77
قبل أن تتمكن لاتيل حتى من التفكير في الصوت الذي سمعته، قامت فوراً بإغماء والدتها، وعندما خارت قواها بين ذراعيها، وضعت لاتيل والدتها على السرير.
حدقت للحظة بوجه والدتها الذي يشبهها حتي من دون أداة سحرية، شعرت بألم في صدرها، بعدها مدت يدها لتأخذ القلادة التي نزعتها والدتها.
وعندما نظرت مجدداً إلى والدتها…
“!”
كانت والدتها قد استعادت مظهر وجهها مرة أخرى.
“ليست القلادة!”
قامت لاتيل بسك أسنانها بإحباط، لم تكن الوحيدة التي تخفي آخر أوراقها، والدتها أيضاً فعلت الشيء نفسه، لقد تظاهرت بأن القلادة هي الأداة السحرية، لكنها في الواقع خبأت الأداة الحقيقية مؤقتاً.
في تلك اللحظة، طرق أحدهم الباب.
“جلالتكِ، سأدخل الآن.”
لم يسأل عما إذا كان يمكنه الدخول، بل أعلن أنه سيدخل، مما يعني أن أمراً صدر مسبقاً يسمح له بالدخول دون طلب الإذن، ابتسمت لاتيل بمرارة.
“إنها أمي، بالطبع.”
كانت قد بدأت تتساءل منذ البداية، قبل أن تدرك أن المزيفة هي والدتها، كيف يمكن لشخص أن يكون شبيهاً بتفكيرها إلى هذا الحد.
ضغطت لاتيل على أسنانها بغضب، كان عليها أن تكتشف الأداة السحرية التي استخدمتها والدتها لتقلد مظهرها، ولكن لم يكن لديها الوقت الكافي.
لو ترددت للحظة أخرى، فقد يتم اتهامها بأنها الشخص الذي هاجم الإمبراطورة، أو قد يتم الإمساك بها وإرسالها إلى المعبد ضد إرادتها.
وأخيراً، دون تردد، فتحت لاتيل النافذة وقفزت إلى الخارج.
وبمجرد أن اختفت لاتيل، نظر كارلين بالتناوب إلى الإمبراطورة المزيفة المستلقية على السرير وإلى الحقيقية التي كانت تبتعد عبر النافذة، كان يفكر بسرعة في كيفية حل هذا الموقف لمساعدة لاتيل.
“جلالتكِ؟”
دخل فارس الحرس الشخصي إلى الغرفة، كان يبدو متوتراً قليلاً منذ لحظة دخوله، عندما رأى أن أحد حريم الإمبراطورة يقف بجوار النافذة، بينما الإمبراطورة نفسها مستلقية على السرير $دون حتى أن تتغطي، عبس بحيرة.
“جلالتكِ؟”
تمتم الفارس بحذر وتوجه نحو الإمبراطورة المزيفة، ولكن في اللحظة التي كان يقترب فيها أكثر…
“أنا متعبة، سأستريح قليلاً، لذا اغادر”
الإمبراطورة المزيفة التي بدت وكأنها فاقدة للوعي أصدرت الأمر.
“حسناً.”
خرج الفارس مطمئناً، وبمجرد أن غادر، تراجع كارلين، الذي كان مستعداً للهجوم، قليلاً ونظر إلى الإمبراطورة المزيفة بنظرات متسائلة.
“كنتِ مستيقظة؟”
وضعت الإمبراطورة المزيفة يديها على السرير ورفعت الجزء العلوي من جسدها، كان كارلين يتوقع منها أن تغضب أو أن تشعر بالمرارة لأن ابنتها لم تفهم نواياها.
ولكن بدلاً من ذلك، أشارت الإمبراطورة المزيفة نحو النافذة وسألت مباشرة:
“لماذا تقف هناك؟، أسرع وتابعها.”
ظن كارلين في البداية أنها تأمره بملاحقتها والقبض عليها، فعبس قليلاً، لكن كلماتها التالية كانت غير متوقعة.
“أنت ملك المرتزقة، أليس كذلك؟، احمِ تلك الفتاة بقوتك، حالياً، ليس لديها أي قوات تدعمها.”
رفع كارلين حاجبيه بدهشة، كان هذا غير متوقع تماماً.
“ظننتُ أنكِ ستطلبين مني الإمساك بها.”
أعطت الإمبراطورة المزيفة أمراً بصوت حزين: “هذا عمل الآخرين، أما أنت، فتأكد من أنها لا تُصاب بأي أذى، لا جسدياً ولا عاطفياً.”
لم يقل كارلين شيئاً، وبدلاً من الإجابة، استدار مباشرة، وبينما كان يزيح الستائر ويستعد للقفز عبر النافذة، أضافت الإمبراطورة المزيفة من الخلف: “إذا تمكنتَ من حمايتها بشكل كامل، سأدعمك عند اختيار القرين الملكي بعد أن تُحل الأمور.”
