عندها فقط بدا أن آن استعادت صوابها.
حدّقت بي في ذهول، عيناها شاردتان.
“آه…”
ثم، وكأن صاعقةً أصابتها، بدأت تنظر في أرجاء الغرفة، وعلامات الارتباك بادية عليها.
“كان هناك الكثير من الناس يركضون… رأيتهم، أقسم لكِ—”
قُدتُها عائدةً إلى الغرفة قبل أن تستسلم للذعر مجددًا.
جلست على السرير وبدأت ترتجف بعنف، وكأنها ورقة في مهب الريح.
“رأيتهم يا سارة، رأيتهم حقًا، ناسًا تغطيهم النيران في كل مكان. أنتِ تصدقينني، أليس كذلك؟”
“أصدقكِ.”
أجبتُ بهدوء.
لأنني رأيتُ شيئًا أيضًا: شكلًا يشبه طفلًا في الجناح الجنوبي بينما كنت أنظف.
ما زلتُ غير متأكدة إن كان شبحًا، لكن شيء واحد كان مؤكدًا: هناك أمرٌ ما يحدث في هذا الملحق.
“لا أريد أن أتعفن في هذا القصر الملعون.”
تمتمت آن وهي تنكمش على نفسها، وكأن عقلها قد تخلّى عنها بالفعل.
“وقبل ذلك، سأفقد صوابي على الأرجح أنتِ تسمعينهم أيضًا، أليس كذلك؟ هناك شيء هنا، شيء غيرنا.”
كنتُ أعلم أن موافقتي الرأي ستزيد قلقها فقط، لذا حافظتُ على نبرتي هادئة.
“على الأرجح أنها مجرد أوهام من خيالكِ.”
أمسكت آن بكُمّي، وصوتها يرتفع في هلع.
“لا، ليست أوهامًا! أقول لكِ، إنها أرواحٌ ثائرة لأولئك الذين ماتوا في الحريق!”
أزلتُ يدها المرتجفة برفق من على ثيابي، ورددتُ بصوتٍ متزن.
“حتى لو وُجدت الأشباح، فهي لا تستطيع إيذاء أحد.”
ثم ازداد صوتي برودة وأضفت:
“الكائنات الوحيدة القادرة على إيذاء الآخرين بلا سبب هم البشر.”
قفزت صورة جثة والدي إلى ذهني رغمًا عني: جثمانه البارد الهامد على أرضية الكوخ المُظلم.
تذكرتُ تلك الليلة العاصفة عندما نبشت القبر الذي ارتكز عليه جسد كارلوس الشاحب تحت المطر.
حملتُ جثة والدي المغمّسة بالدماء بين ذراعيّ، وضغطتُ بجثة زوجي المتحللة على صدري وأنا أصرخ في هاوية اليأس.
نعم، أقسى شيء في هذا العالم ليس الأشباح ولا الأرواح.
إنهم البشر.
تسللت هذه الذكريات كشقاف جليد، تجمّد صدري من الداخل.
“تبدو غريبة أحيانًا.”
قالت آن وهي تراقبني بعينين حائِرتَين.
تكلّفتُ تعبيرًا هادئًا ونهضتُ من مقعدي.
“عليكِ بالراحة. سأترك الشعلة مضاءة لأجلكِ.”
بينما استدرتُ للمغادرة، همست آن بخفوت.
“شكرًا لكِ.”
نظرتُ إليها للحظة قبل أن أخرج بهدوء وأغلق الباب خلفي.
وبينما أعبر الممر عائدةً إلى غرفتي، غرقتُ في التفكير.
في البداية، ظننتُ أن الطفل الذي رأيته في الجناح الجنوبي كان مجرد خدعة من خيالي.
لكن الآن آن رأت شيئًا أيضًا.
سواءً كان شبحًا أم لا، فلا يهم.
نحن خادمتان تم تكليفنا بإدارة هذا الملحق.
حتى لو طلبنا النقل، لن توافق عليه رئيسة الخادمات أبدًا.
لكن ماذا لو كان ما رأيته أنا وآن ليس شبحًا؟
الظواهر الغريبة تحدث فقط في الملحق الشمالي.
إذا استطعتُ كشف السبب، ربما تُقدّر رئيسة الخادمات جهودي.
