حتى بعد عودتي إلى قصر الإمبراطورة، لم أُنَلْ قِسطًا من الراحة.
فبينما عادت سائر الخادمات إلى حُجُرهنَّ في وقت متأخّر من الليل للاستعداد لليوم التالي، مكثتُ أنا في المطبخ.
لم تكن مهمّة الإشراف على شاي الإمبراطورة سوى واحدة من واجباتي، فقد كَلَّفَتني كبار الخادمات أيضًا بقَدْر هائل من الأعمال الإضافية.
لم أتمكَّن من جرِّ جسدي المنهك خارج المطبخ إلا بعد أن فرغتُ من غسل أواني الخدم.
وفي طريقي إلى المُلحَق حيث تَقَع حُجَر الخادمات، تذكَّرتُ مهمتي إلى القصر الحديدي التي كلَّفَتني بها الإمبراطورة في وقت سابق من ذلك اليوم.
صورةُ ذلك الرجل المبتلّ، نصف العاري، ومَضَت أمام عينيّ، فهززتُ رأسي بشدة.
أنا فقط مُتعبة. هذا كل ما في الأمر.
عقلي شاردٌ لأني مُتعبة.
أسرعتُ الخطى في الرواق.
حينها، فُتح بابُ حجرة نوم الإمبراطورة وخرج منها شخص.
توقَّفتُ غريزيًا واختبأتُ في الظل.
الرجل الذي خرج من حجرتها لم يكن سوى قائد الفرسان، إسحاق.
إذاً، لقد استدعَت الإمبراطورة هذا الرجل في النهاية، حتى في هذه الساعة المتأخرة.
هل حقَّقت مَسعاها؟ لا بدَّ أنها فعلت.
لقد كان المُخدّر فعّالًا، وهو لم يبتلع ملعقة صغيرة مَقيسة، بل حفنة من الأعشاب المُجفَّفة غير المخفَّفة.
انطلاقًا من حالته حين غادرتُه، لا بدَّ أن التأثيرات قد بدأت تفعل فعلها.
ما زلتُ أذكر الحرارة المنبعثة منه، وأنفاسه الخشنة التي كادت تلمس بشرتي.
وسط هذا الارتباك، استوقفَت عيني صورةٌ أخرى: الندبة الكبيرة الممتدة من كتفه إلى صدره.
ندوب أصغر كانت تَعلو جنبيه وبطنه وذراعيه.
بالنسبة لشخص مثلي، لم أرَ يومًا سوى جسد زوجي كارلوس الأملس الخالي من العيوب، كان ذلك مَشهدًا صادمًا، وما زال عالقًا في ذهني بوضوح.
فعلى عكس جسد زوجي النقيّ الناعم، الذي كان كالخزف الصيني، كان جسد هذا الرجل مُغطّى بالندوب، وكأنه شقَّ طريقه عائدًا من عرين الوحوش.
أدركتُ متأخرة كم كان تذكُّري له حيًّا، فهززتُ رأسي مُوبِّخة نفسي.
لم يكن لديَّ أيُّ سببٍ للتفكير في فراش الإمبراطورة الذي اختارَتْه.
شؤون الملوك ومحظياتهم تنتمي إلى عالم آخر مُختلف تمامًا، وأنا لي حكايتي الخاصة التي يجب أن أُنهيها.
ستكون حكايةً وحشيةً قاسية، لا تترك لأحدٍ سعادة.
❋ ❋ ❋
في ذلك اليوم، بينما كنت أدفع العربة إلى حجرة الإمبراطورة في موعد شايها المعتاد، نادَت باسمي بنبرة حادَّة.
“سارة.”
جعلَني صوتها أتوَتِّر.
“نعم، جلالتك.”
انحنيتُ بأدب، وتابعت الإمبراطورة كلامها، والاستياء يَثقُل نبرتها.
“لقد قلتِ إن المفعول سيظهر خلال ساعة، أليس كذلك؟”
أدركتُ فورًا ما تعنيه.
كانت تتحدث عن الأعشاب التي أعطيتها لقائد الفرسان.
“أجل، جلالتك. هذا صحيح.”
“إذاً، أتكونين قد كذبتِ عليَّ؟”
البرودة المفاجئة في صوتها جعلت قشعريرة تسري في عمودي الفقري.
