انسَلَلْت إلى غيضة أخرى من الشجيرات وحبست أنفاسي قبل أن يصل الرجلان إلى المكان.
تحسسا المنطقة التي كنت مختبئة فيها.
لحسن الحظ، حماني الضوء الخافت من أن أُكتشف بسهولة.
“هل أخطأ بصرنا؟”
نَفَرَ أحدهما بانزعاج.
حك الآخر رأسه: “هذا غريب. كنت أقسِم أن هناك شيئًا ما كان هنا…”
“كنت على وشك الاستمتاع بقليل – لا تفسد الأمر.”
تذمر الأول وعاد أدراجه نحو آن.
تمتم الآخر بتوتر: “ربما تلك الشائعات عن أشباح في القصر الشمالي حقيقية بعد كل شيء؟”
عبس الرجل الأول: “أي هراء هذا؟”
“لا أقول إنه هراء كل الخدم الذين عاشوا في القصر الشمالي ظلوا يرددون الشيء نفسه…” أجاب المتوتر.
“إذاً أنت تقول إن ما كان هنا الآن قد يكون شبحًا؟”
“لا – أنا أقول إنه من المحتمل.”
“اقطع هذا الهراء وتمسك بالمرأة واستعد.”
زمجر الرجل الغاضب.
تردد المتوتر مترددًا: “لا يعجبني هذا الشعور. ربما علينا إنهاءها هنا؟”
عندها، التفت إليه الآخر بعيون توقد شَهْوَةً جامحة: “ستجبن الآن وتغادر خالي الوفاض؟”
“يقولون إن الخادمات هنا يتصرفن كالممسوسات، خاملات ومستسلمات.”
“أي شبح لعين أهم من أن ننال ما جئنا لأجله؟”
تلك كانت فرصتي.
إن كانا مشتتين، أو إن كان هناك حتى أدنى شقاق بينهما، استطعت استغلاله.
قد كنت أكره آن، لكنني لست منحطة بما يكفي لامشي وأتركها تموت هكذا.
أخذت نفسًا عميقًا وصرخت بصوت عالٍ وواضح تجاه الجزء الخلفي من البستان:
“أيها الناظر! هنا! فارسان دخلا الأجمة!”
تجمد الرجلان في منتصف شجارهما، والتفتا بسرعة تجاهي.
“اللعنة!”
كانا مذعورين لدرجة أنهما لم يتوقفا للتفكير.
لحظة ارتباك كانت كافية ليهربا كليهما من المكان.
بمجرد أن تأكدت من رحيلهما، أسرعت نحو آن.
كانت في حالة مزرية، دموعها تنهمر على وجهها وكأنها رأت ملاكًا ينزل من السماء.
جثوت بجانبها وأزلت اللثام عن فمها.
حالما تحررت شفتاها، كادت تنفجر باكية.
وضعت يدي على فمها بقوة وتكلمت بصوت بارد:
“اهدئي. قد يعودان.”
عضت آن شفتها وأومأت وهي ترتجف.
نجونا من الأسوأ، لكن كذبتي لن تكون مقنعة لوقت أطول.
إن أدرك أولئك الرجال ما حدث، سيعودون.
ثم لاحظت زرًّا يلمع قرب تنورتها.
لا بد أنه سقط من زي أحد الفرسان أثناء صراعه معها.
شعار الإمبراطورية منقوش عليه.
دليل.
أخفيته بسرعة في جيبي ونظرت إلى آن التي ما زالت ترتجف: “إن أردت الحياة، تحركي. الآن.”
لم تكلّف نفسها بإصلاح ملابسها الممزقة؛ اتكأت عليّ فحسب بينما ترنحنا مبتعدين.
بمعجزة ما، وصلنا القصر الشمالي دون أن يلحق بنا أحد.
داخل حجرتها، أجلستها على السرير.
ارتجف صوت آن: “أش-أشكرك…”
توقفت للحظة، رمقتها بنظرة، ثم استدرت وخرجت دون أن أنبس بكلمة.
لا وقت للعواطف الرقيقة.
إن كان هذا الزر كما أعتقد، فقد يكشف الحقيقة وراء كل موت في هذا القصر الملعون.
أخرجته من جيبي وحدقت فيه بصمت.
※※※
بعد فرارهما من المكان، سرعان ما أدرك الرجلان أن ثمة خطبًا ما.
المكان كان هادئًا جدًا بالنسبة لمكان يُفترض أن الناظرة قد وصلت إليه.
“الناظرة؟ تأتي إلى هذا القصر المهجور؟”
قطب الآخر: “إن كانت وجدت تلك الفتاة حقًا، ألم يكن يفترض بنا سماع شيء الآن؟”
أدركا أخيرًا أنهما خُدعا.
التوت ملامحهما بغضب واستدارا.
