في مكتب القسم، كانت جاي جالسة على الأريكة، ساق فوق ساق، تتحدث بحماس.
“سنحضر المأدبة هذه المرّة، صحيح؟”
همهمت بمرح، ثم نهَت واتجهت نحو المرآة الطويلة في الزاوية.
“همم… ماذا علي أن ارتدي؟”
إل الذي كان يراقبها بنظرة ضيق، أطلق زفرة يائسة.
“نحن نحضرها لحراسة جلالة الإمبراطور فقط. هناك احتمال أن يتسلل كونستان إلى المأدبة.”
أمام نبرة إل الجادة، شخرت جاي باستخفاف.
“ومع ذلك، بما أننا سنتخفى كضيوف، فلنستمتع بالحفلة قليلاً.”
ألقت نظرة خاطفة نحو كاي الذي لم ينبس بكلمة، وسألته بنبرة داعبة.
“أليس التصرف بكل دقة كضيوفٍ حقيقيين جزءًا من المهمة أيضًا؟”
كان كاي يشعر بانزعاج غير معتاد في الآونة الأخيرة. كان يراجع قائمة الضيوف التي تسلمها من قصر الإمبراطورة.
بصفته قائد فرسان النظام الثالث، كان مسؤولاً عن أمن القصر.
ولهذا السبب، منحته كبيرة الخدم صلاحية الاطلاع على القائمة.
حتى الآن، لم يُشر أي من الأسماء إلى وجود صلة بـكونستان.
ففي النهاية، كانت مأدبة إمبراطورية، لا يحضرها إلا أرقى نبلاء الإمبراطورية.
بعد أن دقق في القائمة عدة مرات، أدرك أخيرًا أن إل وجاي يراقبانه بترقب.
بزفرة مترددة، تكلم أخيرًا.
“توقفا عن هذا الهذر وركزا على مهامكما الأمنية.”
عند نبرته الفظة، ارتخت أكتاف جاي وتمتمت باستياء.
“حقًا، أنت لا تعرف معنى المرونة، أليس كذلك؟”
على النقيض، أطلق إل ضحكة خفيفة مليئة بالمعرفة.
بعد أن أنهى للتو مراجعة طرق الوصول إلى المأدبة، نشر ورقة كبيرة على الطاولة، كانت مخططًا تفصيليًا دقيقًا لقصر الإمبراطورة.
“من غير المرجح أن يحدث شيء، لكن احتياطًا، قمت بتقسيم مناطق الدوريات ليوم المأدبة.”
وبينما كان يتحدث، فعَّل قدرته على الإسقاط الضوئي، فظهرت علامات مضيئة على الخريطة وكأن يدًا خفية رسمتها.
“كاي وجاي، ستأخذان موقعيكما داخل قاعة المأدبة متخفين كضيوف أما أنا، فسأنضم إليكما متنكرًا كنادل.”
ظهر اسمان إضافيان بالقرب من مداخل الحديقة الخارجية للقصر – الشمالي والجنوبي.
“فاي ستغطي المحيط الشمالي، وجيت سيتولى الجنوبي.”
درس كاي الخريطة للحظة قبل أن يلقي نظرة خاطفة على الجدار المُظلم.
“فاي، هل سمعت ذلك؟”
من الظل نفسه، انبثق نصف شكل لشخص، أومأ برأسه مرة واحدة.
“لا مشكلة.”
ثم، بسرعة ظهوره، انصهر فاي عائدًا إلى العتمة.
لم يُبدِ الآخرون أي رد فعل تقريبًا، فقد اعتادوا منذ زمن على هذه المداخلات والمخارج.
“أين ذلك الوغد جيت؟”
تذمرت جاي بصوت منزعج.
“سأبلغه أنا بالأمر.”
قال إل متدخلًا قبل أن يتفاقم الانزعاج.
بصفته المسؤول عن الاستخبارات والاتصالات في الفريق، كان بإمكان إل الوصول إلى أي من (صيادي الفرسان) عبر رابطه العقلي، لذا فلا داعي للقلق.
أومأ كاي برأسه إيجابًا باقتضاب، بينما ارتمت جاي مجددًا على الأريكة مع زفرة.
