3
كان المطر يتساقط.
وقفت بلا حركة بين الحشد الصغير المجتمع في مقبرة القرية، كأني دُمية خشبية تُركت في عاصفة.
أمامي وقف شاهد القبر المتواضع الذي يحمل اسم والدي.
لم تعد الدموع تأتيني.
لعل عقلي كان لا يزال مصدوماً لدرجة لا تسمح له بقبول أي شيء من هذا كحقيقة.
والدي كان ميتاً.
ولكن ما لم أستطع تصديقه، وما رفضت تصديقه، هو أن كارلوس قد رحل هو الآخر.
“هل قبضوا على الجاني؟”
“يقولون أنها كانت سرقة. فمنزله كان بعيداً جداً عن القرية في النهاية.”
كنت أسمع همسات القرويين خلفي، لكنني لم أستطع تمييز كلماتهم.
كنت أحدق بفراغ في اسم والدي المنقوش على الحجر.
“يقولون أن الابنة فقدت عقلها.”
“حسناً، بعد أن رأت والدها يُقتل أمام عينيها، لا عجب في ذلك.”
“يبدو أنها تتجول وتسأل الجميع إن كانوا رأوا زوجها، زوجاً غير موجود أصلاً.”
“الكل يعلم أن السيد لامونت وابنته كانا يعيشان هناك وحدهما.”
“مسكينة. لابد أن الصدمة كانت أكبر من طاقتها. لابد أنها اختلقت زوجاً من شدة حزنها.”
“لعلها ابتكرت شخصاً في عقلها – شخصاً تتكئ عليه دون أن تدري. يا للأسى…”
كانت همساتهم تدور حولي كالمطر البارد، تتسرب إلى عظامي.
هل كنت قد جننت حقاً، كما يقولون؟
هل اختلق عقلي كارلوس، شخصاً لم يوجد قط، بسبب صدمة فقدان والدي؟
هل كانت كل ذكرياتي عنه – صوته، دفؤه، لمساته – مجرد هلوسات ولدتها الصدمة؟
انطلق مني ضحك أجوف.
ها…
بدا الصوت هشاً وغريباً، كأنه لشخص آخر.
ارتخى جانبا فمي قليلاً وعادت عيناي رماديتين بلا بريق.
كارلوس قد رحل، كأنه لم يكن موجوداً قط.
مع ذلك كانت ذكريات السنة والنصف التي قضيناها معاً نابضة وملموسة بشدة.
حتى الآن، بعد أيام فقط من ليلتنا الأخيرة معاً، ما زلت أشعر بوجوده الباقي في جسدي.
رغم ذلك… لا أحد في القرية يتذكره.
ولا شخص واحد.
بل والأسوأ، لم يكن هناك أي أثر له في المنزل:
لا ملابس، ولا أدوات، ولا حتى بصمة للرجل الذي عاش هناك لأكثر من عام.
كان هذا كافياً لأن أشك في ذاكرتي نفسها، هل قضيت كل ذلك الوقت معه حقاً؟
دعمت ركبتيّ المرتعشتين، وأجبرت نفسي على الوقوف وحاولت أن أبقى متزنة.
‘أبي… هل جننت حقاً’
كان لدي الكثير لأسأله.
لكن الموتى لا يجيبون.
ابتلعت الأسئلة التي تكاد تخنق حلقتي، وكتمت اليأس المتصاعد.
** ❋❋❋ ❋❋❋**
في مثل هذا الوقت تقريباً، قبل عامين، التقيت به لأول مرة.
كنت أعيش مع والدي وحيدين في قرية صغيرة تُدعى روهارا.
لم نكن من أهلها الأصليين؛ فقد كنا نتنقل من بلدة إلى أخرى منذ أن بدأت أفهم.
قبل أن أولد، كان والدي فارساً في الحرس الإمبراطوري.
إلا أنه فقد ذراعاً أثناء الخدمة، ورباني وحيداً بعد تقاعده.
قيل لي أن والدتي ماتت أثناء ولادتي لي.
ولم يتحدث عنها مرة أخرى.
استمررنا في الترحال حتى بلغت الثامنة عشرة، حين استقررنا هنا أخيراً.
