دخلت “جاي” إلى مكتب “كاي” وألقت بنفسهل على الأريكة، واضعةً ساقًا فوق الأخرى بلا أي تكلف أو رسمية.
“سمعتُ أن ‘جيت’ عاد؟”
يقع مكتب كاي في قمة البرج المرتفع.
وإن إطلاق كلمة مكتب عليه لَمِنَ الكرم، فهو أشبه بعرين كلاب الصيد.
أنهى إل مراجعة المستندات التي كان يدرسها وفرك جبهته وكأن الصداع قد بدأ يداهمه.
“لقد عاد أمس برفقة ‘فاي’ دعينا فقط نُنهي هذه المهمة بهدوء، أتفهمين؟”
“وماذا فعلتُ أنا؟ هم دائماً من يبدأون بالمشاكل أولاً.”
وكما لو أن ذكره قد استحضره، فُتح باب المكتب ودخل جيت.
تمتمت جاي باشمئزاز واضح:
“تُذكَرُ القطّ فَيَأتِيك ينطُّ.”
“مرحبًا جاي. لقد مرّ، ما يقارب، شهران؟”
قال جيت باستخفاف.
“لا تتصرّف وكأننا أصدقاء. تقشعرّ له جلدي.”
“درامي بشكل مبالغ فيه. هذا من شخص لا تستطيع أن تتحرك حتى دون أن يشدّ أحدهم مقودها.”
انزلق نظر جيت نحو كاي الواقف صامتًا بجانب النافذة.
لم تستطع جاي كبح غضبها فوثبت واقفة.
“لمن تقول إنه لا يستطيع الحركة؟”
تدخل إل على الفور بينهما والعرق يتصبب منه.
“مهلاً، مهلاً. اهدأوا جميعاً.”
في كل مرة يجتمع فيها هذان الاثنان في غرفة واحدة، كان إل يشعر وكأن عمره يُقتصّ من نصفه.
لكان الأمر مشكلة كافية لو كانا مجرد فارسين عاديين، لكن كليهما كانا من “الشاذين”، تم تدريبهما للعمليات الخاصة.
استرخى جيت على الأريكة المقابلة لـ جاي وابتسم بسخرية.
“إذاً… لقد مرّ ما يقارب العامين منذ أن كنا جميعًا نحن الخمسة في نفس المكان؟”
“كلاب الإمبراطور” هم أطفال تمت تربيتهم لغرض واحد فقط: وهو اصطياد وتصفية الجيل السابق من “الشاذين”.
في البداية، كان عددهم خمسين.
لكن، وبسبب التجارب القاسية والتدريب الوحشي، مات معظمهم.
في النهاية، نجا خمسة فقط.
“حسنًا، قائدنا كان غائبًا في تلك المهمة لمدة عامين،” علّق جيت.
كان محقًا. لقد مرّ عامان منذ أن كان جميع الخمسة معًا في نفس المكان.
نادرًا ما كانوا يجتمعون على أي حال، حيث أن مهامهم كانت دائمًا متداخلة.
لكن هذه المرة، أمضى كاي عامين طويلين في مهمة القطة الصغيرة.
“عامين كاملين، ولم تجد أي خيط يقود إلى كونستان؟ هذا مثير للشفقة.”
جاي، التي كانت تستمع بهدوء، تقدمت أخيرًا، غير قادرة على تحمل المزيد.
“أنت أيضًا لم تجد أي خيط يقود إلى كونستان في مهمتك الأخيرة، أليس كذلك؟”
“ليس نفس الشيء. مهمتي استغرقت أسبوعين فقط. مهمة القائد استمرت عامين.”
لم يقل كاي شيئًا.
كلمات جيت كانت صحيحة.
“لم تكن المهمة مجرد قتل مارك لامونت؛ بل كانت تتبع كونستان، عامين كاملين ولم تحصل على أي دليل؟ هذه فشل من نوع آخر.”
“هذا…”
عضّت جاي على شفتها، عاجزة عن الرد.
هزّ جيت كتفيه بتكاسل وابتسم بسخرية.
“ربما التظاهر بأنك زوج عادي لمدة عامين قد أضعف غرائزك ككلب صيد؟”
“انتبه لكلماتك، جيت. كاي لا يزال قائدنا،”
حذّرته جاي بحدة.
“أنا فقط أقول، إنني أشك في أنه لا يزال مناسبًا ليكون قائدً لو كنت مكانه، لكنت أخذت تلك المرأة رهينة وأجبرت لامونت على قول الحقيقة.”
