4
لأول مرة في حياتي، استقلت عربة بمفردي، متجهة صوب المدينة بلا خطة وبلا تردد.
كان هدفي الوحيد هو التوجه إلى قاعة المدينة، حيث قال كارلوس إنه يعمل.
بيد أن رد الفعل الذي تلقّيته هناك لم يختلف عما لقيتُه من أهل القرى.
“هذا غير ممكن. لقد أخبرني بنفسه أنه يعمل هنا.”
قطعتُ كل هذه المسافة، متشبثة بأخر خيط من الأمل في العثور حتى على أضعف أثر لزوجي.
أو على الأقل للتأكد من أنه لا يزال على قيد الحياة.
“أعتذر يا سيدتي، لكنني لا أستطيع أن أخلِق شخصًا غير موجود.”
قال الموظف بلا تعبير، ونبرته مشوبة بلمحة من التبرّم.
ارتعدت يداي وأنا أضمهما معًا وأتوسل:
“مرة أخرى من فضلك. أرجوك تحقق مرة أخرى.”
زرنا أنا وكارلوس المدينةَ معًا بضع مرات من قبل.
قال إنه يريد أن يريني الأماكن قبل أن يبدأ العمل.
أتذكر بوضوح: لقد دخل مباشرة إلى هذا المبنى نفسه، وألقى بتحية الوداع واختفى خلف أبوابه.
فكيف يقولون إنه لم يَعمل هنا قط؟
“أرجوك… أنا أتوسل إليك.”
عندما رأى اللون يهرب من وجهي، أطلق الموظف تنهيدة وقلّب بتكاسل كومة من الأوراق مرة أخرى.
“قلتِ إن اسم زوجكِ هو كارلوس رومولو، أليس كذلك؟”
“نعم، نعم — هذا صحيح.”
التفت إلى الموظف المجاور وسأله بهدوء قبل أن يعاود تقليب الأوراق.
بعد لحظات من التوتر، هز رأسه أخيرًا:
“لقد تحققت عدة مرات لا يوجد أي سجل لأي شخص بهذا الاسم عمل هنا قط.”
شعرتُ كأن قلبي قد سقط فجأة إلى الأرض، تاركًا إياي أشعر بالبرودة والثقل وفراغ لا يُطاق.
حتى جيراني، الذين عرفوني لعامين، قالوا إنهم لم يسمعوا قط عن كارلوس.
نظروا إليّ وكأني امرأة وَهْمَة تهذي عن رجل غير موجود.
قطعت كل هذه المسافة متشبثة بشرارة أمل ضئيلة، لكن الأمر كان نفسه هنا.
لا أحد يعرفه.
لا أحد يتذكره.
ارتعدت أطراف أصابعي وأنا أضمها بقوة، مجبرةً صوتي على البقاء ثابتًا:
“إذاً ربما…”
ربما أصبتُ بالجنون.
ربما كنتُ أنا الشخص الوحيد الذي يتذكر شخصًا لم يوجد قط.
في عيون الآخرين، لا بد أنني بدوتُ مجنونة.
ومع ذلك، لم أستطع التخلي عنه.
كيف لي ذلك، وكل ذكرى عنه لا تزال مؤلمةً في واقعيتها؟
“هل يمكنك التحقق مما إذا كان هناك سجل زواج بيني وبين كارلوس؟”
“ما اسمك؟”
“سارة لامونت.”
نهض الموظف من مقعده وطلب مني الانتظار قليلًا.
على الأرجح كان يظن أنني وقعتُ ضحية لزواج احتيالي ما.
لكن، لأكون صادقة، كدت أتمنى لو كان ذلك صحيحًا، لأن هذا على الأقل سيعني أنه كان موجودًا.
عندما عاد الموظف أخيرًا ومعه مجموعة من المستندات، بدا مرتبكًا، تتجعد جبهته في حيرة.
“هل… هل من خطب ما؟”
سألتُ بصوت متوتر مليء بالقلق.
تردد الموظف، ثم نظر إليّ بشك.
“هل أنتِ متأكدة أنكِ تزوجتِ؟”
“بالطبع أنا متأكدة! لقد ملأنا استمارة تسجيل الزواج معًا، هنا في هذا المكتب بالذات!”
أطلق نفسًا بطيئًا قبل أن يجيب:
“أعتذر يا آنسة لامونت، لكن لا يوجد أي سجل لزواج مسجل تحت اسمك.”
“… ماذا؟”
خرجت الكلمة من شفتي همسًا.
لم أعد أعرف ما هو الحقيقي بعد الآن.
ربما… ربما فقط…
كل شيء شاركتُه معه، كل لحظة، كل لمسة، كل وعد، لم يكن موجودًا خارج ذهني أبدًا.
ربما كان أهل القرية على حق.
ربما أصبتُ بالجنون بعد وفاة والدي.
