أفكر في شيء ما، لا تقلقي.”
تساءلت لاتيل عما يمكن أن يُفكر فيه لمدة 15 دقيقة، لكن كارلين بدأ بالفعل بتناول الحساء، وإن بدا عليه أنه يأكله على مضض.
راقبته وهي تتأمل كيف يبدو أن طعامه بلا طعم حقًا بالنسبة له، وأخيرًا لم تستطع تجاهل الأمر، أمسكت بمعصمه وقالت : “إذا كنت ممتلئًا، فلا تجبر نفسك على الأكل.”
توقف كارلين عن تناول الطعام ووضع الملعقة جانبًا، وكأنه بالفعل لا يريد الاستمرار، ثم حول نظره إلى طبقها الفارغ تقريبًا قبل أن يبتسم ابتسامة باهتة، محاولًا تغيير الجو : “عندما ندخل إلى كاريسين، لماذا لا نطلب أسياخ لحم البط؟، دائمًا ما أحببتِ لحم البط، أليس كذلك؟”
كانت لاتيل ترفع الملعقة لتكمل طعامها عندما توقفت فجأة، وبدت متفاجئة : “ماذا؟ أنا؟ أنا لا أتناول البط اساسا.”
‘أي فتاة يخلط بينها وبيني؟، من هي التي تحب البط؟’
حاولت كبح غضبها واستمرت في تناول الحساء الأصفر، لكن ملامح الاستغراب لم تفارق وجهها.
“ألستِ تحبينه؟”
كان كارلين يبدو مصدومًا قليلًا، وكأنه متأكد تمامًا أنها تحب لحم البط.
“لماذا تعتقد أنني أحب لحم البط؟”
كانت لاتيل نفسها مشوشة بسبب إصراره.
“إذا كان عليّ أن أختار بين الإعجاب أو الكره، فأنا في الواقع أميل إلى كرهه أكثر.”
“!”
***
من يخلط بيني وبينها؟؟
في اليوم التالي، بينما كانوا يعبرون بلدة قريبة من حدود كاريسين، بدا وجه كارلين متجهمًا طوال الطريق.
شعرت لاتيل بالضيق أيضًا بسبب هذا، وفكرت: هل يمكن أن يكون قد خلط بين ما أحبه وما تحبه حبيبته السابقة؟
على الرغم من أن لاتيل كانت تشعر بالفضول بشأن سبب توتر كارلين، إلا أنها لم تستطع سؤاله بشكل مباشر، لذا، بينما كانت تبحث عن مكان مناسب لرسم الإشارة السرية لتيسير، واصلت مراقبته بطرف عينها.
بعد مرور حوالي ساعتين، وجدت المكان المثالي قبل أن يتمكن كارلين من التخلص من تعابيره المتجهمة.
“هذا المكان مناسب.”
كان الموقع عبارة عن طريق جانبي قليل الاستخدام، لكنه لم يكن مهجورًا تمامًا، بجواره كانت هناك عدة قبور، بعضها في حالة جيدة، بينما كان البعض الآخر نصف محفور أو متضرر.
“هل ستضعين الإشارة هنا؟”
بدا كارلين متفاجئًا عندما أدرك المكان الذي اختارته لاتيل، وكأنه ما زال مستغرقًا في صدمة خاصة به.
“نعم.”
أجابت لاتيل دون تردد، ثم بدأت فجأة بحفر الأرض.
“دعيني أساعدك.”
دون أن يفهم ما يجري، انحنى كارلين لمساعدتها في الحفر.
“هذا يكفي.”
عندما أنهوا الحفر، ابتسمت لاتيل قائلة: “حسنًا، الآن أعد الطين إلى مكانه.”
“أعيد ردمه؟، هكذا؟”
سأل كارلين مذهولًا، غير قادر على فهم الفكرة من الأساس، لكن لاتيل أومأت بثقة وبدأت بردم الحفرة كما لو كان ذلك منطقيًا تمامًا.
لم يفهم كارلين ما علاقة هذا بتيسير، لكنه أكمل المهمة على أي حال، وعند الانتهاء، بدت الأرض وكأن شيئًا ما قد دفن هناك حديثًا.
“مثالي!”
نظرت لاتيل إلى عملها برضا، ثم أخرجت طبشورًا أسود وبدأت برسم شيء على صخرة قريبة.
ما إن رأى كارلين ما كانت ترسمه، حتى اتسعت عيناه بدهشة.
“جلالتكِ… هل هذا…؟”
لم يكن ما رسمته لاتيل رمزًا سريًا بسيطًا بين الأصدقاء، بل كان شعار منظمة “الغابة السوداء”، وهي عصابة من القتلة المأجورين تشتهر بوضع هذا الرمز بعد تنفيذ عمليات الاغتيال.
“هذه إشارتنا السرية.”
عندما نظر إليها كارلين وكأنها فقدت عقلها، ابتسمت لاتيل بثقة ورفعت كتفيها بفخر.
“عندما يرى هذه، سيأتي أحد رجاله فورًا.”
“وسيأتي ومعه سيف ليقتل المنتحل.”
“لا بأس، سنقبض عليه ثم نرسله إلى تيسير مع رسالة أخرى، أليس كذلك؟”
بقي كارلين صامتًا وهو يتأملها بوجه يملؤه الإحباط، متسائلًا عما إذا كانت هذه الخطة ستنجح أم ستؤدي إلى كارثة.