تحولت العينان الليلكتان الخاليتان من المشاعر نحوي.
كان واضحاً من شعره المبتل أنه خرج توّاً من الحمام.
“لماذا أتيتِ؟”
أعادني سؤاله إلى الواقع.
حينها فقط أدركت أنه نصف عار، وتذكرت سبب زيارتي.
شعرت بالحرج، ولم أكن أدري أين أضع نظري، لكنني قابلت عينيه بكل هدوء ممكن.
ففي النهاية، كنت هنا فقط لتنفيذ مهمة من الإمبراطورة.
“جلالتها أرسلتني…”
“جلالتها؟”
لم أكن أتوقع أن يكون الفارس “إسحاق” الذي ذكرته الإمبراطورة هو هذا الرجل الذي أمامي.
صحيح أنني لم أكن أعرف اسمه حتى.
خطرت هذه الفكرة لبرهة ثم سرعان ما صفيت ذهني.
المهم الآن هو إتمام مهمة الإمبراطورة.
“قالت جلالتها أنه وصل شايٌ فاخر، وأرادت أن تهديه لك أيها القائد.”
“شاي؟”
انعقد حاجباه الناعمان قليلاً.
وضعت علبة الشاي بحذر على الطاولة وأحنيت رأسي.
“قالت أن رائحته رائعة، وأمرت أن أقدم لكم كوباً منه. إن أردت، يمكنني تحضيره بنفسي.”
بمجرد أن يشرب الشاي ويمر الوقت الكافي، ستستدعيه الإمبراطورة بكل تأكيد.
لهذا أمرتني أن أتأكد من شربه قبل عودتي.
شعرت بالأسف تجاه هذا الرجل، لكن بما أن مهمتي هي تخفيف حراسة الإمبراطورة وجمع المعلومات، لم يكن لدي خيار آخر.
فالخادمة المسؤولة عن وقت شاي الإمبراطورة هي في المكان المثالي لالتقاط المعلومات التي قد تفلت من جلالتها.
“سأحضر الشاي فوراً.”
وبينما استدرت للتوجه إلى مطبخ الملحق، تقدم خطوة للأمام وسد طريقي.
حين رفعت رأسي في دهشة، كان يحدق بي بتعبير قاتم يبدو عليه الاستياء الواضح.
“ألا يزعجكِ أن ترَيْ رجلاً غريباً نصف عارٍ؟”
نصف عارٍ؟ لماذا فجأة هذا الموضوع؟
“هل هذا أمر معتاد بالنسبة لكِ؟”
لم أستطع فهم ما يحاول قوله.
على حين غرة، تجمدت مكاني عاجزة عن فك رموز كلامه.
أزاح خصلاته المبتلة عن جبينه بانزعاج.
“انسَي الأمر. اتركي الشاي هناك واذهبي.”
كان في نبرته أثر خفيف من السخرية من نفسه. عدت إلى صوابي وهززت رأسي بحزم.
“آسفة، لكنني لا أستطيع. جلالتها أمرتني أن أتأكد من شرب القائد إسحاق للشاي قبل عودتي.”
عند لهجتي الثابتة، تقطّب حاجباه.
اقترب خطوة – أقرب من اللازم – حتى لامس ظهري الجدار.
محصورة بينه وبين الجدار، ابتلعت ريقي بجفاف وأنا أحدق فيه متسائلة بصمت عما يفعل بحق السماء.
خرج صوته كهدير منخفض.
“ألستِ خائفة؟”
“ماذا؟”
تعمّد وضع ذراعه المبتلة الغليظة على الجدار بجانب رأسي.
ضخامة جسده وحده جعلت ظله يبتلعني بالكامل.
“بالنسبة لشخصٍ وحيد مع رجل نصف عارٍ، تبدين هادئة جداً.”
لم أستطع فهم ما يعنيه.
بالنسبة لي، لم يكن مجرد رجل، بل قائداً، وأنا مجرد خادمة في خدمة الإمبراطورة.
ما الخطأ في أن ترى خادمة صدر فارس عارٍ؟ ربما كان مستاءً فقط من فكرة تعريض نفسه لشخص من رتبة أدنى.
“لا داعي للقلق بشأن ذلك. أنا هنا فقط لتوصيل مهمة، لا أكثر.”
حاولت التحدث بلطف قدر الإمكان حتى لا أسيء إليه، لكن يبدو أن هذا زاد من غضبه فقط.
“هل تظنين أن كل رجل في القصر الإمبراطوري يرى الخادمات مجرد خادمات؟ يجب أن تكوني أكثر وعياً من ذلك.”
أثارة كلماته صورة بشعة في ذهني: الفارس الذي اعتدى على الخادمات في الملحق الشمالي.
تصلب جسدي عند التذكّر.
لو لم يعثروا على آن ذلك اليوم، لكان بإمكاني أن أكون أنا بين يدي ذلك الوحشي.
