“سارة؟ هل أنتِ بخير؟”
تمتمتُ بصوت مبحوح وأنا أُجيبها:
“أنا بخير، أعتقد أن شيئاً أكلته منذ قليل لا يزال عالقاً في معدتي.”
هل لاحظَتْ آن ما بي؟!
حتى وإن كانت آن في صفي، فلن يكون هناك أي خير إن علم أحدٌ بحملي.
حبستُ أنفاسي، وقد تصلّب جسدي بالكامل من التوتر، حتى عادت آن تتحدث مرة أخرى، وكان صوتها يملؤه القلق:
“هل تشعرين بمرض شديد؟ هل يمكنكِ إنهاء مهامك الموكلة إليكِ اليوم؟”
“ليس بهذا السوء. أنا بخير.”
“حسنًا، فلننهِ عملنا سريعًا ونعود. لدي بعض الدواء في غرفتي. سأعطيكِ إياه عندما ننتهي.”
“همم.. شكرًا لكِ.”
الحمد لله، بدا أن آن تظن أنني أعاني مجرد وعكة معدية بسيطة.
شعرتُ بارتياح، فتمالكتُ نفسي ومشيتُ معها لإنهاء مهام التنظيف.
❋❋❋
دون علم أي منا، كان هناك من يراقب من على السطح: إنه “جيت”.
مثل كاي، اعتاد جيت أن يمضي وقته كثيرًا في الملحق الشمالي.
بينما كان الآخرون يرفضون حتى إلقاء نظرة على هذا الملحق الشمالي، حيث أُخضعوا سابقًا لتجارب لا تنتهي، كان جيت مختلفًا.
بينما كان كاي يزوره ليُبقي على ذكرى معاناته حية، كان جيت يعود إليه لأنه استمتع بذلك.
بل بالأحرى.. كان يشتاق لتلك الأيام.
كانت الأيام التي نجا فيها من تجارب قاسية وتدريبات وحشية هي أكثر أيام حياته إثارة.
أما الآن، فكل ما يستطيعه هو استحضار الإحساس بتلك الأيام، وليس المشاهد ذاتها.
ومع ذلك، كلما لم يكن لديه مهمة تشغله، كان يجلس هنا خاملاً ويحاول استدعاء تلك الذكريات مجددًا.
لم يختلف الحال اليوم.
من على السطح، حدّق إلى الأسفل بوجهٍ فضولي.
كانت هناك خادمة تعبر الفناء، تعرَج قليلاً أثناء مشيها.
“خادمة عرجاء.. يا له من مشهد مسلٍ.”
بدت وكأنها في غير مكانها تمامًا، بل وبشكلٍ سخيف، في هذا القصر الإمبراطوري الفخم.
“ربما تكون مُجندة جديدة؟”
كان يعلم أن الخادمات في الملحق الشمالي يتم استبدالهن باستمرار.
“يبدو أن أحدهم قد أحضر شيئًا مثيرًا للاهتمام هذه المرة.”
لم يكن جيت يعلم بعد من تكون تلك الخادمة العرجاء حقًا، لذا اكتفى بمشاهدتها بفضول خفيف، وعيناه تلمعان كعينيّ قطة سمينة تراقب فأرًا محاصرًا.
❋❋❋
وقفتُ أمام المرآة أحدق في كأس الماء والظرف الصغير الذي يحوي الدواء على الطاولة.
تتردد في رأسي كلمات آن:
“إذا تناولتِ هذا الدواء، سيهدأ معدتكِ.”
تناولتُ الكأس بحذر ومددتُ يدي نحو الظرف.
إذا استمر هذا الوحم الصباحي، فمسألة وقت فقط حتى يبدأ الشك يتسرب إلى الآخرين.
وإن حدث ذلك، فكل ما بذلته من جهود لتأمين مكاني في القصر الإمبراطوري سيكون قد ذهب أدراج الرياح.
شعرتُ بوخز الذنب تجاه الجنين في أحشائي، ولكن بعد كل شيء، مصيره محتوم ألّا يعيش سوى عام واحد فقط.
لا يوجد ضمان أن يولَد الطفل سالمًا.
وحتى إن نجا، فمن القسوة أن يُترك وحيدًا في هذا العالم القاسي، ولن يُغتفر لي ذلك.
في تلك اللحظة، بدت فكرة الانتقام أكثر واقعية وإلحاحًا من الغموض الذي يكتنف مستقبلًا مع ذلك الطفل.
بقي لي عام واحد فقط، وما يجب عليّ فعله في هذا الوقت كان واضحًا ومؤلمًا.