كانت روهارا بلدة صغيرة، بعيدة عن العاصمة ومنسية من معظم المسافرين.
كنا نعيش هناك منذ ثلاث سنوات تقريباً حين التقيت به.
“مرحباً.”
كان له شعر بني دافئ وعينان خضراوان وديعتان تجسدان هدوء غابة صيفية.
ما زلت أذكر اللحظة التي ابتسم فيها لي.
“اعذريني، هل يمكنني سؤالك عن العنوان؟”
كانت نبرته ودودة ومترددة في البداية، لكنها لطيفة بلا شك.
وجدت نفسي أحدق فيه، عاجزة عن صرف نظري عن عينيه الهلاليتين اللتين تنحنيان برقة حين يبتسم.
“أنا جديد في هذه القرية.”
عادة ما ينظر الرجال إلي بطريقتين: إما بعدم ارتياح، كأن عرجي يزعجهم، أو بشفقة.
لكن هذا الرجل نظر إلي مباشرة دون تردد أو حكم.
كانت المرة الأولى التي يفعل فيها أحد ذلك.
“كنت آمل أن ألتقي بمختار القرية.”
انتبهت من شرودي، ونظرت بعيداً مسرعة وقلت:
“آه… منزل المختار في الطرف البعيد من القرية…”
“هل سأكون وقحاً إذا طلبت منك أن تريني الطريق؟”
هززت رأسي، أشعر بالحرج.
“كما ترى، ساقي ليست بخير. المشي معي قد يكون بطيئاً وغير مريح من الأفضل أن تسأل شخصاً آخر.”
شددت تنورتي بإحراج، أحاول تغطية ساقي التي تجعلني أشعر بالخجل.
لم أستطع رفع نظري إليه، خوفاً من أن أرى نفس نظرة الشفقة.
بدلاً من ذلك، قال شيئاً فاجأني تماماً.
“إذاً سأعدل خطواتي لتتناسب مع خطواتك.”
“ماذا؟”
كان صوته ناعماً، دافئاً يكاد يذيب الجدار الذي بنيته حول نفسي.
“يمكنك المشي، أليس كذلك؟ فقط ليس بسهولة؟”
“نعم، هذا صحيح.”
وقف إلى جانبي، قريباً بما يكفي لتتداخل ظلانا على الطريق الترابي.
“إذاً هذا مثالي، كنت أخطط لأتمشى ببطء حول القرية على أي حال.”
انحنت زوايا عينيه بطريقة أثارت قلبي، كانت لطيفة ودافئة.
عرّف عن نفسه كموظف حكومي من مدينة تدعى إلتيفا، أُرسل لمسح أحوال المعيشة في القرى الريفية الصغيرة مثل قريتنا.
بعد ذلك اليوم، بدأنا نحيي بعضنا كلما تقاطع طرقنا، ونتشارك محادثات قصيرة ولكنها ممتعة بقيت في الذهن أكثر مما ينبغي.
على عكس أي شخص آخر، لم يشفق على عرجي أو ينظر إلي بعطف.
بل قال مرة أنه يعجب بكيفية محافظتي على بهجتي رغم حالتي.
كلما ازددنا قرباً، اجتمعت شجاعتي أخيراً وسألته سؤالاً كان يدور في ذهني منذ وقت طويل.
“ألا تشعر بالحرج أو الانزعاج من ساقي المصابة؟”
ترك رده في ذلك اليوم أثراً عميقاً في نفسي.
“همم… قد تغضبين إذا سمعت هذا.”
أتذكر كم كنت متوترة، خائفة من أن يقول شيئاً قاسياً.
لكن ما قاله بعد ذلك كان عكس ما خفت منه تماماً.
“أنا في الحقيقة أعتقد أن هذا شيء جيد.”
“ماذا؟”
“لأن هذا يعني أنني أستطيع أن أحملكِ عندما تتألم ساقكِ.”
“…”
ثم مرت نسمة دافئة بيننا، ناعمة ولطيفة كالريح التي تُقنع زهرة خجولة أن تتفتح.
حفيف العشب، الهواء اللطيف بيننا، كل تفصيلة من تلك اللحظة نُقشت في ذاكرتي إلى الأبد.
