“أنتِ تدركين ذلك بالفعل، أليس كذلك؟ أن الخادمات يَمُتنّ في هذا القصر.”
“……”
عند ذكري لحالات الموت الغامضة بين خادمات القصر الشمالي، انطبقت شفتاها بشدة.
“وبما أن سبب الوفاة لا يزال مجهولاً، فأنتم على الأرجح تستبدلون الموتى بخادمات جدد، وتسدّون الشواغر دون معالجة المشكلة الحقيقية.”
أصابت كلماتي مقتلاً.
ارتخت تعابير وجه كبيرة الخادمات وتصدّع هدوؤها.
“انتبهي إلى لسانك قولي كلمةً زائدة وقد تفقدين رأسكِ الجميل ذاك.”
“ماذا لو… اكتشفتُ السبب؟”
“…ماذا؟”
فغرت فاها، وارتابتها موجة من عدم التصديق.
“وكيف يُمكنكِ معرفة ذلك بحق السماء؟”
بدون إجابة، مددتُ يدي إلى مئزري وأخرجتُ القارورة الزجاجية التي أعددتها مسبقاً.
لم أكن أتوقع أن أكشف عنها بهذه الطريقة، لكنني أحضرتها معي على أي حال لأريها إياها اليوم.
نزعتُ سدادة القارورة، أملتها للأسفل، وسكبتُ السائل الشفاف على الأرض.
تناثر السائل على نطاقٍ واسع، ليصبّ على آن ومجموعة جوسلين.
“ما الذي تفعلينه؟!”
صاحت كبيرة الخادمات.
أطلقت جوسلين صرخة حادة، غاضبة لأن ثيابها قد تبللت.
تجاهلتها وأخرجت كيساً صغيراً آخر من جيبي.
بدون تردّد، نثرتُ المسحوق الناعم الذي بداخله فوق السائل الذي سكبته للتو.
تطاير الغبار في الهواء واستقرّ على ثياب الخادمات الأخريات.
بعد لحظة، بدأ السائل الشفاف على الأرض يتغير لونه، متحوّلاً إلى أحمر قانيٍّ عميق.
البقع التي تناثرت على فساتين آن وجوسلين تلطخت باللون نفسه، وبدأت تنتشر في القماش وكأنها دماء.
ارتدت جوسلين إلى الوراء في رعب.
“ماذا… ما هذا؟!”
كبيرة الخادمات، وقد أصابها الذعر بدورها، حدّقت في السائل القرمزي.
“بحق الجحيم… ما هذا؟”
“إنه كحول مطهّر ممزوج بأوراق الهياريلس المسحوقة.”
تبادلت كبيرة الخادمات والأخريات نظراتٍ حائرة — من الواضح أنهنّ لم يفهمن.
بالطبع لن يفهمن.
الكحول يعمل كمحفّز، يسرّع التفاعل الكيميائي لمسحوق الهياريلس.
بمفرده، لن يكون للكحول أي تأثير.
لكن، عندما يتفاعل مسحوق أوراق الهياريلس مع غاز التولين، وهي مادة سامة، يتحوّل المزيج إلى اللون الأحمر وكأنه مصبوغ بالدم.
إذا كان القصر ملوثاً حقاً بغاز التولين، لكان هذا التفاعل يحدث تماماً كما توقعت.
وقد كان تخميني صائباً.
“عندما تلامس الهياريلس غاز التولين، تصطبغ باللون الأحمر — كالدم.”
لا تزال الخادمات تبدو مذهولات، وكأنهنّ يكافحن لاستيعاب ما يرينه.
ابتسمت بلطف.
“أرسلي أحدهم إلى القصر الشمالي سريعاً، شخصاً خبيراً بعلم الصيدلة بمجرد أن يفحص هذا، سيفهم ما اكتشفته.”
رفعت كبيرة الخادمات ذقنها، منزعجة وكأنني أهنتها بكلمات لم تستوعبها.
“ولماذا يجب أن أصدقكِ بما يكفي لاستقدام مثل هذا الشخص إلى هنا؟”
تعرف شيئاً لكنها تجهل آخر.
التقيتُ عينيها، وجعلتُ نبرتي حادّة وباردة.
“كلما طال أمد هذه الوفيات، كلما زاد اللوم الموجّه إليكِ إذا كنتِ لا تريدين أن تُتهمي بالتغطية على حالات موت متكررة، فالأفضل لكِ أن تستقدمي أحدهم سريعاً.”
أسكتها تحذيري تماماً.
انطبقت شفتا كبيرة الخادمات معاً، ضيقتين، عاجزتين عن الكلام، شاحبتين.
أدارت عينيها وأخيراً تمتمت، على مضض.
“سأرفع… الأمر إلى كبيرة الخدم أولاً.”
