ها هو الرجلُ الذي كان يوماً زوجي الحنونَ والطيبُ، مُمدَّدًا أمامي.
تذكَّرتُ شَعرَه البُنِّيَّ الناعمَ ووجهَه اللطيفَ، الذي كان يعلوه دائماً ابتسامةٌ دافئةٌ.
“آه…”
وأَضمَحَلَّ آخرُ أملٍ تَبقَّى لديَّ في أنَّ العمدةَ قد خدعني، وأنَّ جثماناً آخرَ قد دُفِنَ مكانَ زوجي.
“لماذا أنتَ هنا؟ لماذا؟”
وبينما كنتُ أمسحُ خدَّ كارلوس، شعرتُ بنظرات إدوين والعُمَّال الآخرين خلفي تُحدِّقُ بي بقلق.
كان التحلُّلُ قد بدأ بالفعل، مملِئاً الجوَّ برائحةٍ نَتنَةٍ مَقِيتةٍ، مما اضطرَّ الآخرين إلى الإدبارِ والنُّفور.
لكنِّي لم أُبالِ.
غَرَستُ وجهي في صدره وبكيتُ.
“لقد وَعدتَني…وَعدتَني أن تُحافِظَ عليَّ إلى الأبد. فلماذا رَحَلْتَ قبلي؟”
إنَّ النظرَ إلى وجهه الشاحبِ الذي خَسَرَ الحياةَ حَطَّمَ ما تبقَّى من اتِّزاني.
وانفَجَرَ كلُّ ذلك الحُزنِ الذي كَبتُه في موجةٍ عارمةٍ لا سيطرةَ لي عليها.
“ماذا أفعلُ الآن بعد رحيلك؟ كارلوس، أتوسَّلُ إليكَ، تَكَلَّم!”
ولم يَطِقْ إدوين المشاهدةَ أكثرَ من ذلك، فجَذَبَ كتفي.
“يا آنسة سارة، يكفي.”
لكنِّي نَفَضتُ يده وتعلَّقتُ بشدةٍ أكبرَ بالجسدِ البارِدِ الذي لم يَعُدْ يحتَوي على وَهجةِ دفءٍ واحدة.
لم أكن لأصدِّقَ للحظةٍ أنَّ موتَه كان مجردَ حادثِ عربةٍ، كما ادَّعى العمدة.
ليس عندما مُحِيَتْ كلُّ آثَارِ كارلوس من ذاكرةِ كلِّ من عَرَفَه.
“مَنْ فَعَلَ هذا بكَ؟ مَنْ يُمكِنهُ أن يفعَلَ شيئاً كهذا؟”
كر-را-بووم!
هَدَرَ الرَّعد، شاقَّا السَّماءَ كما لو كانت تُردِّدُ عَذابي.
وانهمر المطرُ بغزارةٍ أكبرَ، مببلاً شعري وملابسي حتى التصقت بجلدي.
وامتزجَتِ الدموعُ بالمطرِ، تَسيلُ على ذَقَني وتَسقُطُ صامتةً على الأرض.
احمرَّتْ عينايَ كأنهما ستَنزفانِ.
حَفَرتُ كلَّ تفصيلةٍ في وجه زوجي في ذاكرتي — كلَّ رمشٍ، كلَّ خطٍّ — حتى لا أنساه أبداً.
“لا تقلق.”
ومَسَحْتُ على الخدِّ الشاحبِ لـكارلوس وعَضَضْتُ على شفتي بقوةٍ حتى بدأ الدمُ يَنْزِفُ.
“سأُجْبِرُهم على الدَّفْعِ ثَمَنَ ما فعلوه، أولئك الذين أخذوكَ وأخذوا أبي منِّي.”
سأعثرُ عليهم.
حتى لو اضطررتُ إلى تقصِّي العالمِ بأسره.
والمطرُ يمتزجُ بالدمِ الذي يَتَقَطَّرُ من شفتي، بينما أُحدِّقُ بشراسةٍ في الفراغِ أمامي.
“حتى لو كلَّفني ذلك آخرَ عامٍ في حياتي، أُقسمُ لكَ.”
❋❋❋
كر-را-بووم!
ومَعَ وَمضةِ بَرْقٍ قاصِفةٍ، تَشَكَّلَ ظلاَّنِ بين الأغصانِ المُسَوَّدةِ في الأعلى.