كارلين، بصفته من عامة الشعب، كان من الصعب عليه أن يصل إلى منصب القرين الملكي مهما كانت شهرته كملك المرتزقة.
لكن إذا دعمت الإمبراطورة السابقة، ووالدة لاتيل الحقيقية، ترشيحه بشكل نشط، فإن الأمر سيختلف تمامًا، الإمبراطورة المزيفة كانت تستخدم هذا كطُعم لإغرائه.
أمام هذا العرض غير المتوقع، التفت كارلين برأسه قليلًا وارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه.
“حتى دون هذا الشرط، سأحميها بالطبع.”
“إذن، هل يجب أن أسحب الشرط؟”
“ليس هناك حاجة لذلك.”
قال كارلين هذه الكلمات قبل أن يقفز مباشرةً عبر النافذة، وتبعه على الفور أحد خدمه المرتزقة، الذي كان ينتظره دون أي تردد.
تركت الإمبراطورة المزيفة وحيدة في الغرفة الواسعة، لم يكن يُسمع في الغرفة سوى صوت عقارب الساعة.
نهضت الإمبراطورة المزيفة من السرير وسارت نحو النافذة، أمسكت بإطارها وحدقت بحزن في القصر الإمبراطوري الشاسع الذي غطته الغيوم الداكنة.
***
كان الجو في مأدبة تجمع الأم وابنها الوحيد متوترًا، رغم أنهما لم يتشاجرا.
لم يكن أي منهما في حالة مزاجية تتيح له الحديث بابتسامة.
كان صوت اصطدام الأطباق والشوكات هو الوحيد المسموع في الغرفة، ثم سأل رايان: “ماذا لو كانت لاتيل هي حقًا اللورد ورفضت البقاء في المعبد؟، ماذا ستفعلين؟”
الإمبراطورة المزيفة، والدة لاتيل، شييت، كانت تقطع قطعة لحم كبيرة بعنف، لكنها توقفت ونظرت إلى ابنها، كان في عينيها مزيج من المشاعر المختلفة.
رايان، وهو يحتسي كأسًا من النبيذ، فكر في نفسه: ‘أنا أيضًا أشعر بالحزن بسبب هذا الموقف، لكن أمي بالتأكيد تشعر بالحزن أكثر.’
رغم أن رايان كان يحب شقيقته الصغيرة حبًا كبيرًا، إلا أنه يعلم أن الحب بين الأخوة يختلف عن حب الأم لابنتها.
“لقد فعلتِ ما يجب عليكِ فعله يا أمي، لا تحزني كثيرًا، حتى لو كنت أنا مكان لاتيل، كنتِ ستفعلين الشيء نفسه، أليس كذلك؟”
وضعت شييت السكين بجانب قطعة اللحم التي كانت تقطعها، من الداخل، كانت القطعة تُسرب سائلًا أحمر شبيهًا بالدم.
أمسكت بمنديل مزخرف بنقوش طحلبية ومسحت به فمها، ثم تمتمت بصوت خافت: “لا يمكنني أن أتركها وحدها.”
***
“لماذا هربتِ؟”
كانت ليلة مظلمة، حيث اختفى القمر خلف الغيوم السوداء، جلس كارلين ولاتيل بجانب نار صغيرة أشعلوها عند مدخل كهف، في محاولة للتدفئة.
لقد سافروا بعيدًا عن القصر الإمبراطوري حتى وصلوا إلى الجبال النائية خارج العاصمة، خططوا لاستغلال هذا الجبل لإخفاء آثار هروبهم والتفكير في خطواتهم القادمة.
قال كارلين وهو يعبث بالنار باستخدام غصن خشبي : “أنتِ لستِ اللورد، إذا انتظرتِ في المعبد، كان من الممكن أن تستعيدي مكانكِ كإمبراطورة.”
احتضنت لاتيل ركبتيها وأجابت: “أعلم، فكرت في ذلك عندما كنتُ أحتضن أمي”
“ظننتُ أنكِ لم تفكري في ذلك مطلقًا، لأنكِ قمتِ بإغمائها على الفور.”
“قمتُ بذلك بسرعة.”
دفعت لاتيل طرف حذاء كارلين بحافة حذائها، لكن قدمه الكبيرة والثابتة لم تتحرك.