“من المريع أن جيت لم يفتعل شجارًا في الفترة الأخيرة…”
نظر إليها إل باستنكار متعب.
“ألا يمكنك يومًا أن تقدري قيمة السلام؟”
هزت جاي كتفيها.
“السلام ببساطة لا وجود له في خلايا ذلك الرجل.”
لم يبق أمام إل سوى هز رأسه.
❋❋❋
في صالة استقبال الإمبراطورة، كانت أشعة الشمس تلمع على الحواف المذهبة للأثاث الفاخر.
جلست الإمبراطورة برشاقة على أريكة مُحلاة بالذهب، بينما وقفت كبيرتي الخدم والمرافقين بصمت منظم خلفها.
بالمقابل، جلس ضيفان: رجل أنيق في منتصف العمر بشعر فضي، وشاب إلى جانبه.
“سأعتمد عليك مجددًا في هذه المأدبة، يا رئيس نقابة التجار.”
قالت الإمبراطورة بدفء.
انحنى الرجل برأسه.
“سأبذل قصارى جهدي لأرقى إلى مستوى توقعات جلالتك.”
“ثقتي بك كاملة.”
ردت بابتسامة راضية.
بعد تبادل مجاملات الوداع، نهض التاجر ذو الشعر الفضي ورفيقه وغادرا القاعة.
كان رئيس شركة كليمبف التجارية، والشاب المرافق له هو إدوين، المسؤول عن نقل مستلزمات المأدبة.
“هل تذكرت كل ما ذكرته جلالتها؟”
سأل رئيس النقابة.
“بالطبع، سيدي.”
أجاب إدوين بإيماءة مهذبة.
“جيد. أنا أعتمد عليك.”
مسرورًا بثقة إدوين الواثقة، ابتسم التاجر ومشى باتجاه المخرج.
وبينما كان إدوين يتبعه، لفت انتباهه شخص مألوف.
“سارة…؟”
التفتت سارة، التي كانت توازن ربطة من الغسيل بين ذراعيها، نحو الصوت المألوف.
“سيد إدوين…؟”
قد مرَّ شهر على آخر لقاء بينهما.
أضاء وجه إدوين بالدهشة والارتياح.
التفت سريعًا إلى رئيس النقابة.
“سيدي، هل تسمح لي بدقيقة من وقتك؟”
لانت عينا التاجر الطيبتان.
“آه، أرى أنكما تعرفان بعضكما. خذ وقتك، سأنتظر في العربة.”
“شكرًا لك، سيدي.”
بعد أن انحنى انحناءة عميقة، اقترب إدوين من سارة بابتسامة مشرقة، تعابير وجهه خالصة الفرح.
“سارة… كيف جئتِ إلى هنا…؟”
وقبل أن تتمكن من الإجابة، أخذ إدوين ربطة الغسيل من بين ذراعيها بابتسامة هادئة.
“لنتحدث خارجًا. من هذا الطريق، صحيح؟”
“آه، نعم…”
عند ردها المتردد، تقدم إدوين إلى الأمام، وتبعته سارة سريعًا، لا تزال مشوشة من أخذ غسيلها.
“كيف انتهى بك الحال في قصر الإمبراطورة؟”
بمجرد أن وصلا إلى الفناء الخلفي، حيث مقعد الحديقة الصغير الذي يوفر القليل من الهدوء، سألته.
“جئتُ مع رئيس النقابة للمساعدة في التحضير للمأدبة. لقد عُيِّنتُ ضابط النقل الرئيسي لهذا الحدث.”
إذاً، شركة كليمبف التجارية هي المسؤولة عن توريد مواد مأدبة عيد ميلاد الإمبراطورة، وإدوين يشرف على العملية بأكملها.
“تهانينا. لقد وُفّقتَ.”
كانت الكلمات مفعمة بالدفء الصادق.
ففي النهاية، كانت سارة مدينة له بالكثير.
حك إدوين قفا رقبته وابتسم بخجل.
“هاه—ليس بعد. ما زال الطريق طويلاً أمامي.”
ثم نظر إليها بعينين فضوليتين.