** ❋❋❋ ❋❋❋**
في البداية، لم أستطع إلا أن أشك فيه.
لماذا يهتم رجل طويل القامة معافى مثل، بشخص مثلي؟
لم يكن الأمر منطقياً.
رغم ذلك، كلما تسللت مثل هذه الأفكار، بدا كارلوس وكأنه يقرأ ذهني.
كل يوم، كان يهمس بصوته الهادئ المطمئن:
“لا تستصغري نفسك. أنتِ تلمعين أكثر من أي شخص عرفته في حياتي.”
حين تلتقي عيوننا، كان هناك دفء في نظره لا تستطيع الكلمات وصفه.
حتى والدي، الذي كان حذراً من كارلوس في البداية، فتح قلبه تدريجياً بعد أن رأى صدق كارلوس الدائم.
“هل خبأت وعاءً من العسل في منزلي في مكان ما، أيها الشاب؟”
كان والدي يمازحه.
وكان كارلوس، المؤدب دوماً، يبتسم ببساطة ويجيب:
“هناك شيء أحلى بكثير من العسل هنا، سيدي.”
“ها…”
احمر وجهي بينما رد كارلوس بضحكته المازحة المعتادة.
وأبي، وهو يشاهدنا، لم يستطع إلا أن يتنهد تنهداً هزلياً ويطلق قهقة عاجزة.
قبل أن أدري، مر فصل كامل وأصبح كارلوس بنفس أهمية والدي لي، بل ربما أكثر.
كانت فكرة مستقبل دونه تملأني رعباً.
كان دائماً لطيفاً.
دائماً مخلصاً.
أحبني كأن كل يوم هو الأخير، معطياً كل ما لديه دون تردد.
الوقوع في حبه كان طبيعياً كالتنفس.
ثم يوماً ما، سمعت والدي ينادي كارلوس جانباً.
“إذا رحلتُ عن هذا العالم أولاً، هل يمكنك أن تعدني بحماية ابنتي طيلة حياتها؟”
كان صوت والدي جاداً بشكل غير معتاد.
بدا كارلوس مندهشاً للحظة، ثم أبتسم ابتسمة خفيفة.
“ترحل عن هذا العالم أولاً؟ لماذا تقول هذا، سيدي؟”
“هناك أشياء لم أخبرك بها. ولكن حتى مع ذلك، يجب أن أسأل: هل ستحميها؟ طالما حييت؟”
كنت قد خرجت لجمع الغسيل المجفف، لكنني توقفت خلف الباب، أحبس أنفاسي.
كان قلبي يدق بشدة تؤلمني.
ماذا لو قال لا؟
بعد توقف، نظر كارلوس مباشرة إلى والدي وأجاب:
“سأفعل.”
كانت مجرد كلمات قليلة عادية بسيطة، لكنها حملت يقيناً هادئاً جعل والدي يومئ بقبوله بصمت.
في ذلك الخريف، في مساحة صغيرة في أطراف القرية، تزوجنا ببركة جيراننا.
ارتديت فستاناً بالياً لكنه مُصلح بحب، استعرته من عمة طيبة بجوارنا، وكان القرويون ووالدي وأنا فقط حاضرين في زفافنا.
رغم ذلك، في ذلك اليوم، لمعت أكثر من أي وقت مضى.
لأنه كان هناك، ينظر إلي بعينين مليئتين بالحب.
لن أنسى أبداً التعبير على وجه والدي وهو يشاهدنا، يبتسم برقة وكأن كل همومه قد زالت.
ابتسمت له مرة أخرى، مشعة ومفعمة بالحياة، كأنني أقول: “أنا سعيدة جداً الآن، يا أبي. رجاءً لا تقلق عليّ بعد الآن.”
ما زالت تلك الذكرى حية وكأنها حدثت بالأمس.
** ❋❋❋ ❋❋❋**
“أنا آسف، لكن لا أحد بهذا الاسم يعمل هنا.”
تجمّدت عند سماع كلمات الموظف.
كنت قد قطعت الطريق حتى مبنى البلدية، حيث قال كارلوس إنه يعمل.
لكن لا أحد هناك سمع به قط.
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 3"