“جلالتك، لا أفهم ما تعنينه…”
“إذاً، أو أنكِ أعطيتِه أعشابًا تالفة لا فائدة منها.”
عندها فقط فهمتُ مغزاها… الدواء لم يَعمل.
لكنني حين غادرتُ المُلحَق، كانت عليه علامات التأثير بوضوح… هل كان المفعول قد زال في الساعة التي تلت استدعاءها له؟
بالنظر إلى ضخامة جسده والندوب القاسية التي تغطي جسده، كان ذلك غير مستحيل.
“خالص اعتذاري، جلالتك. لكن لم يكن هناك أي خطأ في الأوراق التي أعددتها.”
“إذاً فسِّري لي لماذا لا يزال ذلك الرجل قاسيًا كالخشبة!”
الاحتجاج ببراءتي لن يزيد غضب الإمبراطورة إلا وقودًا.
أفضل ما يمكنني فعله هو البقاء هادئة وذكر الحقائق بأكبر قدر ممكن من الاتزان.
“في حالات نادرة، جلالتك، هناك أشخاص يمتلكون مقاومة لبعض الأعشاب.”
“…مقاومة؟”
“أجل، جلالتك. أعتقد أنه ربما يكون قد طوَّر مناعة ضد تأثيراتها.”
عند تفسيري الهادئ، تردد تعبير الإمبراطورة بين الشك والغيظ.
“إن رغبتِ جلالتك، يمكنكِ اختبار الأعشاب مجددًا. وإن فشلت مرة أخرى، أرهن إحدى ساقيَّ على ذلك.”
بقيت نبرتي ثابتة، دون أي تردد.
تدريجيًا، خَفَّ غضب الإمبراطورة، ورفَعَت مروحتها برشاقتها المعهودة.
“حسنًا. طالما أنكِ واثقة إلى هذه الدرجة، سأتحقق من ذلك بنفسي.”
وكأن شيئًا لم يحدث، أدارت الإمبراطورة رأسها برقة.
“والآن، فلنتناول شايَنَا.”
“أجل، جلالتك.”
قبل لحظات فقط، كانت تغلي غضبًا.
أما الآن، كانت ترتشف شايها وتضحك بخفة مع حاشيتها، تبدو في كامل طمأنينة الحاكمة المتألقة.
تنهَّدتُ بارتياح صامت خلفها.
كنتُ على يقين أنه لم يكن هناك أي خطأ في الأعشاب.
أما ما إذا كان ذلك الرجل قد طوَّر مقاومة أم لا، فلا أستطيع الجزم.
لكن مع ذلك، كان من المذهل أنه رغم كل جهود الإمبراطورة، لم يتأثر بها قيد أنملة.
رغم أنها في منتصف الثلاثينات من عمرها، كانت الإمبراطورة لا تبدو أكبر من امرأة في العشرينات.
كانت جميلة مُشعة، قوية وأنيقة.
مع هذا المزيج من الثراء والسلطة والجمال، كيف يمكن لأي رجل أن يقاومها؟
مما لا شك فيه، أن عددًا لا يُحصى من الرجال كانوا ليبذلوا أنفسهم لها طوعًا، سواء وُجد المُخدر أم لا.
لعلَّ هذا هو ما جعله يبدو مختلفًا.
ابتسامة هادئة ساخرة ارتسمت على شفتي.
لكن ما الفرق الذي يصنعه رأيي أنا فيه؟
فهو في النهاية قائد فرسان الإمبراطورية، وأنا مجرد خادمة.
لم تكن هناك أبدًا أي علاقة حقيقية بيننا من الأساس.
دفعتُ الأفكار عديمة الجدوى جانبًا، وركزتُ على ما يهم، وهو الإصغاء جيدًا لمحادثة الإمبراطورة، على أمل التقاط أي خيط يقودني إلى قاتل كارل.
❋ ❋ ❋
في اليوم التالي، بدأت الإشاعات تنتشر بأن السيد دواين، حارس الإمبراطورة الجديد، شوهد وهو يغادر حجرة نومها.
لكنه لم يكن أمرًا غير معتاد أن يدخل رجل إلى حجرة الإمبراطورة، لذا خبت القيل والقال سريعًا بعدما تداولته الخادمات على مائدة الإفطار.