بينما كان الرجالُ المُستأجَرونَ يحفرونَ ويُغطُّونَ القبرَ مرةً أخرى، كان الرجُلانِ يُراقبانِ من تحتِ وابلِ المطرِ، صامتينِ كالظلال.
مُخْتَبِئَيْنِ بِحَذاقةٍ لدرجةِ أنهما يبدوانِ جزءاً من الأشجارِ نفسها، تَحَدَّثَ أحدهُما بنبرةٍ مُرَّة:
“لم أعتقدْ أنها ستَصِلُ بالفعلِ إلى حدِّ نبشِ القبر. مِن حُسنِ الحظِّ أننا استعدَدْنا مُسبقاً.”
كان الصوتُ لـإل، الذي ألقى وَهْماً على الجثمان.
على الرغم من أنه مسؤولٌ عن الاستخبارات، إلا أنَّ إل كان أيضاً صاحبَ قُدراتٍ خارقةٍ يتخصصُ في الأوهام.
هو من صَنَعَ القطعةَ الأثريةَ التي مَكَّنَتْ كاي من التَّشَبُّهِ بـكارلوس، وهو من أبدعَ الجثمانَ الزائفَ الموجودَ في التابوت.
وإلى جوارِ إل وقفَ رجلٌ عريضُ المنكبينِ يَضِعفُه حجماً مرتين، يرتدي قناعاً.
كان حضوره صامتاً لكنه آمر.
وبَنَظْرَةٍ حَذِرةٍ إليه، أطلقَ إل تنهيدةً صغيرة.
“الهريرةُ الصغيرةُ أكثرُ جرأةً مما كنتُ أظنُّ هل ستُخلِي سبيلَها حقّاً؟”
لم يُجِبْ كاي.
إنما حدَّقَ فحسبُ في سارة، التي كانت واقفةً بلا حراكٍ أمام القبر.
بدَتْ هشَّةً، كما لو أنها قد تَتَحطَّمُ إذا لمسها أحدٌ.
ومع ذلك، كانت النظرةَ في عينيها غريبةً حتى عليه، الرجلَ الذي كان يَحْضُنُها قريباً منه لمدةِ عامٍ ونصف.
أقنعَ كاي نفسَه بأنه مجردُ وَهْمٍ، ومُؤَقَّتٍ فحسبُ.
ظاهرياً، لم تبدُ مختلفةً عن المرأةِ التي عرفها ابنةَ “مارك لامونت”، التي كان هو ووالدها مكلفين بحمايتها والسيطرة عليها.
لكن عندما تعلَّقتَ بجثمانِهِ الوهميِّ، تبكي كما لو أن قلبها يُنتَزَعُ، شعرَ بضيقٍ في صدره كما لو أن يداً خفيةً أمسكت به.
لقد أمضى عامينِ بالقربِ منها: عامٌ ونصفٌ يتَشَبَّهُ بزوجِها، وقبل ذلك، أشهرٌ يَكْسَبُ ثقةَ أبيها.
كان من الطبيعيِّ أن يكونَ شيءٌ ما قد تَأصَّلَ فيه.
على الأقل، هذا ما أقنعَ به نفسَه بينما قَمَعَ هذا الشعورَ واستدارَ بعيداً.
ومع ذلك، كان الرجلُ الواقفُ إلى جوارِها هو ما لَفَتَ انتباهَه حقّاً.
على عكسِ العمَّالِ المُستأجَرين، وقفَ ذلك الرجلُ بِطَبيعيةٍ إلى جانبِها، كما لو أنه يَنتمي إلى هناك.
إذا كانت ذاكرته تَخدِمُهُ بشكلٍ صحيحٍ، فهو ابنُ أحدِ أهالي القريةِ الذي بالكاد يزورُ المنزلَ بسببِ التزاماتِ عملِهِ في العاصمة.
فلماذا يقفُ الآنَ بِحِمَايَةٍ إلى جوارها؟
سَخِرَ كاي بصمتٍ من أفكاره نفسها.
لقد أخبرَ إل بعدمِ الاهتمامِ بالمهامِّ السابقة، لكنَّهُ ها هو يفعلُ ذلك بالضبط.
تَصَلَّبَ تعبيرُ وجهه.
كان سببُ تَركِ جثمانِ كارلوس بسيطاً: لقطعِ تعلُّقِ الهريرةِ الصغيرةِ به إلى الأبد.
