بعد الانتهاء من مهام التنظيف الصباحية، دخلتُ إلى قاعة الطعام.
كانت مجموعة جوسلين قد جلست بالفعل مع آن يتناولن الطعام معًا.
تبادلنا نظرات سريعة، لكن آن تجاهلتني عمدًا وأكملت حديثها وكأنني لست موجودة.
“أخ، لقد فقدت شهيتي.”
قالت ذلك بصوتٍ مرتفعٍ يكفي لأن أسمعها.
أطلقت جوسلين شخيرًا ساخرًا.
“لا أستطيع التخيل لماذا. أتساءل من المسؤول عن ذلك.”
وكما هو متوقع، نهضت آن وتبعتها مجموعة جوسلين عندما وقفت.
تجاهلتُ الأمر، وجمعتُ طعامي بهدوء وجلستُ وحدي.
منذ أن أظهرت آن وجهها الحقيقي، اندمجت بسلاسة في مجموعة جوسلين.
والآن، أصبحن يستبعدنني علنًا وكأنه أكثر شيء طبيعي في العالم.
لكن الألم لم يكن بالشدة التي قد يتوقعها المرء.
في الحقيقة، كان الأمر مريحًا.
في الآونة الأخيرة، كانت نوبات الغثيان لا تُحتمل.
لأكون صادقة، تناول الطعام بمفردي هكذا كان أسهل بكثير على معدتي وعلى نفسيتي.
حشدتُ قوتي، وأجبرتُ الطعام على المرور رغم الغصة في حلقي.
كان عليّ أن آكل؛ كنت بحاجة إلى القوة لتحمل العمل الشاق وأي شيء آخر قادم.
من أجل الانتقام.
عندما انتهيتُ، شعرتُ بشبع خفيف في معدتي.
نظّفتُ صينيّتي، وغادرتُ قاعة الطعام وخرجتُ مباشرة إلى الخارج.
كان لا يزال لديّ ما أفعله بعد الظهر.
غادرتُ القصر الشمالي وسرتُ نحو منطقة لا يزال العشب فيها كثيفًا وأخضر.
لم يكن هناك نصل عشب واحد داخل أروقة القصر، ولكن خلف أسواره، على مسافة قصيرة سيرًا على الأقدام، كانت هناك منطقة منعزلة مليئة بالأعشاب.
بينما كنت أتلفتُ حولي، لفتَ انتباهي شيء، فانحنيتُ لأنظر إليه عن كثب.
“وجدتها.”
وقعت عيناي على ما بدا وكأنه رقعة عادية من الأعشاب الضارة.
انتزعتُ بضع ورقات ورفعتها إلى أنفي.
كانت عشبة جوني.
نبتة عادية، نعم — ولكن لها خاصية فريدة إلى حد ما.
على الرغم من أنها لا تستطيع تحييد السموم العصبية، إلا أن لها تأثيرات مزيلة للسموم رائعة ضد السموم المسببة للهلوسة.
والأفضل من ذلك، أنها آمنة للنساء الحوامل لتناولها.
بالطبع، تناول الكثير منها قد يسبب آثارًا جانبية مثل الإسهال أو القيء، لكنني كنت أعرف الجرعة الصحيحة جيدًا لتجنب ذلك.
إذا قمتُ بغلي الكمية المناسبة منها كشاي، ستتوقف الهلوسة، ولو بشكل مؤقت.
لم يكن هذا سوى إجراء مؤقت إلى أن تحضر كبيرتنا خبيرًا طبيًا، لكن الانتظار مكتوفي الأيدي حتى ذلك اليوم لم يكن خيارًا مطروحًا.
لن يرسل أحد طبيبًا ملكيًا أو صيدلانيًا إلى قصر ناءٍ مثل هذا في أي وقت قريب.
جلستُ على العشب، وبدأتُ بقطف أوراق الجوني بحذر، واضعةً إياها في جيب مريلتي.
❋❋❋
في الليل، كان عنبر النوم يردد صدى الأصوات الخافتة للخادمات المرتعشات.
كانت بعضهن يعانين بالفعل من هلوسات، بينما كانت البقية مرعوبات من أنهن سيلحقن بهن قريبًا.