“لكن فكر في هذا، ماذا لو استغرق الأمر وقتًا طويلًا لمعرفة من هو اللورد؟، هل سيعيدون لي العرش بعد كل هذا الوقت الذي أقضيه في المعبد؟”
لم يجب كارلين، فاستمرت لاتيل: “والآن فكر في هذا، ماذا لو، قبل أن يكتشفوا من هو اللورد، جمع تالا قوته واستولى على العرش؟، تالا سيعلم أنني كنت محتجزة في المعبد، وسيعلن أنني لورد مصاصي الدماء ثم يقتلني لإنهاء الأمر، الأدلة ضدي واضحة، ولن تكون هناك عواقب عليه، أليس كذلك؟، أمي وأخي وأنا قد اعترفنا جميعًا بأنني اللورد، وهذا هو أكبر دليل ضدي.”
“حقًا؟”
“وأيضًا… هذا احتمال ضعيف للغاية، لكن ماذا لو كنتُ أنا بالفعل اللورد؟، ماذا سيحدث حينها؟”
“الإمبراطورة السابقة قالت إنه في هذه الحالة يجب أن تبقي في المعبد، أليس كذلك؟”
“لا. أمي ستسعى لقتلي.”
مع صوت فرقعة النار، قفزت شراراتها نحو السماء، توقف كارلين عن العبث بالنار وحدق في لاتيل.
كانت لاتيل تنظر إليه أيضًا، لاحظت كيف أن بشرة كارلين الشاحبة كانت تتوهج بوهج النار الأحمر، مما أضفى على مظهره لمسة شيطانية تقريبًا، عينيه الخضراوتين، حيث كان انعكاس اللهب يرقص فيها، جعله يبدو كشيطان متألق في الظلام.
كان جماله في تلك اللحظة يفوق الوصف.
“أنت وسيم حقًا.”
تمتمت لاتيل بتلك الكلمات، توقف كارلين لبرهة، ثم ابتسم، وانحنت زوايا عينيه بمرح.
“هل هذا وقت مناسب لمغازلتي؟”
سعلت لاتيل بخفة لتخفي إحراجها واحتضنت ركبتيها مرة أخرى، مركزة نظرها على النار.
“في البداية، ستُبقي أمي عليّ في المعبد وتحاول كبح جماحي، لكنها لن تنجح.”
سأل كارلين بصوت حائر : “وكيف تعرفين ذلك مسبقًا؟”
“لأن حديثهم عن قدرة الكهنة على كبح قوة اللورد هو مجرد هراء.”
“!”
“إذا كان ذلك ممكنًا، فلماذا لم يحدث مع اللوردات السابقين؟، إذا لم يكن اللورد في جوهره شيطانًا يولد بهذا الشكل بل يولد عبر تناسخ بشري، فلا بد أنهم كانوا أشخاصًا لهم أسر وأحباء، لو كان بالإمكان كبح قوتهم، لما كانوا قد أبيدوا بالكامل.”
صمت كارلين فجأة، نظرت إليه لاتيل بدهشة، لترى أنه كان يحدق في النار لفترة قصيرة قبل أن يقف بهدوء، خلع معطفه ووضعه على كتفي لاتيل.
غطاها المعطف الضخم تمامًا.
“إذا أعطيتني معطفك، ماذا ستفعل أنت؟”
“أنا لا أشعر بالبرد”
“لكن لديك دائمًا برودة بالاطراف.”
“قلبي دافئ بما يكفي.”
عندما كرر كارلين هذه العبارة التي قالتها لاتيل في وقت سابق، لم تستطع إلا أن تبتسم بينما تتذكرها.
جلس كارلين بجوارها، ملاصقًا لها تمامًا، مد ذراعه حول كتفيها وأسند رأسها على كتفه.
رفعت لاتيل رأسها لتنظر إليه، ورأت ابتسامة خافتة ترتسم على شفتيه.
“بهذا الشكل، أشعر بالدفء أيضًا.”
“أنت تستغل الموقف بالكامل.”
“الإمبراطورة السابقة وعدت بدعمي لمنصب القرين الملكي إذا حافظت على سلامتك.”
“أمي فعلت ذلك؟”
ابتسمت لاتيل بسخرية خفيفة، ورفع كارلين ذقنه بتفاخر متظاهر.
“إذا انتهت الأمور بسلام، يمكننا أن نجلس في غرفة الإمبراطور والإمبراطورة ونتحدث عن هذا الأمر.”
“أنت… تبدو بلا طموح، لكن لديك طموحًا خفيًا، أليس كذلك؟”
ضحك كارلين بصوت عالٍ، مما جعل جسده يهتز، ومع ارتجاجه، اهتزت لاتيل التي كانت تستند برأسها على كتفه.
حاولت تعديل المعطف الذي كاد يسقط عنها، ورفعت يدها لتعيده إلى مكانه، بينما نظرت إلى خط فك كارلين، شعرت فجأة بامتنان عميق تجاهه.
رغم أنها كانت تمزح بشأن طموحه، إلا أن وجوده معها وتركه لكل شيء ليقف إلى جانبها وسط هذه الفوضى كان يعني لها الكثير.