لقد كانت طريقةً أنظفَ وأكثرَ موثوقيةً من التلاعبِ بالذاكرة.
“هذا سيجعلُها تَتَخَلَّى.”
إذا كانت سارة التي يعرفها لا تزال موجودةً، فسوف تتخلى.
قد تحزنُ لبعضِ الوقت — على أبيها وزوجِها — لكنها في النهاية ستتقبَّلُ الأمر.
ستستسلمُ لظروفِها، وتعيشُ بهدوءٍ، وتَخْفَى من غيرِ أن تُحدِثَ ضجَّة.
وبذلك الاعتقادِ الباردِ، استدارَ كاي وذابَ في الظلام.
نَظَرَ إل إلى سارة للمرةِ الأخيرة.
كانت واقفةً شاحبةً بلا حراكٍ أمام القبر.
ثم تَبِعَ إل كاي.
❋❋❋
بعد عودتي إلى الكوخ، لم أعدُ ذلك الشخصَ الفارغَ المُتَخَبِّطَ الذي كنتُ عليه.
حتى الآن، عندما أستيقظُ، تكونُ هناك لحظاتٌ تَخْتَلطُ فيها الأحلامُ بالواقع، لكنَّ الضبابَ بدأ يَرْتَفِعُ.
كلما شعرتُ بأنني أَتَرَنَّحُ، أجبرتُ نفسي على البقاءَ في حالةِ تأهُّبٍ ذهنيٍّ.
كان لا يزال لديَّ هَدَفٌ: الانتقام.
لم أكن أعرفُ بعدُ مِن أينَ أبدأُ أو كيفَ أَعثرُ على الشخصِ الذي قَتَلَ أبي وزوجي، لكنني كنتُ مُصَمِّمةً على أن أخطوَ الخطوةَ الأولى.
كنتُ قد طَلَبْتُ بالفعلِ من “إدوين” مساعدتي في جمعِ المعلوماتِ ووعدتُه بمكافأةٍ سخية.
كان ذلك مُجرَّدَ دليلٍ غامضٍ في أفضلِ الأحوالِ، وأعلمُ أنَّ فرصةَ سماعِ أيِّ شيءٍ إيجابيٍّ ضئيلةٌ.
ومع ذلك، لم يكُنِ البقاءُ بلا فعلٍ خياراً.
وقفتُ، وثَنَيْتُ أكمامي، وألقيتُ نظرةً حولي.
أولاً، كنتُ بحاجةٍ إلى التنظيف.
كان الكوخُ لا يزال يبدو وكأنَّ الزمنَ توقَّفَ عند لحظةِ موتِ أبي.
حتى الآن، كنتُ قد مَسَحْتُ بقعَ الدمِ فحسبُ؛ لم يكُنْ لديَّ القوةُ أو الإرادةُ لفعلِ أيِّ شيءٍ آخر.
ذاتَ مرةٍ، كان هذا المكانُ بيتَنا الدافئَ الهادئَ، مَلْجَأً لنا نحنُ الاثنين.
الآن، سأنظفُهُ وأُرَتِّبُ متعلقاتِ أبي لأقررَ ماذا أفعلُ بعد ذلك.
إذا استطعتُ تنظيمَ هذا المكان، ربما أستطيعُ أخيراً تنظيمَ أفكاري أيضاً.
وهكذا، بدأتُ في التنظيف.
رميتُ بعيداً كلَّ شيءٍ كان مكسوراً أو لا يمكنُ إصلاحُه.
نَظَّفْتُ كلَّ زاويةٍ وفَرَكْتُ كلَّ بقعةٍ، كما لو كنتُ أُرتِّبُ الفوضى في قلبي نفسِه.
وبعد أن أصبحَ المنزلُ أنيقاً مرةً أخرى، اتجهتُ إلى متعلقاتِ أبي.
لم يكُنْ هناك الكثيرُ؛ فقد عاشَ حياةً متواضعةً، مُكرِّساً نفسَهُ بالكامل لي.
رؤيةُ كيفَ كانت حياتُه بسيطةً جعلَتْ صدري يؤلِمني أكثر.
كان ينبغي أن يسمحَ لنفسِه بقليلٍ من الراحةِ وأن يُبقي على بعضِ الأشياء لنفسِه.
لو كنتُ أعلمُ كم سَيُؤخَذُ مني فجأةً، لَأعطيتُهُ أشياءً أفضلَ وأبقيتُ على المزيدِ من مقتنياتِه.