مع ارتفاع هواء الليل الرطب، كان التوليان يتسرب بسهولة أكبر من جدران القصر، مما جعل الرؤى أكثر تكرارًا ووضوحًا.
أما أنا، فجلست بهدوء أرتشف الشاي الذي أعددته من أوراق الجوني.
مع مرور الأيام، كانت الخادمات يذهبن شحوبًا ونحولًا.
الهالات السوداء تحت أعينهن كانت دليلًا على أنهن لم ينمن جيدًا لأيام.
في هذه الأثناء، بقيتُ هادئة وبصحة جيدة، بشرتي نضرة من الانتظام في الطعام والراحة.
كان هذا وحده كافيًا لجذب الحقد.
جوسلين، التي كانت جبهتها لا تزال ملفوفة بالضمادات من نوبة الهيستيريا الليلة الماضية، حدقت فيّ وصرخت.
“لماذا أنتِ الوحيدة التي بخير؟”
قالوا إنها أمضت نصف الليل راكعة معتذرة للإمبراطورة—عمتها الراحلة، كما اعتقدت.
ربما كانت تلك المرأة بالنسبة لجوسلين أكثر شخصية مرعبة على الإطلاق.
وهكذا، في هلوساتها، كان من الطبيعي أن ترى شبحًا يحمل وجه عمتها.
“أحقًا؟”
ابتسمتُ بسهولة لجوسلين.
آن، التي كانت تراقبني بانزعاج واضح، تكلمت بعد ذلك.
“ألا تعتقدين أن هذا غريب؟ نحن جميعًا نعاني من هلوسات كل ليلة، بينما أنتِ بخير تمامًا.”
لم يكن سؤالًا صعبًا، لذا أجبتُ بسخاء.
“لأنني لا أرى أي هلوسات.”
جوسلين، التي كانت تستمع بصمت، تقدمت فجأة.
“ربما أنتِ من سممتنا. ماذا لو فعلتِ شيئًا يجعلنا نحن فقط نرى أشياء غريبة؟”
أطلقتُ ضحكة جافة على هذا الاتهام السخيف.
“إذاً ماذا؟ تعتقدين أني نوعًا ما ساحرة الآن؟”
“إذا لم تكوني كذلك، فلماذا أنتِ الوحيدة التي بخير؟ أنتِ تعرفين الأعشاب، أليس كذلك؟ كان بإمكانك استخدامها لتسممينا أو أيًا كان ما فعلتيه!”
كان هذا يشبهها تمامًا، أن تحرّف الأمور حتى يصبح حتى جنون العورة منطقيًا في رأسها.
“جوسلين، لماذا لا تفكرين في العكس؟”
“ماذا؟”
“هل خطر ببالك يومًا أن لدي ترياقًا يبطل الهلوسات؟”
تصلبت ملامح آن فورًا، وقطبت حاجبيها بغضب.
“إذا كان لديكِ شيء كهذا، لماذا لم تخبرينا؟”
نظرتُ إليها للحظة، ثم أجبتُ بجفاف.
“لماذا يجب عليّ؟”
لهجتي الهادئة جعلت غضب جوسلين يشتعل أكثر. تقبضت يداها وهما تصرخان.
“تظنين أنكِ الوحيدة التي تعيش في هذا القصر اللعين؟ كيف تجرؤين على الاحتفاظ بهذا لنفسك؟”
صوتها الحاد لم يؤثر فيّ إطلاقًا.
في الواقع، جعلني أتأنّى في إجابتي.
“حسنًا، أحيانًا تكون الوحدة أفضل من صحبة الخطأ”
لم يفتهم المعنى، لماذا أساعد أولئك الذين نَبَذوني وعذّبوني؟
تشوه وجه جوسلين من الغضب.
“حسنًا. إذاً أعطينا ذلك الترياق أو أيا كان بينما أطلب ذلك بلطف!”
ألقت جوسلين نظرة حادة على إحدى الخادمات الأخريات.
كان واضحًا ما تنوي: كانت ستأخذ الترياق مني، بالقوة إذا لزم الأمر.
واقفة إلى جانبها، رسمت آن ملامح الشفقة وحاولت استمالتي.