كانا سيعاقبان “العاهرة” التي تركوها خلفهما، والأحمق الذي تجرأ على التدخل.
قد يكونان فارسين من الرتب الدنيا، لكن القبض على امرأتين أعزلتين، إحداهما عاجزة، سيكون سهلًا.
في المسافة، رأياني أساعد آن التي كان جسدها مرهقًا ومهترئًا.
حتى من بعيد، كان عرجي واضحًا.
عندما أدركا أنهما فرا من مجرد عرجاء، تشوهت ملامحهما بالخزي والغيظ.
“هذه العرجاء لي.”
بدأا يسرعان الخطى عندما–
شينغ–
رنين الفولاذ البارد قطع الهواء.
نصل، يتلألأ أزرق تحت ضوء القمر، ضغط على حلق الرجل.
اقترب شخص دون صوت.
تجمد الفارس في رعبه: “م-من…؟”
بالكاد استدار برأسه قبل أن تقع عيناه على زوج من العيون الزرقاء الداكنة الثاقبة ووجه رجل ذي شعر أسود حالك، خال تمامًا من المشاعر.
من مظهره وهيبته وحدها، عرفت من هو في لحظة.
“ق-قائد الفرقة الثالثة؟”
بقي تعبير كاي باردًا وهو رفع سيفه، ضاغطًا بنصله على عنق الرجل.
خيط رفيع من الدم سال على الشفرة.
“ل-لماذا أنت–“
لم يكمل الرجل جملته.
النصل الذي لامس عنقه شق شريانه الحي بسلاسة.
“آه–! آآه!”
تعلق الرجل بجرحه المتسع، يَشهَق والدم يتدفق منه كالنافورة.
مهما حاول أن يوقف النزيف، كانت يداه المرتجفتان عديمتي الفائدة.
انهار للأمام، يتشنج حتى توقف عن الحركة تمامًا.
رفيقه الذي شهد كل شيء، صرخ وتراجع في رعب.
“يي-ياه!”
تحول نظر كاي نحو الرجل الذي تبنل نفسه.
حدق فيه بلامبالاة مطلقة.
فقط عندما التقَت أعينهما، بدأ الفارس المرتجف يتوسل، صوته متصدع باليأس:
“أرجوك– أرجوك لا تقتلني! نحن-نحن فرسان النظام الإمبراطوري!”
الرجاء بالحياة لم يحمل أي إقناع.
“لا أدعو الوحوش التي ترتدي الدروع فرسانًا.”
بدون تردد لحظة، ذبح كاي حنجرته أيضًا.
الدماء التي تناثرت على وجهه لم تغير تعبيره.
بدا تمامًا كالحاصد، ملك موت عديم المشاعر، يقطع الرجال دون ندم.
لم أتخيل قط أني سأواجه حاصد أرواح بدلًا من شبح في هذا القصر المهجور.
الرجل الأخير المتبقي سقط على ركبتيه، ساقاه ترتجفان بلا سيطرة.
“أ-أرجوك، سأفعل أي شيء! استبقني، فقط استبقني!”
نظر كاي للأسفل نحو الرجل المتذلل أمام قدميه كما ينظر المرء لحشرة.
قتل مثل هذه الحشرات سيكون سهلاً، لكن ربما كان هناك حاجة لعبرة.
جلس القرفصاء بجانب الرجل الباكي، اقترب حتى كادت شفتاه تلمسان أذن الرجل.
همس بشيء خفيفًا.
ثم، دون كلمة أخرى، نهض ومشى مبتعدًا.
تُرك الرجل خلفه، جالسًا في بركة بوله، محدقًا بفراغ وكأن روحه سُلبت.
※※※
وصلت زائرة إلى الجناح الشمالي.
إحدى كبيرات الخادمات أحضرت معها صيدلانية.
جالَت الصيدلانية في أرجاء الجناح، تختبر عينات مختلفة بمحاليلها، وسرعان ما أومأت بجدية.
“تقرير الخادمة صحيح. القصر بأكمله ملوث بمركب مهلوس اسمه تولين.”
التفتت نحوي، عيناها مليئتان بالقلق، بينما اكتفت كبيرة الخادمات بعقد ذراعيها باستياء.
“مركب التولين هذا أو أياً كان، هل يمكنه قتل الناس؟”
سألت كبيرة الخادمات.
رفعت الصيدلانية نظارتها الطبية الكبيرة وهزت رأسها.
“لا، ليس بشكل مباشر. التولين يسبب الهلوسة، لكنه ليس قاتلاً بحد ذاته.”
ألقيت نظرة سريعة نحو آن التي كانت واقفة شاحبة وواهنة بالقرب منا، ثم اقتربت أكثر من كبيرة الخادمات.
“في الواقع، هناك شيء يجب أن أبلغكم به بخصوص ذلك.”
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 30"