ارتجفت يدي قليلًا وأنا أمسك بظرف الدواء.
كنت أعلم أن هذا الدواء قد لا يكون جيدًا للطفل.
لقد اخترتُ الانتقام على حساب الطفل.
فالتشبث بكليهما سيكون طمعًا لا يُغتفر.
بأصابع مرتجفة، بدأتُ أفتح الظرف.
وعندما هممتُ بوضع الأقراص في فمي..
انزلق الظرف من يدي وسقط مرتخيًا على الطاولة، والأقراص لا تزال بداخله.
ضغطت بكفيّ على سطح الطاولة وأخذت أتنفس بصعوبة.
تدفقت الدموع بلا سبب.
هل كنتُ أشعر بالأسف على طفل لم أشعر بحركته بعد؟ هل كانت هذه ومضة ضمير مفاجئة؟
إن كان الأمر كذلك، كان ينبغي ألّا آتي إلى القصر أبدًا.
كان ينبغي ألّا أتحدث عن الانتقام وأنا على هذه الحال.
فأنا من ألقيتُ بحياتي جانبًا، وأنا من خاطرتُ بكل شيء من أجل خياري.
إذاً، فلماذا كان قلبي يترنح بهذه السهولة الآن؟
سواءً أكانت غريزة أمومة أم شيئًا آخر، لم أكن أعرف.
لقد أخبرتُ نفسي أن الشيء الوحيد الذي سأنجزه في الوقت المتبقي لي هو الانتقام، ومع ذلك استمرت مشاعر أخرى في الظهور.
اشتقتُ لرؤية وجه الطفل الذي سيشبهني ويشبه “كارل”.
رفعتُ كأس الماء على الطاولة وشربتُه دفعة واحدة.
أخذتُ نفسًا عميقًا ونظرتُ في المرآة.
امرأة شاحبة هزيلة ذات تعابير معقدة حدّقت فيّ.
بعد أن تأملتُ انعكاسي للحظة، طويتُ ظرف الدواء بدقة ووضعتُه في الدرج.
ثم، وأنا أنظر إلى نفسي في المرآة، قطعتُ وعدًا:
“لا أستطيع أن أعدك بأن أكون أمًا صالحة لك، ولكني أستطيع أن أعدك بشيء واحد.”
همستُ للحياة الصغيرة التي قد تكرهني يومًا ما:
“لن أتخلى عنك بسهولة.”
❋❋❋
اعتدتُ أن أترك ساقي الاصطناعية بجانب السرير.
لم يمض وقت طويل على نومي حتى شعرتُ بحركة أحدهم في الغرفة المعتمة.
وأنا نصف نائمة، فتحتُ عينيّ ببطء. لم يكن ضوء القمر الخافت تحت النافذة كافيًا ليكشف عن وجه الدخيل.
لا بد أنه ظنني نائمة بعمق.
شعرتُ باقتراب الغريب مني، ثم وضع يده على الساق الاصطناعية بجانب سريري.
في تلك اللحظة، أخفيتُ يدي تحت الوسادة، وأمسكتُ بالشيء الذي خبأته هناك بحركة خاطفة، ووجهته نحو الظل.
لمعت شفرة باردة تحت ضوء القمر، ورأسها مدبب على حلق ذلك الشكل القاتم.
كان السكين الصغير الذي أعددتُه للحالات الطارئة، والذي تهربتُ به خلسة من المطبخ.
“آه!”
تجمد الدخيل في مكانه عند رؤية الشفرة على رقبته.
ضغطتُ بالسكين أكثر لإشعاره بالخطر.
“ما الذي تخطط لفِعله بساقي الاصطناعية؟”
عندها فقط، سلط ضوء القمر الضوء على وجه الدخيل. لقد كانت جانيت، الخادمة التي تلازم جوسلين دائمًا.
“أَنا.. أنا فقط أفعل ما أُمِرتُ به.”
أرسلتها جوسلين إذاً.
كان بإمكاني تخمين ما خططت له دون أن أسأل: لا بد أنها جاءت لتتلف ساقي أو تسرقها.
ربما أرادت رؤيتي أُعاني، عاجزة، ومُهانة.
“إن كنتِ لا تريدين تكرار ما حدث الليلة، فغادري القصر بنفسك.”
تذكرتُ تهديد جوسلين الذي لم يكن فارغًا.
لم أكن أتوقع أن تنفذه بهذه السرعة.
ولكن كيف فتحت الباب المقفل؟ هل معها مفتاح؟
لم يكتمل هذا الخاطر في ذهني حتى..
“كيااااه!!!”