ففي النهاية، استبدال خادمات القصر باستمرار لا بد أنه مصدر إزعاج لها أيضًا.
جمّعتُ أفكاري، ثم استلقيتُ على سريري وأغمضت عينيّ.
❋❋❋
في اليوم التالي، بينما كنت أنظف الممر الجنوبي للملحق، شحذتُ حواسي وأصغيتُ بانتباه لأي صوت.
ظللتُ آمل أن يظهر الطفل الذي رأيته سابقًا مجددًا.
لكن مهما طال انتظاري، لم يظهر.
إذاً، حقًا كانت مجرد هلوسة؟
بينما كنت أرفع دلو الماء العكر بعد شطف قطعة القماش، رأيت جوسلين وصديقاتها واقفات في الممر المقابل.
تجاهلتهن وتابعتُ السير، أعرج قليلًا.
عندها رأيت جوسلين تمد قدمها بمكر.
نواياهن كانت واضحة لدرجة أنني لم أستطع إلا أن أتنهد.
لكنهن قللن من شأني كثيرًا.
أرجحتُ ساقي الاصطناعية، تلك التي صممها كارلوس بعناية فائقة، ودفعتُ قدم جوسلين جانبًا.
“آآآه!”
الجهاز الذي بناه كارلوس كان متينًا بما يكفي ليكون سلاحًا إذا استُخدم بهذه الطريقة.
ضربة كهذه لا بد أنها آلمتها كثيرًا.
تظاهرتُ بالدهشة، ثم أملتُ الدلو إلى الأمام.
“يييه!”
تناثر الماء القذر على جوسلين كلها.
“بحق الجحيم ماذا تفعلين؟!”
نظرتُ إليها بلا ندم.
“أوه، خطأ مني. لم أرَكِ واقفة هناك.”
“أنتِ—”
استدارت جوسلين بغضب نحو الخادمات اللواتي بجانبها.
“أمسكن بها!”
تقدمت اثنتان منهن، كل تحاول الإمساك بأحد ذراعيّ.
ركضتُ مجددًا، مستخدمة ساقي الاصطناعية كسلاح.
صرخت إحداهن عندما اصطدم كعبي بقصبة ساقها تمامًا.
هذا فقط زاد من غضبهن.
اندفعت الثلاثة نحوي معًا.
قاومتُ بأقصى ما أستطيع، لكن كان من المستحيل صد ثلاث مهاجمات في وقت واحد، خاصة مع ساقي المصابة.
لم يمض وقت طويل حتى تم تثبيت ذراعيّ، ووقفتُ أمام جوسلين بشعر أشعث وأنفاس متقطعة.
ابتسمت جوسلين، وكانت راضية تمامًا بمنظري المهزوم.
“أنتِ حقًا تتصرفين وكأنكِ شخص مهم، أليس كذلك؟ هنا، إذا ماتت خادمة، لا أحد يهتم. أتعرفين ما معنى هذا؟”
ظللتُ صامتة أحدّق بها.
“معناه أنه بإمكاننا قتلكِ هنا ولن يلومنا أحد.”
شمختُ من تفاخرها.
تتحدث بكبرياء، لكن جوسلين ليست من النوع الذي يرتكب جريمة قتل فعلًا.
إذا أرادت قتل أحد، لما صرخت بذلك، لفعَلَتْه بهدوء، دون أن يعلم أحد.
تمامًا مثل الشخص الذي قتل والدي وزوجي.
بما أنني خسرتُ بالفعل أقرب الناس إليّ، فتهديدات جوسلين بدت تافهة.
“هل سبق لكِ أن قتلتِ أحدًا؟”
سألتُ، وصوتي منخفض محمّل بمعانٍ كثيرة.
تجمدت جوسلين عند السؤال.
سرعان ما عادت نبرة الغرور إلى وجهها، فتقدمت بخطوات ثقيلة وأرجحت يدها بقوة.
فرقع!
شقت ضربتها شفتي.
شعرت بالألم، لكن ليس بشكل لا يُحتمل.
في الحقيقة، بعد تلك الليلة، أصبح الألم مجرد إحساس باهت بالنسبة لي.
بصقتُ الدم المتجمع في فمي على جوسلين.
ازداد غضبها أكثر، وصرّت على أسنانها.
“أمسكنها بإحكام!”
ثم رفعت ساقها وركلتني في بطني بأقصى قوتها.