لكن ماذا عن كل الذكريات التي أملكها عن كارلوس من قبل أن أعثر على جثة والدي؟
أكانت تلك أوهامًا أيضًا؟
هل اخترعتُ لا شعوريًا شخصًا، ليس أبي، لكنه أحبني كليًا لملء الفراغ داخلي؟
علمتُ أن طرح المزيد من الأسئلة لن يقود إلى أي مكان؛ كل سؤال سيعود بنفس الإجابة الفارغة.
لذا، استدرتُ ببساطة وغادرت قاعة المدينة، جسدي مُستنزَف من كل قوة.
شعرتُ بعيون لا تُحصى تلاحقني وأنا أجرّ أقدامي عبر القاعة، لكنني لم أعد أكترث.
لا أدري كيف خرجتُ إلى الخارج، كل ما أذكره أن قدمي علقت في درجات السلالم المؤدية للمدخل، مما تسبب في سقوطي بقوة على الأرض.
مال العالم بعنف.
السماء، الحجر، المطر، كل شيء تشوّش وامتزج وأنا منبطة على الرصيف، عاجزة عن الحركة.
شعرتُ وكأن العالم بأسره قد انهار من حولي.
وكأنني أغوص في حفرة لا قاع لها ولا نهاية مرئية.
“هـ…”
أخيرًا، انهمرت الدموع التي كنت أحبسها.
كنتُ أرفض البكاء لأن ذلك سيعترف بأنه غادر هذا العالم.
لكن قلبي لم يعد يحتمل.
لم يعد هناك شيء أتشبث به.
هذه هي الحقيقة.
شخص رائع مثله لم يكن ليتاح له أن يحب شخصًا مثلي أبدًا.
لم يكن سوى وَهْم جميل صنعته لنفسي.
“آه… هـ—”
انطلق نشيج من حلقي.
الوحدة تضغط عليّ بشدة لدرجة تؤلم معها الأنفاس، إنه ألمٌ يجعل الصدر كأنه يتمزق.
لم أستطع حتى التفكير في النهوض.
كلا، لقد نسيت كيف أقف.
تمنيتُ لو أنني أفقد عقلي بالكامل وأعيش للأبد داخل ذلك الحلم الهش الذي لا يزال موجودًا فيه.
على أي حال، لم يتبقَ لي عام لأعيشه.
لحظةً، تمنيتُ أن يكون الوهم حقيقة، لأقضي ما تبقى من وقتي بجانبي والدي وزوجي معًا.
“أحبكِ يا سارة.”
“كاذب.”
“أعدك بأن أحبكِ وحدكِ للأبد.”
“كاذب…”
“سأكون دائمًا بجانبكِ.”
“أنت لست هنا. أنت لست معي…”
“سأعيش حياتي كلها لأجلكِ.”
“كلها أكاذيب… هاـ…”
وكأنما ترحمًا على حزني، بدأت السماء تبكي.
تساقطت قطرات المطر من الأعلى، وكل ما رأيته تحول إلى الرمادي — بارد، عديم اللون، مُجرَّد من الدفء.
كنت أسمع همسات المارين من وإلى قاعة المدينة، يتناقلون الحديث عني.
لكن أصواتهم لم تصل إلى أذنيّ.
كل ما شعرت به هو الإرهاق الفارغ ينتشر في جسدي، وكأن المطر قد استنزف كل ذرة قوة متبقية بداخلي.
ثم —
“آنسة سارة…؟”
صوتٌ، بعيدٌ لكنه مألوفٌ بشكل غريب، وصل إليّ عبر حفيف المطر.
أدرت رأسي بضعف.
من خلال رؤيتي المشوشة، رأيت رجلًا واقفًا هناك، ينظر إليّ بقلق بالغ.
“كارلوس؟”
لم أستطع تمييز وجه الرجل بسبب تشوُّش الدموع والمطر.
تمايلت رؤيتي وأصبح تنفسي ضحلًا.
انحنى وساعدني على الوقوف.
كان صوته مفعمًا بالاهتمام:
“ماذا تفعلين هنا هكذا؟”
ذلك الصوت — الأكثر رقة وشبابًا — لم يكن صوت كارلوس.
شعر الرجل كان لامعًا وذهبيًا، على عكس البني الكستنائي الدافئ الذي كان دائمًا يذكرني بالخريف.
حينها فقط تعرفت عليه.
“السيد إدوين؟”
“إذاً تتذكرينني. دعينا ندخلكِ إلى الداخل أولًا، أنتِ تتجمدين.”
لقد كان ابن التاجر من قريتنا.
كان يعمل في شركة تجارية في العاصمة ونادرًا ما يعود إلى البيت، ربما مرة في السنة فقط.
دعمني بذراعه وقادني إلى غرفة دافئة قريبة.