الآن، كلُّ ما تبقَّى هو ملابسُهُ الباليةُ، زوجٌ من الأحذيةِ ذاتِ النَّعْلِ المُتشَقِّقِ وبعضُ الكتبِ القديمة.
طَوَيْتُ الملابسَ بتأنٍّ، كان أثرُ رائحتِهِ الخفيفُ لا يزالُ عالقاً بها. وصَقَلْتُ الأحذيةَ القديمةَ حتى أصبحَتْ لامعةً.
حتى يستطيعَ، أينما كان ذاهباً، أن يَمشي برأسٍ مرفوعٍ مع كرامةٍ وفَخْر.
وبينما كنتُ أُرتِّبُ الكتبَ المتبقيةَ، سَقَطَتْ قطعةُ ورقٍ على الأرضِ بَصوتٍ خَفيف.
لم أكن قد لاحظتُها من قبلُ، لكنها كانت مُصَفْرَّةً مع العمر. وفي حيرةٍ، فتحتُها، وتَصَلَّبَ جسدي.
[إلى ابنتي الحبيبة، سارة.]
كانت رسالةً تركَها لي أبي.
[إذا وجدتِ هذه الرسالة، فربما يعني ذلك أنني قد رحلتُ بالفعل عن هذا العالم.]
ارتجفتْ أصابعي، لكنني لم ألاحظْ ذلك حتى.
ماذا يمكنُ أن يعني هذا؟ هل توقَّعَ موتَهُ؟ مَنْ قد يقتُلُهُ؟
جاءتِ الإجاباتُ بينما أكملتُ القراءة.
[هناك الكثيرُ من الأشياءِ التي لم أستطعْ إخبارَكِ بها. إنها حقائقٌ قاسيةٌ جداً على قلبِكِ الرقيقِ، ولهذا كنتُ أُكافحُ كلَّ يومٍ مع قرارِ إخبارِكِ بها. سامحيني لأنني أُوصِّلُ الحقيقةَ بالرسالة.]
ماذا على الأرضِ كان يخفيه عني؟
[قد تعتقدينَ أنني مجردُ جنديٍّ متقاعدٍ من جيشِ الإمبراطورية، لكنَّ الحقيقةَ مختلفةٌ بعضَ الشيء.]
وما تلا ذلك كان سلسلةً من الاكتشافاتِ التي بالكاد أستطيعُ تصديقَها.
والدي ليس رجلاً عادياً، بل كان يمتلكُ قوةً خاصةً. يُطلَقُ على أمثالِه اسمَ “الشَّاذِّين” .
كانت المحكمةُ الإمبراطوريةُ قد شكلَتْ فيلقاً سرياً مكوناً من “الشاذِّين”، محاربينَ أقسموا الولاءَ للإمبراطور وقادوا الأمَّةَ إلى النصرِ في حربٍ طويلة.
ومع ذلك، عندما انتهتِ الحربُ، بدأتِ المحكمةُ تخشى القوةَ الساحقةَ لـ”الشَّاذِّين”.
وفي النهاية، انقلبوا على الجنودِ أنفسِهم الذين كانوا أوفياءً لهم تماماً، مُطاردينَ “الشَّاذِّينَ” الذين كانوا قد قادوهم ذاتَ يومٍ.
وفجأةً، بدأتْ قطعُ أحجيةِ طفولتي في الترتيب.
فهمتُ لماذا كنا نتنقلُ دائماً كما لو كنا نهربُ، ولماذا حافظَ والدي على مسافةٍ بينَه وبين العاصمةِ والمحكمةِ: لقد كان يَستَعِدُّ لليومِ الذي ستأتي فيه كلابُ الإمبراطورية لاصطياده.
وتَردَّدَتْ كلماتُ إدوين في ذهني: “قد يكون الجانيُّ يتمتعُ بنفوذٍ كافٍ للتلاعبِ بسجلاتِ دارِ البلدية.”
وانطلقَ مني ضحكٌ أجوف.
الآن كلُّ شيءٍ أصبحَ منطقياً.
مَنْ يستطيعُ أن يقتلَ أبي ويُزَوِّرَ سجلاتِ المدينة؟ مَنْ يستطيعُ رشوةَ العمدةِ وقتلَ زوجي البريءِ دون تردد؟
كلُّ الأدلةِ تشيرُ إلى المحكمةِ الإمبراطورية.
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 9"