…
دفعنا الاثنان العربة المحملة بالشاي والحلويات، عبر الممر، خلف كبيرة الخادمات.
وبينما أمشي بجانب العربة، متمسكة بها، تخفف عرجي وأصبحت خطواتي أكثر ثباتًا.
توقفنا أمام باب مزخرف، فقرعته كبيرة الخادمات، ووجهها متجعد من التوتر.
“جلالتك، أحضرنا الشاي لك.”
أجاب صوت رقيق من الداخل.
“ادخلن.”
عندما فُتح الباب، انساب ضوء الشمس من نوافذ الشرفة وملأ الغرفة بنور ذهبي.
كانت الإمبراطورة جالسة على طاولة قرب الشرفة، تتحادث بهدوء مع وصيفاتها.
لم يكن انتباهها موجهًا إلينا بتاتًا.
ابتلعت كبيرة الخادمات ريقها بصعوبة، وألقت نظرة خاطفة إليّ.
دفعت أنا والخادمة المساعدة الأخرى العربة إلى الأمام، وتبعنا كبيرة الخادمات باتجاه الشرفة.
أوقفنا العربة بجانب طاولة الشاي، وبدأنا نرتب الحلويات بدقة متناهية.
لم ترفع الإمبراطورة نظرها إلينا حتى توزعت كل الحلويات بشكل أنيق على الطاولة.
مرتاحة لعدم اكتراثها الظاهر، صبت كبيرة الخادمات الشاي بيدين ثابتتين.
انتشر العطر الشذي في الهواء، وأخيرًا لفت انتباه الإمبراطورة.
“أهذا شاي بايدوسان الذي اعتاد تناوله؟”
رغم أنني أعدت تركيب الرائحة بأقرب شكل ممكن، لم يكن بإمكاني أبدًا أن أصنع نسخة طبق الأصل.
لا بد أن الإمبراطورة لاحظت الفرق، فقد بدا صوتها أكثر برودة عندما سألت عنه.
“نفد شاي بايدوسان، يا جلالتك”، ردت كبيرة الخادمات بسرعة، منحنية بانخفاض. “لذا أعددنا مزيجًا جديدًا لهذا اليوم.”
“أحقًا؟”
لكم كانت مفاجأتنا كبيرة عندما تجاهلت الإمبراطورة الأمر، بصوتها الهادئ وغير المكترث.
زفرت كبيرة الخادمات الصعداء بصمت، ثم صبت لنفسها فنجانًا صغيرًا من الشاي، وتذوقته أولاً – كعاداتها المعتادة لتثبت أن الشاي غير مسموم.
بعد أن فعلت ذلك، قدمت الشاي للإمبراطورة ووصيفاتها.
رفعت الإمبراطورة فنجانها، مستمتعة بالرائحة قبل أن ترتشف رشفة.
برقت عيناها بدهشة خفيفة وهي ترمق كبيرة الخادمات بنظرة.
“الرائحة تشبه إلى حد كبير شاي بايدوسان الذي اعتاد تناوله.”
ارتفعت موجة ارتياح على وجه كبيرة الخادمات وهي تنحني.
“يشرفني ذلك، يا جلالتك.”
ارتشفت الإمبراطورة رشفة أخرى، وثنت شفتيها بابتسامة خفيفة.
“المذاق ليس سيئًا أيضًا. أي شاي هذا؟”
عند ذلك، تصلبت كبيرة الخادمات وألقت نظرة قلقة في اتجاهي قبل أن ترد على مضض.
“إنه… مزيج من الأعشاب المجففة والزنجبيل والقرفة، يا جلالتك.”
لا بد أنها تذكرت مشاهدتها لي وأنا أعد المزيج في وقت سابق، لأنها أجابت دون تردد.
“أحقًا؟ إلى أن تصل شحنة بايدوسان الجديدة، أعتقد أن هذا سيفي بالغرض.”
تمهل نظَر الإمبراطورة على كبيرة الخادمات.
“ما فوائده؟”
تجمدت كبيرة الخادمات.
مع أنها رأتني أخلط المكونات، إلا أنها لا تعرف ماهيتها بوضوح.
تقطبت حواجب الإمبراطورة إزاء ترددها.
“إنه… على الأرجح يساعد على تهدئة النفس والجسد…”
زاد نبرتها المترددة من برودة تعبيرات الإمبراطورة.
