2
اليوم كان اليوم الذي ذهبتُ فيه لأودّع المدرسة الصغيرة التي كنتُ أدرّس فيها.
على أنني لم أمضِ فيها سوى عامٍ واحدٍ فقط، لم يكن توديع تلك الكائنات الصغيرة العزيزة بالأمر السهل.
لولا كارلوس، لما فكَّرتُ أصلاً في تدريس الأطفال.
فبسبب ساقي المصابة، بالكاد كنتُ أستطيع المشي بضع خطواتٍ دون عكَّازين، وكنتُ دائمة البقاء قريبًا من المنزل.
لكن كارلوس صنع لي جهازًا للمشي مكَّنني ليس من الحركة فحسب، بل ومن استعادة ثقتي بنفسي.
بفضله، استطعتُ أخيرًا أن أحقِّق حُلْمًا كان يبدو ذات يومٍ بعيدَ المنال.
إلا أنني الآن، كنتُ مضطرةً أن أودِّع ذلك الحُلْم أيضًا.
كنتُ قد خطَّطتُ لأن أمضي ببطءٍ، وأتذوَّق أيامي الأخيرة هناك واحدًا تلو الآخر.
كنتُ ما زلتُ خائفةً ومتردِّدةً مما يخبئه لي القدر، لكن كارلوس كان بجانبي.
قد يقول البعض إنني أنانية.
ومع ذلك، فإن معرفتي بأنه سيبقى معي حتى أنفاسي الأخيرة، منحَتني الشجاعة التي أحتاجها.
شجاعة مواجهة نهايتي.
في البداية، حتى والدي كان يشكُّ في كارلوس، يتساءل لماذا يتقدَّم رجلٌ للزواج من شخصٍ في ساقها إعاقةٌ مثلي.
لكن بعد أن رأى الطريقة الحنونة التي يعتني بها كارلوس بي، بدأ قلب أبي يلين.
وهذه الأيام، كان الاثنان يخرجان معًا للصيد، ويضحكان وكأنهما صديقان منذ الأزل.
تسلَّلت ابتسامةٌ إلى شفتَي وأنا في طريقي إلى المنزل.
كان عليَّ أن أسارع بالعودة وأُعِدَّ طبقَه المفضَّل، حساء البطاطس.
ربما يجب أن أُضيفَ سرًّا بعضَ لحم الخنزير المقدَّد الذي اشتريته خفيةً.
أبي أيضًا كان يحبُّ حساء البطاطس، وسيستمتع به لا محالة.
بينما كنتُ أفكِّر في هذا، واصلتُ السير على الطريق الهادئ نحو كوخنا الصغير في ضواحي البلدة.
ولكن، حين كدتُ أصل، وجدتُ نفسي أتوقَّف دون أن أعرف السبب.
كان ثمة شيءٌ لا يبدو على ما يُرام.
في البداية، بدا الكوخ كما هو كلَّ يوم.
لكن رغم حلول الظلام، لم تكن هناك أيُّ أنوارٍ مشتعلةٍ في الداخل.
تطاير في الهواء نفحةٌ خفيفةٌ حادَّةٌ من رائحةٍ مَعدنية.
كانت تمامًا مثل تلك الرائحة حين كان أبي يعود بالغزيل الذي اصطاده.
دفعتُ القلق الغريب الذي يرتفع في صدري، وتقدَّمتُ عبر الباب المفتوح قليلًا.
“كارل؟ أبي؟”
كان الصمت غير طبيعي.
ما إن دخلتُ حتى صدمني ذلك الرائحة، كانت كثيفةً ومقرفةً لدرجة اضطررتُ معها لتغطية أنفي.
كان الداخل معتمًا، دون مصابيح مضيئة، فاستصعبَت عيناي الرؤية بوضوح.
ثم — سقش.
صدح صوتٌ رطبٌ لزجٌ تحت حذائي.
لماذا كانت الأرضية مبتلَّة؟
جري قشعريرةٌ على طول عمودي الفقري.
خفضتُ نظري ببطء فرأيت بركةً قاتمةً قرمزيةً تتمدَّد تحت قدميَّ.
حينها فقط أدركتُ حقيقة تلك الرائحة المُقرفة.