صراخ مُفزِع قطع حُجب الصمت خارج الغرفة.
لوهلة، ظننتها حيلة أخرى من جوسلين لتطوّقني.
ولكن عندما التفتُّ لأنظر إلى جانيت، رأيتها مصدومة هي الأخرى، تحدق باتجاه الباب بعيون واسعة.
“هذا يبدو مثل صوت آنابيل!”
عند سماع ذلك، أسرعتُ بوضع ساقي الاصطناعية وانطلقتُ خارج الغرفة.
ترددت جانيت لحظة ثم لحقت بي من الخلف.
لم يمض وقت طويل حتى وجدنا آنابيل وقد انهارت على الأرض في نهاية الرواق.
“ماذا حدث؟”
سألتها، خائفة أن تكون قد رأت شيئًا غريبًا مجددًا.
كانت شاحبة ومرتجفة، بالكاد تستطيع الكلام، وأشارت بإصبعها نحو أقصى نهاية الرواق.
“ما هذا؟ هل هذا.. شخص؟”
استدرتُ أنا وجانيت لننظر حيث تشير بإصبعها المرتجف.
هناك، على الأرض، كانت امرأة تركع وتضرب جبهتها بالأرض مرارًا وتكرارًا.
“أواه! شبح!”
صرخت جانيت وتراجعت إلى الخلف في رعب.
ولكنني أدركتُ على الفور حقيقة ما أراه.
“إنه ليس شبحًا.”
قلت، وبدأتُ الاقتراب ببطء من ذلك الشكل، وكان صوت ارتطام رأسها الباهت يتردد في أرجاء الرواق المظلم مع كل ضربة.
“أنا آسفة، أنا آسفة! أرجوكِ سامحيني!”
المرأة التي كانت تهذي بهذه الكلمات وتضرب جبهتها بالأرض مرارًا لم تكن سوى جوسلين.
“جوسلين؟”
بمجرد أن عرفتها، اندفعت جانيت إلى الأمام لمحاولة منعها من إيذاء نفسها.
“جوسلين! ما خطبك؟!”
بدت جوسلين وكأنها أخيرًا عادت إلى رشدها، والدماء تسيل على جبهتها.
ومع ذلك، كان صوتها لا يزال يرتجف، وكأنها مسكونة.
“ألا تَرَيانِهما؟ جلالة الإمبراطورة، إنها تبكي دموعًا من دم!”
“ماذا؟”
مهما بحثتُ في الاتجاه الذي كانت تشير إليه، لم أرَ شيئًا على الإطلاق.
“هذا مستحيل. جلالة الإمبراطورة ينبغي أن تكون في قصر الإمبراطورة الآن. لا يمكن أن تكون هنا.”
هزت جوسلين رأسها بعنف.
“لا، ليست الإمبراطورة الحالية! أقصد السابقة، الإمبراطورة التي ماتت في الحريق!”
عند ذلك، أطلقت جانيت صرخة وضغطت على رأسها بكفيها.
“أواه! عرفت أنها أشباح!”
لكن أفكاري اتجهت إلى مكان آخر.
كنتُ أعلم أن الإمبراطورة الحالية عندما اعتلت منصبها، أمرت بإزالة جميع صور الإمبراطورة الراحلة.
وبما أن الإمبراطورة السابقة ماتت دون أن تنجب أطفالًا، لم يمنعها الإمبراطور من ذلك.
نادرًا ما كانت الإمبراطورة الراحلة تظهر في الأماكن العامة، لذلك لم يكن يعرف شكلها سوى حفنة من النبلاء الذين التقوا بها شخصيًا.
فكيف إذاً لجوسلين، وهي خادمة عادية دخلت القصر مؤخرًا فقط، أن تعرف الإمبراطورة السابقة؟
فهي ماتت في حريق منذ سبعة عشر عامًا.
“كيف كان شكل الإمبراطورة السابقة؟”
سألتُ بحدة.
“ماذا؟”
“الإمبراطورة التي تقولين إنك رأيتها، كيف كان شكلها؟”
عند سؤالي، رمشت جوسلين بعينيها، وعلت وجهها نظرة ذاهلة بينما بدأ الإدراك يتسلل إليها ببطء.
“الآن بعد أن ذكرتِ ذلك، لماذا تبدو الإمبراطورة السابقة شبيهة جدًا بعمتي؟”
عند سماع كلماتها، ارتسمت الصورة فجأة في ذهني.
شعرت بوضوح غريب ينتشر في داخلي، وكأن قطع أحجية متناثرة بدأت أخيرًا في التآلف معًا لتُكمل اللوحة.
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 23"