عادةً ما أكون مخدّرة تجاه معظم الألم، لكن هذه المرة استجاب جسدي بغريزة، ارتداد أعمى ويائس.
للحظة، نسيتُ الحياة التي بداخلي.
نهضت داخلي غريزة حماية شرسة، قوية لدرجة أنني بالكاد تعرّفت عليها.
لويتُ جسدي لامتصاص الضربة.
“توقفي!”
صوت آن الحاد قطع الممر.
كان صوت آن يرتجف بقلق وهي تحدّق بي.
“هل أنتِ بخير يا سارة؟”
جاءت وساعدتني على النهوض.
“شكرًا لكِ.”
تمتمتُ.
حدّقت بنا جوسلين من فوق، نبرتها حادة وقاسية.
“إذا كنتِ لا تريدين تكرار هذا، فغادري القصر بنفسك لن أتشارك مكانتي مع شخص عديم الفائدة مثلكِ.”
بمجرد أن غادرت جوسلين وأتباعها، ساندتني آن”د بلطف وحاولت مواساتي.
“لا تدعي كلماتها تؤثر فيكِ.”
أجبتُ ببرود.
“لا تؤثر.”
“حقًا؟ أنتِ قوية جدًا يا سارة.”
نظرتُ إليها، غير متأكدة مما تعنيه، ابتسمت آن بخفوت.
“أنتِ فقط… تبدين مذهلة بالنسبة لي لو كنت مكانك، لاستقلتُ منذ وقت طويل العمل هنا ليس سهلًا، خاصة لشخص بحالتكِ.”
مواساتها جعلتني أبتسم بمرارة.
“لا أعتقد أن أي وظيفة في العالم سهلة، سواء كان جسدك يعمل بكفاءة أم لا.”
ابتسمتُ بهدوء ولكن بحزم.
“لا أفكر في ساقي كشيء يجعل الأمور أصعب. بالطبع، أواجه التحامل والازدراء من الآخرين، لكن هذا ليس بجديد.”
استمعت آن بصمت، تعبيرها فارغ من الدهشة.
“الصعوبة نسبية.”
تابعتُ بهدوء.
“لذا، بمعاييري الخاصة، هذا العمل ليس بتلك الصعوبة.”
إذا كان تحمّله يعني الاقتراب خطوة من الانتقام، فبوسعي تحمّله بسعادة.
الألم الحقيقي الوحيد الذي عرفته على الإطلاق كان العجز، تلك التجربة التي لا تُطاق لمشاهدة من أحب وهم يموتون أمام عينيّ، وعدم القدرة على منع ذلك.
بالمقارنة مع ذلك، هذا النضال، وهذا التحمل، هو ما يبقيني على قيد الحياة.
درستني آن لوقت طويل قبل أن تعود إلى نبرتها المألوفة المشرقة.
“لم تنتهي من التنظيف بعد، أليس كذلك؟ دعيني أساعدكِ.”
“لا بأس. أستطيع وحدي.”
“أنا فقط أريدكِ أن تنتهي بسرعة حتى أستطيع التحدث معكِ بعد ذلك.”
قالت بمرح وهي تلتقط الدلو الذي انسكب على الأرض.
راقبتها للحظة، ثم سألتُ بهدوء.
“طالما تساءلتُ، لماذا تساعدينني؟”
أدارت آن رأسها وابتسمت.
“أخبرتك أن والدي أصيب في ساقه، أتذكرين؟”
تذكرتُ قولها إن والدها كان يعمل سائق عربة في القصر قبل أن تجبره الإصابة على الاستقالة.
“عندما أراكِ، أفكر به.”
هل كانت قريبة من والدها؟
أعادتني الفكرة إلى ذكريات والدي، فأومأت برأسي بخفوت، وشعرت بوخز من الحزن.
ثم أدخلت آن يدها في مئزرها وأخرجت شيئًا.
“أوه، صحيح. وفّرت بعض الخبز من الفطور. هل تريدينه؟”
وصلتني الرائحة قبل أن أتمكن من الإجابة، كانت رائحة عفن، حامضة وكادت أن تكون نتِنة.
“أوه!”
وضعتُ يدي على فمي وتجمّدت في مكاني.
رمشت آن بصدمة وحدّقت فيّ.
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 22"