كانت نبرة جيت استفزازية وهو ينظر إلى كاي”الذي لم ينطق بكلمة بعد.
“أو ربما صدقت فعلاً أنه يمكنك أن تعيش كرجل عادي، مع زوجة وطفل وحياة صغيرة مريحة؟”
قطع صوت كاي الهواء كالشفرة.
“يكفي يا جيت.”
نية القتل في صوته جعلت جيت يتراجع قليلاً.
مجرودًا، حوّل نظراته الحاقدة إلى مكان آخر، إلى إل الذي كان يتعامل مع تقارير المهمات والمعلومات، بما في ذلك تلك المتعلقة بـ “القطة الصغيرة”.
“إل. ماذا حدث للفتاة… ابنة مارك لامونت؟”
متفاجئًا، تجمّد إل وألقى نظرة قلقة تجاه كاي.
“اه… حسنًا…”
وقبل أن يتمكن من التلعثم بإجابة، تكلم كاي وتعبيره غير قابل للقراءة.
“تلك المرأة لم تكن من مستخدمي القدرات.”
بمعنى آخر، لم يتم تصفيتها لأنها لم تكن منهم؟
“أرأيت؟ كنت أعرف. أنت لم تُنهِ المهمة.”
قال جيت ونبرته حادة ومليئة بالتوبيخ.
ارتجف حاجب كاي قليلاً، علامة خفية على الانزعاج.
“هل نسيت قاعدتنا غير المعلنة؟ لا نلمس المدنيين.”
“قاعدة غير معلنة، هراء منذ متى ونحن نلعب بالقواعد ونحن نقوم بالأعمال القذرة للإمبراطور؟”
بحلول ذلك الوقت، كان بريق من الهياج قد ومض في عيني جيت.
“هل تستطيع أن تقسم أنك لم تقتل مدنياً مرتبطاً بـ ‘الشاذين’ خلال مهمة؟”
لقد وعدوا جميعًا مرة بعدم إيذاء الناس العاديين، لكن لم يستطع أحد أن يقول على وجه اليقين أن المدنيين لم يقعوا في مرمى النيران العرضية.
كاي بالتأكيد لم يكن من النوع الذي يُظهر مثل هذه الرحمة عندما تقتضي المهمة غير ذلك.
“هل تعلّقت بها خلال زواجك المزيّف؟”
جاي، التي ظلت صامتة حتى الآن، صاحت بإحباط وهي تزيح شعرها البنفسجي عن وجهها.
“تلك المرأة ستموت خلال عام على أي حال.”
هدأ جيت للحظة، ثم أطلق ضحكة خافتة ساخرة.
“إذاً ما الذي تنتظره؟ الموت مبكراً بقليل لن يغير شيئاً، أليس كذلك؟”
زفرت جاي بحدة، نصفها غير مصدّق.
“إذا كنت لا تستطيع فعلها، سأتولى أنا الأمر بنفسي.”
علق جنون في صوت جيت كثيفًا في الهواء.
لم تجد جاي الكلمات لترد، وحينها حدث ذلك.
صدع من الفضاء الأسود انشق بجانب جيت، واندفع نصل حاد للخارج، وتوقف تمامًا قبل حلقه بقليل.
تجمّد جيت محدقًا إلى الأمام مباشرة.
وقف كاي أمامه، تعبيره جليدي وذراعه ممدودة.
لقد فتح فضاءً فرعيًا واستدعى سيفًا موجّهًا نحو رقبة جيت.
“قُلتُ لكَ تَوقّف.”
كان تحذيرًا: تجاوز هذا الخطّ ولن يُعفى عنه.
شُحنتِ الهواءُ بنيّة قتل باردة خانقة.
أخيرًا، تراجع جيت خطوة للوراء، متكلفًا ابتسامة ساخرة ليخفي ارتباكه.
“يبدو أنني لا أستطيع حتى تقديم المساعدة دون أن أُعامل وكأنني المشكلة.”
ألقى نظرة أخيرة على جاي و إل، ثم أدار ظهره وغادر دون كلمة أخرى.
بمجرد أن غادر جيت المكتب، تنهد إل بارتياح.
“قلبي لا يحتمل هذا.”
“يبدأ بالجدال بمجرد أن يدخل.”
تذمرت جاي محدقة في الباب الذي غادر منه “جيت”.
نظر إل إلى جاي بتوتر.
