ففي كلّ مرةٍ تتلاقى فيها أعيننا، أشعر وكأنني أواجهُ حافةَ نصلٍ متجمّد.
“سألتُك: ماذا تفعلين هنا؟”
حين عدتُ إلى صوابي، ابتعدتُ عنه مسرعةً وأخفضتُ رأسي.
عندها فقط أدركتُ كم كان مظهري أشعث، بملابسي المبللة بالعرق ووجهي الملطّخ بالغبار.
لماذا يقدّر لي دائمًا أن أواجه هذا الرجل في أسوأ حالي؟
تشبّثتُ بطرف رداء الخادمة المتّسخ، وتمكّنتُ من بضع كلمات:
“شكرًا لك على مساعدتي… وعلى إزعاجك نفسك مجددًا.”
انحنيتُ بأدب، لكن الرجل قبض حاجبيه مستاءً قليلاً ورفعهما، وكأنني أغضبته بشيء.
“هل حبسوكِ هناك؟”
“نعم.”
خرج صوتي خافتًا منخفضًا.
“لماذا؟”
عند سؤاله، تلعثمتُ.
هل كان سيجعل حياتي كخادمة أسهل لو أخبرته بما فعلته جوسلين وعصابتها؟
ما هو منصب قائد الفرسان الإمبراطوري تحديدًا؟
أرفع من رئيسة الخادمات، ربّما؟
لكنني سرعان ما نبذت هذا التفكير.
ففي النهاية، كلّ الخادمات الموكّلات إلى الجناح متّحدات ككيان واحد.
وكشف قسوة جوسلين الآن سيكون كالبصق في وجهي.
“سألتُ: لماذا حبسوكِ هناك؟”
لكنّي لم آتِ إلى هنا لأكون خادمة مثالية.
حين استقرّت أفكاري، رفعتُ رأسي إليه بهدوء، ونظرتُ إليه بثباتٍ وتحدٍّ.
“الخادمات الأخريات حبسنني.”
“…!”
صمتَ، ربّما لم يتوقّع إجابةً بهذه الصراحة.
ثم سأل بنفس النبرة الجافّة:
“ولِمَ تظنّين أنّ الأخريات حبسنك؟”
لم أستطع أن أميّز أكان يشكّ في كلامي أم يسأل عن دوافعهنّ، كان سؤالاً غامضًا.
واجهتُ نظراته وأجبته بهدوءٍ دون مرارة:
“لأنني مختلفةٌ عنهنّ.”
“…!”
“الناس تميل إلى الخوف مما يختلفن به أو احتقاره. ساقي بالنسبة لهنّ ليست سوى نقطة ضعفٍ واضحة، هدفٌ مكشوف.”
قلتُ هذا وكأنني أتحدث عن شخصٍ آخر تمامًا، بنبرة منفصلة هادئة.
نظر إليّ الرجل بلمسة حيرة، وكأنه لا يستوعب كيف يمكنني التحدّث بهذا الهدوء عن مثل هذه الأمور.
النظرة في عينيه كانت كأنه لا يعرفني.
هذا غريب، مع أنّنا التقينا منذ بضعة أيام فقط عند الباب الخلفي.
لكن نظراته كانت بعيدة، كأنه لا يستطيع تمييزي تمامًا.
ربّما ظنّ أنّ امرأةً ضعيفةً مثلي ستكون مرتعشةً باكيةً في موقفٍ كهذا.
قد يكون هذا صحيحًا يومًا ما.
لكنّ الكثير حدث في وقتٍ قصير لدرجة أنه قلب طباعي ومعتقداتي رأسًا على عقب.
بينما كان ينظر في عينَيّ، عبَرَت وجهه للحظة حيرةٌ سريعة قبل أن تختفي مجددًا.
ثمّ زفر بهدوء، وعادت نظراته إلى جفائها البارد المعتاد.
“حسنًا. أنتِ محقّة.”
رمشتُ بدهشة خفيفة من موافقته المفاجئة.
لكنه تابع، وصوته حادّ كالنصل:
“إن حدثَ شيء، فسيصبح أسوأ من الآن فصاعدًا. أمثالهنّ لا يتغيّرن أبدًا.”
واجهتُ نظراته مباشرة، لكنه قاطعني بحزم أرعدَ فرائصي:
“إذاً استسلمي وغادري القصر الإمبراطوري. هذا أفضلُ لكِ.”
“…!”
قد قال شيئًا مشابهًا من قبل، عند الباب الخلفي.
“بساقٍ كهذه، لا تتوقّعي أن يمدّ لكِ أحدٌ في القصر يدَ العون حين تسقطين كلّما تعثّرتِ، سيدوسونكِ بدلاً من مساعدتكِ فتوقّفي عن العناد وعيشي بحسب مكانتكِ.”
كان يقول الشيء نفسه الآن.
بأنه لا مكان في هذا القصر المتلألئ لمثلي أنا عديمة القيمة.
بأن عليّ الاستسلام.
ومع ذلك، هو نفسه الرجل الذي سمح لي بالدخول من الباب ذلك اليوم.
أهذا ما يسمّونه أن يسقيكَ السمّ ثمّ يناولك الترياق؟
أكان يسخر منّي أم من نفسه؟
ربّما سمح لي بالدخول فقط لأنه كان متأكّدًا من أنني سأفشل في المقابلة على أيّة حال.
كلّما فكّرت أكثر، كلّما احترق كبريائي.
“أنا ممتنّةٌ بصدق لمساعدتكَ أيّها السيد لكنّي لا أعتقد أن على قائد الفرسان أن يهتمّ بمكان إقامتي أو كيف أدير منصبي.”
ثمّ بتمعّنٍ متعمّد، أكملتُ جملتي:
“لقد حصلتُ على هذا المنصب بكلّ نزاهة عبر المقابلة.”
عندها، تنهّد تنهيدةً خفيفة وضغط بأصابعه على جبينه.
“هل تظنّين حقًّا أنّ رئيسة الخادمات اختارتكِ لمهاراتكِ؟”
أكان يوحي بأنّني وُظّفتُ فقط لسدّ شاغرٍ في الجناح الشمالي؟
جُرح كبريائي.
قبضتُ حاجبيّ وأجبته بحزم:
“لديّ عملٌ لأنجزه، فإذا سمحتَ لي.”
بهذا، انحنيتُ له بعمق واستدرتُ لأغادر.
أو هكذا نويت، حتى أوقفني صوته في مساري:
“هذا الجناح خطير.”
عندما التفتُّ إليه، كان على وجهه تعبيرٌ غريبٌ لم أره من قبل، لكنّه شعرتُ بغرابةٍ أنّه مألوفٌ بطريقة ما.
التعليقات لهذا الفصل " 20"