بعد أن أنهت كلامها، أدارت ظهرها وانطلقت مسرعة، وكرامتها مجروحة.
تطلّعتُ إلى الخادمات، وقد تلوّن زيُهُنَ الرسمي وبُقعُهُنَ وكأنهنّ ترششنَ بالدماء، وابتسمت بابتسامة خفيفة.
“يا للأسف. لديكنّ فقط بضعة فساتين قليلة، وهذه البقع لن تذهب بسهولة.”
بالطبع، كنتُ أعرف كيف أزيلها، لكنني لن أخبرهنّ بذلك.
تركتُ الخادمات المرتبكات خلفي، ومضيتُ في طريقي وأنا أشعر بخفة لم أشعر بها منذ أيام.
وما إن خطوتُ خارج الرواق، حتى ناداني صوت مألوف.
“سارة!”
صوت آن.
استدرتُ ببطء لمواجهتها.
الفتاة اللطيفة، الطيبة التي عرفتها يوماً، لم تكن موجودة.
في مكانها تقف خائنة، وقد التوت تقاطيع وجهها بالحقد.
“كيف عرفتى ذلك بالأساس؟”
سألتْ بتحدٍ، في إشارة واضحة إلى غاز التولين الذي ذكرته سابقاً.
نبرتها توحي بأن شخصاً مثلي لا يمكنه أبداً فهم مثل هذه الأمور.
أطلقت ضحكة صغيرة ساخرة ووجهتُ لها سؤالي.
“دعيني أسألكِ أولاً: لماذا فعلتِ ذلك؟”
رفرفت آن بعينيها ببراءة، متظاهرةً بعدم الفهم.
ثبتّ نظري فيها وجعلتُ صوتي بارداً.
“لماذا التظاهر بالطيبة أمامي بينما تطعنينني من الخلف؟”
لبرهة، تلألأت عيناها بدموعٍ زائفة.
“أنا آسفة، سارة. هل جرحتُ مشاعركِ؟ لم أقصد…— هذا ما ظننتِ أنني سأقوله؟”
اختفت التمثيلية. تصلّب وجهها.
“لا يوجد شيء اسمه معروف مجاني، سارة. لماذا تظنّين أنني كرّستُ قوّتي لمساعدتكِ؟”
“هل ظننتِ حقاً أنكِ ستنالين ترقية بحيلٍ كهذه؟”
“ربما… ربما لا.”
جعلني ردّها المبهم أقطّب جبيني.
ضغطتُ عليها.
“هل كان ما قلتهِ عن والدكِ كذباً أيضاً؟”
أخبرتني مرةً أنها تتذكر والدها العاجز كلما رأتني.
هل كانت تكذب لكسب تعاطفي بينما تتآمر وراء ظهري؟
لكن إجابتها لم تكن كما توقعت.
“لا. هذا الجزء كان صحيحاً.”
ضيقت عينيّ وأنا أراقب ابتسامة ساخرة ترتسم على إحدى زاويتي فمها.
“في كل مرة أراكِ فيها، أتذكر ذلك الرجل البائس المثير للشفقة، وأشعر بالغثيان.”
تشوّهت ملامحها، وأظلمت بالغيظ.
“سكير تافه لا قيمة له، شوّه نفسه بنفسه، ويقضي أيامه في ضربي حتى أفقد وعيي. مقزّز.”
الكراهية والازدراء غمرا وجهها.
“ربما العجزة فقط هم من يفتقرون إلى الوعي بذاتهم. لماذا لا يستطيعون أبداً تقبّل ما هم عليه؟”
تحوّل نظرها عن والدها، واستقرّ الآن عليّ.
“أناس مثلكِ يجب أن يبقوا صامتين ويعيشوا حياتهم البائسة اعرفي مكانكِ، ولن تكوني شوكة في العين بهذا الشكل.”
وهنا، أصبح الأمر منطقياً أخيراً.
لقد فهمتُ عداءها الغريب والشعور بالريبة الذي طالما استشعرته منها.
آن تحتقرني لأنني أذكّرها بوالدها: شخص عاجز آخر دمّر حياتها.
ذلك الإحساس الخفيّ بالخطأ الذي تجاهلته دائماً لم يكن خطأً.
“لقد كرهتُكِ من البداية، يا سارة لامونت.”
بصقت الكلمات، وصوتها يقطر حقداً.
ابتسمت بهدوء وثبات في المقابل.
في الحقيقة، شعرتُ بالارتياح.
على الأقل، أصبح كل شيء واضحاً الآن.
“شكراً لكِ على إخباري.”
في قلب العاصمة الإمبراطورية — في قلب أرض العدو — لم يعد هناك أحدٌ أثق به.
التعليقات لهذا الفصل " 26"