“هل سيكون الأمر على ما يرام؟ لا يزال جيت لا يعلم أن القطة الصغيرة في القصر.”
كان من المقرر أن يغادر كل من جاي وإل العاصمة في اليوم التالي لمهمتهما القادمة.
إذا أدرك جيت أن القطة الصغيرة لا تزال في القصر الإمبراطوري بينما كان كاي غائبًا…
حوّل كاي نظره نحو النافذة في اتجاه الجناح الشمالي.
“سأعود بأسرع ما يمكن.”
❋ ❋ ❋
“سارة، استيقظي.”
كان صوت كارلوس ناعمًا وهو يمسح شعري عن وجهي ويضمّني إليه، تمامًا كعادته دائمًا.
ذُبتُ في دفئه، مستمتعةً بنعومة لمساته.
“فقط قليلاً أخرى.”
تمتمتُ.
عادةً ما أستيقظ مبكرًا، لكن بين ذراعي كارلوس، كنت أرغب فقط بالبقاء هكذا، كسولة وآمنة.
دفنتُ وجهي في صدره، أفرك خدي بخده وأضحك بهدوء.
ولكن بعدها، تسلل إليّ شعور غريب.
على الرغم من أنني كنت مستلقية بين ذراعيه، شعرت بوخزة من الشوق له.
لماذا…؟
كان هناك بجانبي.
لماذا شعرت وكأنني اشتقتُ له بالفعل؟
ثم، فجأة، اختفى الدفء.
اختفت اليد الحنون التي كانت تداعب خدي.
مذعورة، فتحت عينيّ.
“آه…”
تجمّدتُ.
لم يكن هناك أحد.
مجرد أنا، مستلقية وحدي على السرير البالي.
عاد الواقع ببطء، ثقيلاً وبارداً.
إذاً، كان كل شيء حلماً.
كان الحلم حقيقيًا لدرجة أنني لم أستطع النوم.
مسحت العرق البارد عن جبيني بظهر يدي.
حتى الآن، شعرت وكأنه قد يكون لا يزال قريبًا.
ثم سمعتُ أصواتًا غير مألوفة خارج الباب: خطوات وصوتًا خافتًا، كما لو كان شخصان يتحدثان.
أشعلت شمعة، زحفتُ نحو الباب وضغطت بأذني عليه.
بفارغ الصبر… بفارغ الصبر…
بدت الخطوات وكأنها لشخص يمشي حافيًا على الحجر.
عندما حبستُ أنفاسي، استطعتُ تمييز صوت هامس.
“اذهب… الآن.”
كان صوت امرأة.
شعرتُ بنصف ارتياح، ففي النهاية، هذا قصر مهجور، ولا يوجد شيء ذو قيمة ليسرق.
كما أن التعدي على الأراضي الإمبراطورية كان مستبعدًا.
لكن إذا كان هناك شخص ما في الرواق الخارجي، فماذا كان يفعل؟
قصة آن عن الأرواح القلقة تومض في رأسي.
نفضتُ عني هذه الفكرة المرتابة، فتحتُ الباب بحذر وخرجتُ.
بناءً على مصدر الصوت، يجب أن يكون الشخص قريبًا.
بقيتُ ملتصقة بالجدار وتحركتُ بهدوء، ثم توقفتُ فجأة.
كانت امرأة تتجول بلا هدف في الرواق بعيونٍ خاويتين.
حدّقتُ لأرى وجهها، فتجمّدتُ من الدهشة.
“آن؟”
المرأة التي كانت تسير في الرواق هي آن نفسها.
لماذا بحق السماء كانت تتجول في القاعة في هذه الساعة؟
عندما اقتربتُ منها، أدركتُ أن هناك شيئًا خاطئًا جدًا.
“ابتعدي… عليكِ بالهرب…”
تمتمت لنفسها، تبدو مسكونة وشاحبة، تعابيرها نعسانة وكأنها نصف نائمة.
أمسكتُ بذراع آن في ذعر.
“آن! تداركي نفسك!”
حاولت التخلص مني وصرخت.
“عليكِ الهرب! ألا ترين الناس يحترقون؟ أسرعي، عليكِ الهرب!”
ظلت آن تردد أشياءً لم أستطع فهمها؛ كانت غارقة تمامًا في ارتباكها.
لم يكن لدي خيار سوى لكمها بقوة على وجهها.
“استيقظي! إلا إذا كنتِ تريدين أن تسكنكِ روح وتتحولي إلى جثة!”
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 21"