“إذاً أعددتن شايًا دون أن تعرفن فوائده؟”
“أ-آسفة يا جلالتك، إني…”
وقبل أن يتفاقم التوتر أكثر، تكلمت بحذر.
“إنه شاي يعزز الدورة الدموية ويقوي المناعة بخصائصه المضادة للبكتيريا والالتهابات، يا جلالتك.”
التفتت كل الرؤوس نحوي – بما في ذلك رأس الإمبراطورة.
وما زلت واقفة خلف العربة، أبقي رأسي منخفضًا وأكملت بهدوء.
“كما أن له تأثيرات مضادة للأكسدة قوية تساعد في تأخير الشيخوخة.”
عند ذكر تأخير الشيخوخة، ارتفع حاجبا الإمبراطورة باهتمام واضح.
“هذه خاصية تعجبني حقًا.”
تأملت وجهي، وتعرفت علي عندها فقط، وانسابت ضحكة خفيفة من شفتيها.
“كنت أعلم أن لك رأسًا ذكيًا، ولكن يبدو أنك سريعة البديهة أيضًا.”
حتى تحت ملاحظتها الصريحة، بقيت مستقيمة الظهر وانحنيت باحترام.
جال نظرها علي من رأسي حتى أخمص قدمي قبل أن تبتسم بتكاسل.
“واقفة هكذا من الخلف، لا يظهر عرجكِ القبيح. يكاد يكون مقبولاً.”
تمتمت الكلمات لنفسها، ثم عادت الإمبراطورة للتوجه إلى الأمام وارتشاف رشفة من شايها.
“من الآن فصاعدًا، ستتولين أنتِ مسؤولية الشاي خاصتي.”
لبرهة، ظننت أنني أخطأت السمع.
لكن النظرة الحادة من كبيرة الخادمات أخبرتني بعكس ذلك.
بعد لحظة، انحنيت بعمق.
“سأبذل قصارى جهدي، يا جلالتك.”
سرعان ما فقدت الإمبراطورة اهتمامها بي، وعادت إلى محادثتها الممتعة.
وما أن انتهت الخدمة، حتى تراجعت الخادمات بهدوء وانتظرن في الخلفية لحين الحاجة إليهن.
متجاهلة نظرة كبيرة الخادمات اللاذعة، وقفت بصمت مع الأخريات.
لقد أتت الفرصة أسرع مما توقعت.
كنت فقط أتمنى المساعدة في الشاي، والآن أصبحت المسؤولة عنه.
بالنسبة لكبيرة الخادمات، كان هذا مذلاً.
بالنسبة لي، كان الفرصة المثالية.
من هذا الموقع، أستطيع مراقبة الإمبراطورة عن كثب، ومعرفة عاداتها وأسرارها، وربما كشف حقيقة الحريق قبل سبعة عشر عامًا.
وغني عن القول أن ترقيتي لم تزد إلا في تأجيج استياء الخادمات الأخريات.
“أهكذا تظنين أن كونك خادمة شاي جلالتها يعني أنك ستجلسين تحتسين الشاي طوال اليوم؟”
كبيرة الخادمات التي حللت محلها، ألقت بحمل ثقيل من الغسيل بين ذراعيّ.
قبلته دون احتجاج، رغم أنه كان أطول مني.
“أنهي كل قطعة بحلول الليلة. سأتفقد.”
كان الأمر مستحيلاً، بالنظر إلى كمية العمل الموكلة إلي.
لكنني فقط خفضت رأسي ورددت بهدوء.
“نعم، سيدتي.”
“حسنًا.”
إذا كان هذا هو ثمن نيل رضا الإمبراطورة، فالغسيل والتنظيف أعباء تافهة يمكن تحملها.
ففي النهاية، لقد اعتدت مثل هذه الأعمال لفترة طويلة خلال وجودي في الجناح الشمالي.
بالمقارنة مع ذلك، كان العمل هنا لا شيء.
لكن تصرفي الهادئ بدا وكأنه يثير حفيظة الخادمات الأخريات أكثر.
ألقين بنصيبهن من العمل علي بتجهم قبل أن يختفين دون كلمة.
تجاهلتهن وانشغلت بنقل كومة الغسيل إلى مكان آخر.
لتسهيل الغسيل، احتجت إلى نقعها أولاً.