جاء موعد شاي الظهيرة.
ولسبب ما، بدت الإمبراطورة مسرورة بشكل خاص، وقد عَلَت وجنتيها حُمرة وردية.
“يبدو أنكِ لم تكوني تكذبين بعد كل شيء.”
أدركتُ فورًا أنها لا بدَّ أنها جربت الأعشاب بنفسها. انحنيتُ بصمت، ولم أُبدِ أي رد.
لم تستطع الخادمات كبح فضولهن، فسألن أخيرًا.
“جلالتك، ما مدى فاعلية الأعشاب؟”
“أخبرينا فقط نحن.”
أضافت أخرى بمكر.
ارتشفَت الإمبراطورة الشاي الذي أعددته، وارتَسمت على شفتيها ابتسامة رضا.
“لا يسعني إلا الاعتراف، الأعشاب تعمل بشكل رائع. يبدو أنني استهنت بهذه الفتاة.”
كانت تلك الإشارة الوحيدة كافية لتأكيد كل شيء.
الخادمات اللواتي كنَّ ينظرن إليَّ بازدراء من قبل بسبب عرجي، أصبحن الآن ينظرن إليَّ بعيون برَّاقة.
“همم… هل يمكنكِ الحصول لي على بعض من تلك الأوراق أيضًا؟”
تجعَّدت أعينهنَّ بحلاوة مُتصنَّعة.
يا لها من مفارقة صارخة للازدراء الذي أظهرنه لي من قبل. لم أستطع سوى أن أُجيب بابتسامة خافتة.
لاحظت الإمبراطورة الاضطراب، فتدخلت لاستعادة النظام.
“هذه الفتاة هي خادمتي الشخصية ماذا تظنُّن أنفسكنَّ فاعلات، تُحدثن كل هذه الضجة؟”
خفضت الخادمات رؤوسهن وتنهدن بخيبة أمل عند توبيخها الحاد.
الإمبراطورة وحدها ارتدت هالة الانتصار، وهي ترتشف شايها وكأنها مُظفَّرة تستنشق أمجاد النصر.
بقيت وجوه سائر الخادمات كئيبة.
أما الحمرة على وجنتيها فكشفت كم كانت ليلتها عاطفية.
“حقًا، أيُّ رجلٍ هذا؟ حتى ذلك المُخدر القوي لم يستطع التأثير فيه بشكل صحيح…”
تبادلت حاشيتها نظرات الذهول.
“إنه الأصغر بين قادة الفرسان، لكنه عنيد بشكل رهيب. لا أفهم ذلك.”
“في سنه، كان ينبغي أن يفور بالطاقة… هل يُعقل أنه—حسنًا، أنه عديم الرغبة تمامًا؟ ربما هو… عنين؟”
“يا إلهي، لا تقولي ذلك!”
تلفَّتت إحدى الخادمات حولها بعصبية، رغم أن الشخص الوحيد الآخر القريب كان خادمة الشاي الأخرى.
ومع ذلك، أومأت الإمبراطورة بتفكُّر.
“ربما صدقتِ بـ نقطة…”
إذاً، حتى الإمبراطورة وافقت على التكهُّن بأنه قد يكون عاجزًا.
واقفة بهدوء خلفهن، فكَّرتُ: هذا بالتأكيد ليس صحيحًا…
ربما كنتُ مرتبكة جدًا في ذلك الوقت، لكنني تذكَّرتُ بوضوح كيف تفاعل جسده، والتوتُّر تحت ندوبه.
كم كان نظري قريبًا منه حقًا في تلك اللحظات العابرة؟
جعلني الفكر أشعر بحرارة تخترق رقبتي خجلًا.
وبينما كنت أوبِّخ نفسي بصمت، تحوَّل الحديث مجددًا بين الإمبراطورة وخادماتها.
“أوه، بالمناسبة، سمعتُ أنهم سيحضرون حفلة عيد ميلاد جلالتها هذا العام.”
“هم؟” سألت خادمة أخرى.
لمعت عينا الخادمة الأولى بمعنى.
“كلاب الإمبراطور.”
عند تلك الكلمات، تيبَّس جسدي في مكاني.
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 36"