1
“هكذا ستبقين واقفةً في هذا البرد، يا دافلين؟”
بعدَ الظهرِ، في مكتبةٍ بوسطِ المدينة.
رجلٌ طويلُ القامةِ، أسودُ الشعرِ، جذبني إليه بخفّة.
وحين أسندتُ جسدي دون وعي إلى دفءِ جسده الغريبِ على نحوٍ مدهش، رمشتُ بعينيّ.
‘ما هذا؟ لماذا هو دافئٌ إلى هذا الحدّ؟’
لم يكن الجوُّ في الأصلِ قارسًا إلى هذا الحدّ.
لكن ما إن انتقل إليّ ذلك الدفء، حتّى شعرتُ بالاسترخاء، كأنّ أحدهم ألصق بي كيسَ تدفئة.
“يدُكِ باردة.”
عند كلامِ الرجلِ أسودِ الشعر—إيهيت—لمستُ يدي.
إنّها باردةٌ قليلًا فعلًا.
ففي الخريف، كانت نوباتُ برودةِ الأطرافِ تلازمني دائمًا.
“لا أشعر بالبرد…….”
في تلك اللحظة، تسلّل نسيمُ البحرِ بخفّةٍ من خلفِ النافذة.
وتطايرَ بعضُ الغبارِ المتراكمِ على إطارها، فداعبَ حلقي فجأة.
“كه! كح! كح!”
أدار إيهيت نحوه بعجلة.
وحين صار وجهُه الوسيمُ قريبًا إلى هذا الحدّ، اختنقَ نفسي، فانفجرتُ بسعالٍ آخر.
رأيتُ ملامحَ إيهيت تشتدُّ شيئًا فشيئًا.
‘آه، هذا ليس معديًا.’
الرجلُ الذي يحدّق بي بوجهٍ بالغِ الجديّة هو إيهيت كلويدن، أي خطيبي.
شَعرٌ أسودُ يتلألأ بالضوء، وعينان زرقاوان فاتنتان.
ولأنّ الضوءَ كان يسقطُ على جانبٍ واحدٍ من وجهه، بدا جسرُ أنفه أكثرَ حدّةً من المعتاد.
إيهيت هو بطلُ الروايةِ التي وُلدتُ فيها من جديد، <زهرةٌ تزهر فوق البحر>.
رجلٌ مكتملُ الكفاءةِ والوسامة،
لكنّه—في الحقيقة—شخصيّةٌ ذاتُ عمرٍ محدود.
شخصيّةٌ كُتبَ لها لاحقًا أن تموتَ طعنًا بدلَ البطلة،
وأنا… كنتُ خطيبتَه.
قد يبدو كونُكِ خطيبةَ البطلِ أمرًا يُحسَدُ عليه،
لكن كما هو حالُ معظمِ الرواياتِ الرومانسيّة،
نادراً ما تنتهي تلك المكانةُ نهايةً طيّبة.
‘في تسعةِ حالاتٍ من عشرة، تموتُ مبكّرًا لمرضٍ مزمن، أو تنهارُ عائلتُها انهيارًا كاملًا.’
ثمّ لا تظهرُ إلّا في ذكرياتِ الناس،
على هيئةِ حديثٍ ملتفٍّ من قبيل:
“أتعرفون، تلك التي كانت مخطوبةً للسيّد آنذاك…….”
‘ومؤسفٌ حقًّا أنّ خطيبةَ هذا العمل أيضًا كان مصيرُها السقوطَ الكامل.’
ولهذا، كان عليّ أن أهربَ مسبقًا.
أجمعُ المالَ على عجل،
وأفسخُ الخطوبةَ قبلَ أن يحلَّ الربيعُ على البحر.
أُسَلِّمُ لقبَ خطيبةِ إيهيت للبطلةِ بسلاسة،
ثم أعيشُ بهدوءٍ في مكانٍ ناءٍ لا يعرفني فيه أحد……
“كح! كح!”
“دافلين.”
“آه، أعتذر.”
غطّيتُ فمي بالمنديلِ الذي أحمله معي وسعلتُ مرّةً أخرى.
إيهيت، بطبيعته، شديدُ الحساسيّةِ تجاه الصحّة.
ولهذا السبب، حاولتُ جهدَ استطاعتي إيقافَ السعال،
لكنّ الأمرَ لم يكن سهلًا.
‘يبدو أنّ الغبارَ علقَ في حلقي حقًّا. لا يتوقّف السعال.’
مع توالي السعال، شعرتُ بسخونةٍ تصعدُ إلى أطرافِ عينيّ.
رمشتُ بعينين محمرّتَين قليلًا، ثم رفعتُ رأسي.
“آسفة، السعالُ لا يتوقّف…….”
لكنّ الغريبَ أنّ عينيّ إيهيت كانتا حمراوين أيضًا.
‘الذي يسعلُ أنا، أليس كذلك؟’
هل دخلَ الغبارُ إلى عينيه؟
“لحظةً واحدة.”
وضعتُ يدي بخفّةٍ على خدّه، وأمعنتُ النظرَ في عينيه.