تابعَت عيناي الخطَّ المسودَّ على الأرضية، حتى استقرَّتا على شيءٍ ممدَّدٍ بلا حراك في نهايته.
“آه…”
كانت يداي وقَدماي ترتجفان بعنفٍ لدرجة منعَتني حتى من الصراخ.
تهاوت ساقاي، وسقطتُ أرضًا، متجمِّدةً في مكاني من هول ما رأيت.
ذلك الشيء الممدَّد لم يتحرَّك.
لم يكن هناك أثرٌ للنَّفَس، ولا إشارةٌ للحياة على الإطلاق.
وبينما كانت عيناي تتعوَّدان على الظلام ببطء، أخيرًا تعرَّفتُ على الشكل المنبطح على الأرض.
كان أبي.
“أبي!”
رفض جسدي طاعتي، لكنني زحفْتُ إلى الأمام على يديَّ وركبتيَّ.
“أبي! أبي!!!”
مهما ضممْتُه بشدةٍ وهززْتُ جسده، لم يكن هناك دفءٌ باقٍ في أبي.
مددْتُ يدي المرتعشة نحو أنفه، أتمنى وأتضرَّع لأشعر حتى بأضعف نَفَس.
“آه…!”
تسرب صوتٌ مختنقٌ من حنجرتي.
كنتُ محطَّمةً جدًا لأصرخ.
لا يمكن أن يكون هذا.
لا يمكن.
لماذا، أبي؟
من قد يفعل هذا به؟
أنا أحتضن جسده البارد، وأنا أرتعش دون سيطرة وأنا ألتفت حولي في يأس.
“أرجوكم… أحدًا، أيُّ أحد… ساعدونا…”
ثم، فجأةً، تذكَّرتُ كارلوس.
لمحت فكرته في ذهني.
لو أن أبي تعرَّض لهجوم، فليس هناك ما يضمن أن كارلوس في أمان أيضًا.
“كارلوس!”
مازجتُ دم أبي مع تراب الأرضية، وزحفتُ عبر المنزل كالممسوسة.
“كارلوس! أين أنت؟! كارلوس!”
لكن لم يكن هناك ردٌّ.
الرجل الذي كان يجري عادةً في اللحظة التي أقع فيها، لم يكن له وجود.
أصبح ذهني فارغًا، ولم أستطع سوى الزحف والبكاء ومناداة اسمه كحيوانٍ جريح.
** ❋❋❋ ❋❋❋**
قبل أن أفكِّر بوضوح، وجدتُ نفسي أترنَّح في الطريق نحو القرية، لا أزال مرتديةً ثيابي الملطَّخة بالدماء.
ربما كان كارلوس قد هرب، ربما ركض إلى القرية ليحضر المساعدة.
المسافة القصيرة بدَت لا نهاية لها.
سقطتُ مرارًا وتكرارًا، خدشتُ ركبتيَّ وتدحرجتُ في الوحل حتى أصبح منظرِي بائسًا للغاية.
متعرِّجةً، اتجهتُ إلى أقرب منزلٍ لجيراننا وبدأتُ أقرع الباب بعنف.
اتسعت عينا ميلدا ذعرًا حين رأتني ملطَّخةً بالدماء من الرأس إلى القدمين.
“سارة! ما الذي حصل بحق السماء…!”
كانت جارةً كثيرًا ما تشاركنا الوجبات والأحاديث، لكنها الآن تردَّدت في الاقتراب.
استطعتُ أن أرى الخوف والشك يتراقصان في نظرتها كالظلال.
لكن لم يكن لديَّ وقت للقلق من ذلك.
“أرجوكِ… ساعديني. أبي…”
ارتجفَت ركبتاي وانهويتُ على الأرض، تنهمر الدموع على وجهي.
حينها فقط اقتربت ميلدا بحذر، وصوتها يرتجف.
“أحدث شيءٌ للسيد لامونت؟”
بالطبع كنتُ أعرف بالفعل.
لقد رأيتُه بعينَيَّ: صدر أبي الساكن، والدفء يغادر جسده.
“هه… ههه…”
غطَّيتُ وجهي براحتيَّ الملطَّختين بالدماء وبكيتُ بلا نهاية.
هرولت ميلدا لإخبار زوجها وعادت بعد لحظاتٍ لتُلقي بطَّانيةً على كتفيَّ.