“سارة، إذا كان لديكِ حقًا شيء كهذا، يجب أن تشاركيه لا تكوني عنيدة فتؤذي نفسك.”
ضحكتُ بهدوء على قلقها المصطنع ورفعتُ المكنسة التي كنت أمسكها، ملوّحة بها كسلاح نحو الخادمات المقتربات.
“من الأفضل لكُنّ ألا تلمسني ولو بإصبع واحدة.”
سخرت جوسلين.
“هل تعتقدين حقًا أن أحدًا سيهتم إذا فعلنا؟”
“لا بد أنكِ نسيتِ بحلول الآن، يجب أن يكون تقريري قد وصل إلى رئيسة الخادمات.”
ارتبكت ملامحهن للحظة، فاغتنمت الفرصة لأوضح أكثر.
“عندما تعود كبيرتنا مع الشخص الذي طلبته، من تظنّ أنها ستبحث عنه أولاً؟”
عند ذلك، تلاشت الألوان من وجوههن.
“إذا حدث لي شيء، أنا من يستطيع إثبات خطب هذا القصر، فإن اللوم سيقع عليكن جميعًا.”
بالطبع، كان ذلك مبالغة.
حتى لو كنت أحمل مفتاح حل لغز هذا المكان، لم تكن رئيسة الخادمات من النوع الذي يهتم بسلامتي.
لكن مجموعة جوسلين لم تكن معروفة بالذكاء بالتحديد، لذا نجحت الخدعة تمامًا.
تذمرت جوسلين بلعناتها بصوت خافت، ثم أدارت ظهرها وخرجت مسرعة، تبعتها الأخريات.
تلكأت آن للحظة أطول، تحدق فيّ بغيظ، غضبها واضح.
ابتسمتُ لها بابتسامة عريضة.
“صديقاتكِ يغادرن. ألستِ ذاهبة معهن؟”
عضت شفتها، وخيبة الأمل تعلو وجهها، ثم خرجت مسرعة وراءهن.
عند مشاهدة ظهورهن وهي تبتعد، تركت ابتسامة بطيئة وواثقة ترتسم على شفتيّ.
“لقد ألقيتُ الحجر.”
الآن، كل ما تبقى هو أن نرى إلى أي مدى ستصل التموجات.
❋❋❋
في تلك الليلة، طرق أحدهم بابي.
بإيقاع خفيف… خفيف.
كان هادئًا لدرجة أنني قد لا أسمعه لو لم أكن أتنبه له.
لم يكن هناك سبب لزيارة أحد لي في هذا الوقت من الليل.
ورغم ذلك، نهضتُ بهدوء، وكأنني كنتُ أتوقع ذلك طوال الوقت.
عندما فتحتُ الباب، استقبلني وجه مألوف.
كانت بينين، إحدى تابعات جوسلين.
وقفت منحنية الأكتاف، ترمق الممر بنظرات قلقة وكأنها تخشى أن يرها أحد.
“أنا… أريد أن أطلب منكِ شيئًا.”
تأملتها ببرود واستمتاع وأومأت بخفة.
“ادخلي.”
بإذني، انسلت بسرعة إلى الداخل، وأغلقت الباب خلفها وكأنها تخاف من الهواء الخارجي نفسه.
حالما أصبحت في الداخل، تكلمتُ مجددًا.
“إذاً؟ ماذا تريدين؟”
فجأة، هوت بينين على ركبتيها، اليأس مرسوم على وجهها بالكامل.
“أرجوكِ… أتوسل إليكِ. شاركيني القليل من الترياق.”
نظرتُ إليها من فوق، صامتة، غير مكترثة.
“لن أضايقكِ مجددًا أقسم أنني لن أفعل! فقط… أرجوكِ…”
عندما لم أجب بعد، تشقق صوتها بالذعر.
“أرى أختي كل ليلة! أعلم أنها ميتة، لكنها تظهر دائمًا إنها لا تتوقف! أنتِ قلتها بنفسك، أليس كذلك؟ إنها ليست أشباحًا، إنها مجرد هلوسات أرجوكِ… أتوسل إليكِ!”
ابتسامة بطيئة ارتسمت على شفتيّ.
كانت تموجات الحجر الذي ألقيتُه تنتشر بشكل جميل.
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 27"