رموشُه الطويلةُ التي تُظلِّلُ عينيه الزرقاوين ارتعشت ارتعاشةً خفيفة.
‘همم، لا أرى شيئًا بالعينِ المجرّدة.’
ومع ذلك، كانت حمرةُ عينإيهيت تزدادُ شيئًا فشيئًا.
‘هل هذا من الآثارِ الجانبيّةِ لقدرةِ الرؤيا المسبقة التي يملكها؟’
في الأصل، كان إيهيت يمتلكُ قدرةَ الرؤيا.
وبسببِ الارتدادِ الناتج عنها، كُتبَ له الموت.
“إيهيت، هل أنتَ بخير؟”
في اللحظةِ التي هممتُ فيها بسحبِ يدي،
أمسكَ إيهيت بكفّي، فحدّقتُ فيه بدهشة.
ما هذا؟
في الآونةِ الأخيرة، صار إيهيت يقومُ بتصرّفاتٍ لا أفهمُها كثيرًا.
من الأساس، مجيئُه معي في عطلةٍ ثمينةٍ كهذه كان أمرًا غريبًا.
وبالنسبةِ لي، أنا التي أُقدّسُ أيّامَ العطل،
كان هذا فعلًا غيرَ مفهوم.
“لكن يا إيهيت، هل من الجيّد أن نبقى هنا؟ قلتَ إنّه يومُ عطلة.”
“نعم.”
“ألا ترى الوقتَ ضائعًا؟”
“إنّه ضائع، كلُّ دقيقةٍ، كلُّ ثانية.”
“فلماذا أنتَ هنا إذًا؟ كان بإمكانك الذهابُ للاستراحة في مكانٍ ما.”
أجاب إيهيت بإجابةٍ لم أفهمها.
“لهذا أنا هنا أصلًا. لأنّ الوقتَ…… لم يبقَ منه الكثير.”
“نعم؟”
هل يتحدّث عن الوقتِ المتبقّي له؟
أم أنّه—لا سمحَ الله—……
‘هل اكتشفَ أنّني أنوي فسخَ الخطوبة؟’
وبالتفكير، بدا تعبيرُ وجهه الآن وكأنّه غاضبٌ أيضًا.
—
وهو يراقبُ دافلين تسعل، شدّ إيهيت كيسَ التدفئةِ الذي كان يُخفيه داخلَ ملابسه بقوّة.
كان يحملُه دائمًا،
ليُدفئَها فورًا متى شعرتْ بالبرد.
لكن، ما جدوى كلّ هذا؟
“كح!”
بين أسنانه المشدودة، شعرَ بطعمِ دمٍ معدنيّ.
غضبٌ وحشيّ، موجّهٌ إلى ذاته، ارتسمَ على ملامحه.
كان إيهيت، في الأصل، رجلًا بهذه القسوة.
الألمُ كان من نصيبِ دافلين وحدها،
ومع ذلك، الغاضبُ كان هو.
“آسفة، السعالُ لا يتوقّف…….”
لم يبقَ من عمرِ دافلين الكثير.
أي إنّها… كانت ذاتَ أجلٍ محدود.
كلّما ازدادَ شعوره بقِصرِ الوقت،
نهشَ شيءٌ حادٌّ أعماقَ إيهيت ومزّقها.
كان يرغبُ، من صميمِ قلبه،
أن يُبقيها إلى جانبه وحده،
وأن يزيلَ كلَّ ما قد يُشكّلُ تهديدًا لها.
برودةُ نسيمِ بحرِ بيلاتشن.
أيُّ شيءٍ قد يعلَقُ به غبارٌ ولو ضئيل.
وكلُّ ما قد يسرقُ منه لحظةً معها.
أمامَ كلِّ ذلك،
كان إيهيت قادرًا على أن يكونَ شرسًا بلا حدود.
لكنّه لم يكن يستطيعُ إظهارَ ذلك أمامَ دافلين.
ففي كلّ مرّةٍ كان يلمحُ أعراضَها، كانت تقول:
‘لا، هذا مجرّد…….’
‘من فضلك، لا تُخبر أحدًا.’
دافلين لم تكن تريدُ أن يعرفَ أحدٌ بحالتها.
أحدٌ على الإطلاق.
فكيف له، وهو ليس صاحبَ الألم،
أن يتصرّفَ بتلك القسوة؟
“إيهيت؟”
حين وضعتْ دافلين يدَها الحنونَ على خدّه،
أدركَ إيهيت أنّ دموعَه كانت على وشكِ الانهمار.
مرّةً أخرى.
لا يعرفُ منذ متى غاصَ في دافلين إلى هذا الحدّ،
لكن في لحظةٍ ما،
صارت هي كلَّ ما يُضحكه ويُبكيه.
“لماذا أنتَ هنا؟ كان بإمكانك الذهابُ للاستراحة.”
“لهذا أنا هنا. لأنّ الوقتَ…… لم يبقَ منه الكثير.”
قد يكونُ هذا أنانيًّا تجاه دافلين،
لكن إيهيت لم يكن مستعدًّا للتنازلِ عن أيِّ لحظةٍ منها لأيّ شخصٍ آخر.
التعليقات لهذا الفصل " 1"