حينها فقط أدركت بوعي حاد الرجل الذي أمامي.
عضلاته المحددة، بشرته المبتلة، ونظراته الحادة، كلها بدت تشع حرارة.
ربما لأنه كان خارجاً توّاً من الحمام، لكن الدفء المنبعث منه جعل التنفس فجأة صعباً.
“سأحضر كوباً من الشاي وأغادر فوراً.”
أجبرت صوتي على الثبات وتمكنت من قول شيء ما.
رغم الوضع المتوتر، أصررت على أداء واجبي.
تصلّبت ملامح الرجل وهو ينظر إليّ، ثم سحب ذراعه ببطء من حولي.
اتجه نحو الطاولة وفتح غطاء علبة الأعشاب بسرعة.
بدون أن يكيلها، أخذ حفنة من الأعشاب وألقاها مباشرة في كوب الماء الموجود على الطاولة.
تطلعت إليه مذهولة، غير قادرة على استيعاب ما يفعله، حتى رفع الكوب – والأعشاب تطفو على السطح – وشربه بالكامل في جرعة واحدة.
“ما كان يجب أن تشربه كله مرة واحدة…”
تمتمت، ويدي مرفوعة نصفها في هلع.
متجاهلاً كلماتي، رفع ذقنه وحدق بي مباشرة، وكأنه يتحداني أن اعترض.
“هل أنتِ راضية الآن؟”
أصبتُ بالبكم.
لم يكتفِ بعدم تصفية الأوراق، بل استهلك كمية أكبر بكثير مما كنت أعتقد أنه آمن.
صحيح أن الأعشاب كانت مصممة للتخدير، لكن تناول الكثير منها قد يكون له آثار جانبية غير متوقعة.
عندما نظرت إليه بقلق، رفع حاجبيه بسخرية.
“هل تريدين مني شرب كوب آخر قبل أن تذهبي؟”
هززت رأسي بسرعة.
“ل… لا، ليس هناك داعٍ لذلك.”
يبدو أن تأثيره لم يبدأ بعد، لكن تأثير الأعشاب سينتشر في جسده قريباً.
هذا بالتأكيد ما أرادته الإمبراطورة.
للحظة وجيزة، شعرت بوخز من الذنب.
تجاهلت الشعور وأحنيت رأسي.
“إذاً… سأذهب.”
بهذا، غادرت الملحق بهدوء.
❋❋❋
بعد مغادرة سارة، اتكأ كاي على الجدار يلهث بشدة.
رغم أنه اغتسل لتوه بالماء البارد، شعر وكأن جسده كله يشتعل.
كان يعلم أن الإمبراطورة لم ترسل له الشاي من طيبة قلبها.
لو كان الأمر كذلك، لما أمرت خادمتها بالبقاء والتأكد من شربه.
لكن هناك شيء واحد لم تحسب له الإمبراطورة حساباً.
كاي لم يكن مجرد قائد فرسان عادي؛ لقد تربى ككلب صيد.
من خلال تجارب لا حصر لها، بنى مناعة ضد كل السموم تقريباً.
فالسم والدواء بينهما شعرة.
باختصار، لا يمكن لأي عشبة أن تؤثر فيه.
ومع ذلك، كان جسده لا يزال يحترق هكذا.
“اللعنة…”
كان هذا كله بسبب تلك المرأة.
مجرد وجوده معها وحدهما في غرفته الخاصة، على بعد خطوات من السرير، أشعل جسده ناراً.
الإحساس بدأ قبل أن يشرب الشاي بكثير.
لمدة عام ونصف، تذكر جسده ما يعنيه التشبث بها.
رؤيتها كيف بقيت هادئة جعلته يشعر بغرابة أكثر.
بينما كان هو محمراً مضطرباً، بدت هي غير مكترثة على الإطلاق.
مرر كاي يده في شعره بإحباط وعاد إلى الحمام باقتضاب.
دون تردد، أغرق جسده في الماء المثلج. حتى ذلك لم يطفئ الحرارة.
“لا داعي للقلق بشأن ذلك. أنا هنا فقط لتوصيل مهمة، لا أكثر.”
ترددت كلماتها في ذهنه، بريئة وغافلة.
هل لديها أي فكرة كيف تبدو هذه الكلمات له؟
أراد أن يتجاهل رأيها تماماً ويلتهمها بنهم.
لقد اشتاق ليحضن جسدها الذي حن إليه طويلاً.
“آه…”
مجرد التفكير جعل عضلات جسده القوية تتوتر وترتعش، تنقبض وتنفرج في موجعات مؤلمة.
ضغط بجبهته على الجدار البارد، وأطلق كاي تنهيدة مرة.
“…حقير مسكين.”
فكر في نفسه بمرارة أن جسده لا بد أنه تلف فعلاً ولا أمل في إصلاحه.
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 35"