جلستُ بذهول، عاجزة عن القول أو الفعل، بينما سكب كوبًا من الشاي ووضعه بلطف أمامي.
“ماذا حدث؟ لماذا كنتِ جالسة هكذا أمام قاعة المدينة؟”
“لقد… تعثرتُ على الدرج.”
“تعثرتِ وبكيتِ هكذا؟”
“…”
عندما رأى تعبير وجهي، لم يضغط أكثر.
بدلًا من ذلك، أطلق تنهيدة خفيفة وغير الموضوع:
“والأهم، أين زوجكِ؟ لماذا أنتِ هنا وحدكِ في هذه الحالة؟”
في لحظة نطقه كلمة “زوجكِ”، تجمد جسدي كله.
“ماذا… ماذا قلت للتو؟”
“سألتُ ما الذي جاء بكِ هنا وحدكِ—”
“لا، قبل ذلك.”
قبل أن أدري، كنتُ قد أمسكتُ بحافة معطفه بأصابع مرتعشة.
“سألتُ أين زوجكِ.”
كرر قوله، مبتسمًا مرتبكًا.
شخصٌ ما — شخص ما يتذكره حقًا.
“أنت… تتذكره؟”
همستُ بصوت مرتجف.
نظرتُ إلى إدوين بعينين واسعتين ومرتعتين، متأكدةً أنني إذا طرفتُ سوف يختفي كشبح.
بتشبث يائس، أمسكتُ بمعطفه بقوة بكلتا يدي، وكأنه الخيط الأخير الذي يربطني بالواقع.
“هل تتذكر زوجي؟”
ارتعش صوتي وأنا أتشبث بإدوين، عيناي واسعتان بلهفة ملحة.
فوجئ إدوين بنبرتي المحمومة ورمش، من الواضح أنه مشدوه.
“مَعْذِرَة؟ حسنًا، لقد التقيتُ به مرة واحدة فقط، لكن بالطبع أتذكره. لقد حضرتُ حتى حفل زفافكما.”
في تلك اللحظة، ارتخت كل عضلة في جسدي.
غمرتني موجة من الراحة التي لا تُوصف، سرقت أنفاسي.
“آه!”
لم يكن وَهْمًا.
لم يكن شيئًا اخترعته في جنوني.
لم أدرك أنني أبكي حتى وضعت يدي على فمي وكتمت نشيجًا.
لا أحد في القرية تذكر زوجي.
ولا حتى شخص واحد في قاعة المدينة عرف اسمه.
لم يكن هناك سجل له في أي مكان، لا في دفاترهم ولا في وثائقهم الرسمية.
لكن الآن، هنا شخص يتذكره.
شخص غيري يتذكره.
شعرتُ وكأنني خرجتُ للتو من الغرق، دخل الهواء إلى رئتيّ، ولأول مرة منذ أيام، استطعتُ التنفس مرة أخرى.
لكن سرعان ما تحول ذلك الارتياح إلى قلق.
لماذا يتذكره إدوين وحده؟
لماذا لا يتذكره أهل القرية؟ ولا موظفو المدينة؟
لقد تصرفوا جميعًا وكأنه لم يوجد قط.
هذا غير ممكن.
كيف ينكرون ذكرياتي الواضحة عن صوته، دفئه، وشعور يده تلامس خدي؟
حتى في أضعف لحظاتي، عندما بدأت أشك في عقليتي، جزء مني لم يتوقف عن الإيمان.
لقاء إدوين حوّل ذلك الإيمان الهش إلى قناعة: كارلوس كان حقيقيًا.
لا بد أنه كان كذلك.
“لا أعرف ما الذي يجري،”
قال إدوين بهدوء، مقاطعًا أفكاري.
“لكن بما أنني كنت أخطط للعودة إلى البيت على أي حال، دعيني أرافقكِ إلى القرية.”
لطفه أعادني إلى نفسي.
مسحت دموعي على عجل ونظرت إليه، كان الشخص الوحيد الآخر الذي يتذكر كارلوس.
لماذا هو؟
ما الذي جعله مختلفًا عن الجميع؟
قبل أن أستغرق في التفكير، قدم إدوين ابتسامة محرجة، ربما يشعر بثقل نظري.
“بالمناسبة، كيف حال السيد لامونت؟ كنت أتمنى أن أشكره، الخمرة التي أعطاني إياها العام الماضي كانت ممتازة.”
عند ذكر اسم والدي، تجمد تعبير وجهي.
بالتأكيد، إدوين الذي يزور مرة أو مرتين في السنة فقط، لم يكن يعلم ذلك.
خفضت رأسي؛ علقت الكلمات في حلقي لحظة قبل أن أخرجها أخيرًا:
“والدي… توفي مؤخرًا.”
“ماذا؟”
ترنح صوته، وظهرت الدهشة على وجهه.
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 4"