“لم أتوقع رؤيتكِ هنا. أن تكوني خادمة في قصر الإمبراطورة، أليس هذا ترقية كبيرة؟”
“حسنًا… أعتقد ذلك.”
لم تستطع سارة سوى أن ترسم ابتسامة خافتة ومحرجة.
على عكس إدوين، لم تكن أسباب مجيئها إلى العاصمة نقية ولا نبيلة.
هبط نظره إلى يديها.
الأصابع التي كانت تعبث بحاشية تنورتها كانت متشققة ومتورمة — مختلفة تمامًا عما كانت عليه قبل شهر.
الحياة كواحدة من خادمات الإمبراطورة كانت بلا شك بعيدة كل البعد عن السهولة.
“هل كل شيء… على ما يُرام، أليس كذلك؟”
ماذا عساها أن تقول؟
كل صباح، كانت تستيقظ على كمية لا تنتهي من العمل.
إذا أرادت البقاء على قيد الحياة، كان عليها أن تعدّ النعم التي تتمتع بها.
“نعم. كل شيء على ما يُرام.”
رغم أن نبرتها كانت ثابتة، إلا أن وجهها الجاف الخالي من التعبير لم يُظهر شيئًا.
عند رؤيتها على هذا النحو، اتجهت نظرة إدوين بلا وعي نحو بطنها.
التغيير لم يكن ملحوظًا بعد، مختبئًا تحت ثنيات زي الخادمة الفضفاض.
كانت نبرته هذه المرة أكثر هدوءًا.
“إذا احتجتِ مساعدةً يومًا، أخبريني.”
قال. ثم، بعد توقف وجيزة، أضاف بنبرة منخفضة متعمدة.
“إذا أردتِ يومًا مغادرة العاصمة، سأساعدكِ.”
نظرت إليه سارة ورسمت ابتسامة صغيرة.
كان دائمًا يقلق عليها.
“سأكون بخير.”
لم تكن لديها نية لمغادرة العاصمة حتى تحقق هدفها.
كانت مستعدة لتحمل أي شيء مهما كلفها الأمر، إلا إذا أجبرها بطنها المتنامي على الرحيل.
ثم، وفجأة، خطرت ببالها فكرة.
“في الواقع… هل يمكنني أن أطلب منك معروفًا من نوع آخر؟”
عند سؤالها الحذر، رمش إدوين في دهشة قبل أن يبتسم ابتسامة عريضة.
“بالطبع. أي شيء.”
❋❋❋
كان جيت، كالعادة، يقتل الوقت على سور القلعة الحصينة.
لم تكن هناك مهام جديدة في الآونة الأخيرة، يبدو أنه لم يبقَ أي شاذ لاصطياده.
ومع ذلك، بعد العدد الهائل الذي ذبحوه، لم يكن من المستغرب أن الأعداد تضاءلت.
‘إذاً، لم يبقَ الآن سوى كونستان، هاه؟’
قضم قضمة من تفاحة، مستمتعًا بالفكرة.
في تلك اللحظة، ظهر وجه مألوف أسفل السور.
كانت تلك الخادمة المزعجة التي استطاعت بغرابة أن تثير حفيظته.
ألم يكن كاي يحميها؟
قد يكون مجرد خيال، لكن غريزة جيت أخبرته بعكس ذلك.
الآن، كان هناك رجل آخر إلى جانب الخادمة العرجاء.
كان نفس الرجل الذي رآه في وقت سابق من ذلك الصباح ينزل من إحدى عربات شركة كليمبف التجارية.
ذلك الرجل ناداها سارة.
‘سارة… أهذا اسمها؟’
لسبب ما، بدا الاسم مألوفًا.
ثم، كشرارة في الظلام، ظهرت ذكرى مدفونة إلى السطح، قبل عامين، خلال إحاطة المهمة عندما قدم إل تقرير الهدف.
“الهدفان التاليان هما مارك لامونت وابنته سارة لامونت. كاي سيتولى القيادة، والباقون سيقدمون الدعم.”
توسعت شفتا جيت ببطء، وانفرجتا عن ابتسامة وصلت إلى زاويتي أذنيه.
“إذاً، كانت هي، على كل حال.”
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 38"