ضاغطة الحمل الثقيل إلى صدري، توجهت إلى الحديقة الخلفية للقصر حيث توجد البئر، المكان المثالي للغسيل.
وضعت الكومة جانبًا، وسحبت عدة دلاء من الماء من البئر، وصببتها في حوض كبير لغسيل الأغطية.
ثم دفعت كومة الملابس في الماء حتى غمرت تمامًا.
وبعد أن مسحت العرق من جبيني فقط، سمحت لنفسي بتنهد قصير بارتياح.
محدقة في كومة الأقمشة، بدأت العمل بسرعة مرة أخرى. فبينما تنقع الملابس، ما زال هناك تنظيف يجب إنجازه.
❋❋❋
كان جيت مستلقيًا بتكاسل فوق سور القصر، يتأمل بتثاؤب ما يحدث بالأسفل، عندما لفت انتباهه شيء ما.
في الحديقة الخلفية لقصر الإمبراطورة، كانت خادمة تعرج تكافح وحدها لغسل الملابس.
بالمناسبة، ألم يرَ خادمة أخرى تعرج في الجناح الشمالي؟ ما احتمالية وجود اثنتين من هكذا خادمات داخل القصر الإمبراطوري؟
كلما زاد تأمله، ازداد يقينًا.
إنها هي – الخادمة العرجاء من الجناح.
“حسنًا، حسنًا…”
جلس جيت، وتغير تعبيره إلى تعبير فضولي.
‘كيف انتقلت خادمة من الجناح الشمالي إلى قصر الإمبراطورة؟’
لقد تُرك الجناح الشمالي ليعفن في ظلال العاصمة، مهجورًا تقريبًا.
الخادمات الموكلات بالعمل هناك كالأشباح؛ حتى البلاط لا يراهن.
لذا، عندما رآها هناك، ظن الأمر غريبًا، لكنه لم يولِه اهتمامًا كبيرًا.
لكنها الآن تقف في أكثر أجزاء العاصمة إشراقًا وحراسة مشددة، تخدم الإمبراطورة نفسها.
لمعت عينا جيت بمرح وهو يقفز من فوق السور.
بحركة واحدة سلسة، هبط في الحديقة خلفها.
“لك أعصاب أن تتمكني من أن تصبحي خادمة في قصر الإمبراطورة بهذا العرج.”
مذعورة من الصوت المفاجئ، استدارت سارة وكادت تسقط قطعة القماش التي كانت تمسك بها.
على بعد خطوات قليلة منها، كان رجل أشقر يرتدي زي الفارس الإمبراطوري واقفًا.
لم تلحظ حتى اقترابه.
‘أكنت منشغلة جدًا في الغسيل؟’
فكرت بتذمر.
شاعرة بالقلق، وقفت منتصبة وأحنت رأسها.
في العاصمة، الخادمة الحقيرة لا حول لها ولا قوة أمام فارس إمبراطوري.
جال نظَر جيت على قوامها النحيل من الرأس إلى القدمين.
بغض النظر عن ساقها المصابة، كانت نحيلة، عادية، وضعيفة.
“هل فقدت كبيرة الخادمات عقلها، لتختار واحدة مثلك؟”
كانت نبرته مشبعة بالسخرية.
تقلص جبين سارة.
كانت تعرف مسبقًا من تجربتها أن ليس كل الفرسان الإمبراطوريين يستحقون لقبهم؛ لقد تعلمت تلك الحقيقة المرة في الجناح.
اقتحام هذا الرجل المفاجئ كان غير مرحب به بتاتًا.
“أنا فضولي، كيف انتقلتِ من الجناح الشمالي إلى قصر الإمبراطورة؟”
تصلبت سارة.
‘إنه يعلم أني كنت في الجناح؟’
سار بردٌ في عمودها الفقري.
ماذا لو كان هذا الفارس على صلة بأولئك الذين قتلوا الخادمات آنذاك؟
“هي”، ضغط، ونفاد الصبر يتسرب إلى نبرته. “عندما يكلمك أحد، عليك الرد. ما بك، عرجاء وبكماء أيضًا؟”
عندما اقترب منها، تراجعت سارة غريزيًا، وقلبها يخفق بسرعة.
ثم-
“هذه ليست منطقتك المخصصة.”
قطع صوت مألوف منخفض حدة التوتر.
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 33"