فكرت أيضًا في أنه رجل عاشق فقد حبيبته، لدرجة أن حزن فقدانها دفعه للزواج منها، وربما كان يمكنه أن يختار البقاء هادئًا بعيدًا عن أي دراما تتعلق بمن يجلس على العرش.
بينما كانت تفكر، شعرت برغبة مفاجئة في السؤال: “من هي دوميس؟”
دوميس، المرأة التي سمعتها في كوابيس كارلين، وهو يبكي ويعلن رغبته في الموت معها.
من تكون؟، هل كانت تلك المرأة التي أحبها من كل قلبه؟، بناءً على ما تعرفه، بدت دوميس وكأنها ماتت منذ زمن، لكنها لم تستطع كبح فضولها.
“ماذا هناك؟”
بدا كارلين وكأنه شعر بنظراتها عليه، فاستدار ليسألها.
“أوه، لا شيء.”
ابتلعت لاتيل سؤالها وأومأت برأسها.
“كنت أفكر فقط بالمستقبل.”
“أنا بالطبع جزء من ذلك المستقبل، أليس كذلك؟”
“بالطبع، لو تركتك، فلن أكون إنسانة، سأكون وحشًا.”
“قلتِ ذلك من قبل، ولكنك كنتِ وحشًا بالفعل.”
“ماذا؟، متى؟”
ردت لاتيل بحدة، لكن كارلين ابتسم بهدوء وهز رأسه.
“في أحلامي، كان ذلك في أحد أحلامي الأخيرة.”
“آه، فعلت ذلك؟، كنت سيئة إذًا.”
“نعم، لذا أرجو ألا تفعلي ذلك مجددًا.”
‘إذًا لا تحلم فقط بتلك المرأة، بل بي أيضًا، لكن لماذا أحلامه مع دوميس مليئة بالحنين، ومعي مليئة بالخيانة والانفصال؟’
مع كلمة “خيانة”، شعرت برغبة في التذمر، لكنها بدلاً من ذلك أمسكت بيد كارلين، شعرت بالدهشة من حجم يده الكبير.
كارلين، عندما رأى لاتيل تمسك بيده، أمسك يدها بدوره وضغط عليها بخفة، كان ضغطه يشبه حركة هادئة ولطيفة لنمر عملاق، ضحكت لاتيل بشكل مفاجئ.
“ماذا هناك؟”
“لا شيء. فقط… هل يمكنك أن تمد كتفيك قليلاً؟”
“كتفي؟ لماذا؟”
رفع كارلين كتفيه بحيرة واستقام في جلسته، مما أتاح للاتيل أن تزحف إلى حضنه، استقرت بين ساقيه، مستندة برأسها إلى صدره، شعرت بوضوح بتوتر عضلاته تحت قماش ملابسه الرقيق.
“مالكتي…؟”
“الاستناد عليك جعل رقبتي تؤلمني.”
“هذا…”
“أنت تبدو وكأنك كرسي الآن.”
“!”
“ربما لأن حضنك واسع.”
لاحظت لاتيل حركة خفيفة عند تفاحة آدم في حلق كارلين، لكنها أغمضت عينيها متجاهلة الأمر واستراحت بشكل كامل على جسده.
“هل الوضع غير مريح بالنسبة لك؟”
“الوضع مريح، لكن…”
قاطعت لاتيل كلامه وهي تقول بصوت حازم: “سأكشف أن من على العرش ليست أنا بل المزيفة، فقط لأن الخصوم هم أمي وأخي، لا يعني أنني سأقف مكتوفة الأيدي وأموت.”
لم يستطع كارلين البقاء صامتًا بعد سماع هذه الكلمات، فتح ذراعيه وأحاطها بقوة، كما لو كان يحاول حمايتها من العالم بأسره.
لاتيل، التي كانت تحاول كبت دموعها منذ ساعات، لم تستطع الصمود أكثر، انفجرت في البكاء، مهتزة على كتفيه وهي تُخرج كل ألمها ومخاوفها.
بعد مدة طويلة، بدأت تهدأ تدريجيًا، وأخيرًا، تغيرت أنفاسها إلى وتيرة هادئة ومتزنة، وتحرك جسدها بحركات منتظمة، مما أظهر أنها قد نامت في النهاية.
كان جسدها المنهك قد وجد لحظة راحة أخيرًا بعد أيام من الإرهاق.
كارلين، الذي كان يربت على ظهرها بصمت طوال هذه المدة، توقف عن ذلك أخيرًا، مد يده إلى شعرها الناعم، مرر أصابعه من خلاله برفق، ثم انحنى ليطبع قبلة خفيفة علي رأسها.
بصوت يكاد لا يُسمع حتى لنفسه، همس: “دوميس… مالكتي الحقيقية، هذه المرة، سأحميكِ مهما كلفني الأمر، بأي وسيلة كانت”