“سيأتي أهل القرية قريبًا حاولي أن تهدَّئي نفسك، يا عزيزتي.”
قدَّمت لي كوبًا من الشاي، لكن يديَّ المرتعشتين لم تستطيعا الإمساك به بثبات.
كلُّ ما استطعتُ فعله هو جمع قواي لطرح السؤال الوحيد الذي يهم.
“هل… هل رأيتِ كارل؟ هل نزل إلى القرية؟”
لم أكترث إن كان قد هرب وتركنا.
طالما أنه حي، فهذا يكفي.
لكن إجابة ميلدا كانت أبعد مما يمكن أن أتخيَّله.
“كارل؟ من هذا؟”
لوهلة، أصاب ذهني الفراغ.
“ز-زوجي، كارلوس. ألم يأتِ إلى هنا؟”
ظننتُ أنها لا بدَّ مشوَّشة ولا تزال في صدمةٍ من رؤيتي على هذه الحال.
لكنها تحدثت ثانيةً، وكانت كلماتها كضربةٍ على رأسي.
“سارة، ما الذي تتحدثين عنه؟ أنتِ لم تتزوَّجي قط!”
“ماذا؟”
ظننتُ أنني أخطأت السمع.
من بين كل الناس، كانت ميلدا أكثر من ساعدني في الزفاف بعد وفاة أمي.
من المستحيل أن تكون قد نسيت كارلوس أو حفل الزفاف.
ارتجفَت شفتاي بينما أكافح لأتكلَّم.
“لماذا تقولين هذا؟ أنتِ كنتِ أكثر من ساعدني في الزفاف، العمة ميلدا.”
لكن ميلدا تنهَّدت فقط، وظهر على وجهها التباسٌ غامض.
“سارة، أنا حقًّا لا أفهم ما تتحدثين عنه.”
“أطلب منك كارلوس أن تحتفظي بالسرِّ؟ لا بأس، يمكنكِ إخباري. أنا فقط أريد أن أعرف أنه حي. هذا كل ما يهم.”
حدَّقت ميلدا بي وكأنني فقدتُ صوابي، يتقلَّب تعبير وجهها من الخوف إلى الشفقة.
أخذت يديَّ المتقشِّرتين بالدم برفقٍ بين يديها، وامتلأت عيناها بالدموع.
“لقد مررْتِ بشيءٍ فظيع لا بدَّ أنه صدم عقلك، يا طفلتي المسكينة…”
في تلك اللحظة بالضبط، ظهر زوجها، جاك، مستعدًّا للانطلاق مع أهل القرية.
اندفعتُ نحوه وأمسكتُ بكمه.
“سيدي! أنت تعرف زوجي، أليس كذلك؟ كارلوس ساعدك في الحصاد العام الماضي!”
عبس وجهه.
“ماذا تقولين؟ كلُّ من في هذه القرية يعرف أنكِ لم تعيشي قط إلا مع والدك.”
سقط قلبي.
لم يكن لارتباك ميلدا ولا إنكار جاك أيُّ معنى.
“لماذا تقولون هذا كله؟ لقد سلمتُم عليه قبل أيامٍ قليلة فقط، مبتسمين ضاحكين. ألا تتذكرون؟”
تعلَّقتُ بمعطفه، شاحبةً يائسةً، لكن جاك نزع يديَّ عنه وربت على كتفي.
“مهما كان ما حدث هناك في كوخكم، سنكتشفه قريبًا. ابقي هنا واستريحي.”
خرج إلى الخارج، تاركًا إياي أنهار ضعيفةً على الأرض.
نظرت ميلدا إليَّ بعيونٍ حزينة.
“ما الذي بحق السماء جعلكِ تبحثين عن زوجٍ غير موجودٍ أصلاً؟ يا للبؤس…”
زوجٌ غير موجود؟
لكنني ما زلتُ أشعر به، دفء يديه هذا الصباح وصوت همسه باسمي.
لا، لا بدَّ أنهم مخطئون.
لا بدَّ أن ميلدا وجاك قد تشوَّشا في خضم الفوضى.
غدًا، سيعود.
سيعود كارلوس بذلك الوجه القلق، يسأل عمَّا حدث ويضمُّني بشدةٍ ليرى إن كنتُ مصابة.
نعم، سيعود غدًا.
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 2"