“ماذا قلتِ للتو؟”
عند سؤالي، طَرَفَتْ آن بعينيها، تبدو حائرة.
“هاه؟ أن هذا المكان أكبر من القصر الرئيسي؟”
“لا، ما قبل ذلك.”
“آه، أن هذا كان القصر الرئيسي قديمًا؟”
“أحقًا؟”
لم يكن هذا من قبيل المعلومات التي يحفظها خادمة جديدة على نحوٍ مرتجل.
تطلّعتُ إليها بارتياب، ففركت قفا عنقها وابتسمتْ بارتباك.
“حسنًا، والدي اعتاد أن يعمل سائق عربة هنا في القصر، فُصل بعدما أصيب في ساقه، لكن ما زال…”
تغيّم وجهها للحظة.
غير أنها سرعان ما استعادت نبرتها المفعمة بالحيوية، وارتفعت على شفتيها ابتسامة خفيفة، متكلّفة.
“على كل حال، ليس سرًا كبيرًا. معظم من عملوا في القصر يعرفون ذلك.”
هكذا اتضحت الأمور.
هذا الملحق بدا دومًا أكبر مما ينبغي وأفخم من أن يكون قصرًا ثانويًا.
جدرانه الرمادية تلبسها مسحة كآبة، لكن هندسته وتصميمه فائضان في الإتقان، لا يشبهان القصور العادية.
لكن، لماذا نقلوا القصر الرئيسي إلى مكان آخر بعد أن شيّدوا بناءً عظيمًا كهذا؟
وكأنما شعرت آن بسؤالي الصامت، تمتمتْ وبصرها مثبَّت على الجدار الداخلي المُعمَّد:
“منذ سبعة عشر عامًا، شبّت هنا نيران عظيمة.”
نيران؟
“يقولون إنها كانت هائلة كادت تبتلع القصر بأكمله.”
تبِعتُ نظرتها إلى جدار قاعة الطعام الرمادي.
ما ظننتُه مجرد حجر عادي بدا لي الآن مختلفًا، وكأنما يحمل بين ثناياه أثرًا خفيًا من تلك النار الغابرة.
عند التدقيق، تبيّنت أن الجدران الرمادية مُبقّعة ببقع سخام.
مهما غُسلت مرارًا، ظلت تلك العلامات المحترقة عالقة كوشم لا يُمحى، تندب وجه القصر بأكمله.
عندها فقط أدركتُ.
ربما لم يكن هذا القصر الرمادي الشاسع رماديًا في بدايته.
“لحسن الحظ، كان جلالته خارج القصر وقتها، لكن كثيرين ممّن كانوا في الداخل قضوا نحبهم.”
لسبب ما، بدا النسيم المار في الرواق كأنه أنين خافت باكٍ؛ ربما كان نواح أرواحٍ عالقة في ذاكرة تلك الليلة الفظيعة.
وكأن القصر نفسه يذكر، وجدرانه لا تزال تردد صرخات لا تُحصى ملأت جنباته آنذاك.
“يقولون إن الإمبراطورة الراحلة لم تنجُ. لقد ماتت هنا، في هذا المكان عينه.”
حتى دون أن أرى، استطعتُ أن أرسم المشهد: القصر تلفه النيران، والناس داخله يصرخون ويلتهمهم اللهب واحدًا تلو الآخر.
لهذا هُجر القصر.
شُيّد كبيرًا وقويًا جدًا، يصعب هدمه بالكامل، فتُرك قائمًا بأقل عدد من الخدم، ومع الزمن، نُسي.
الآن، أخيرًا، فهمتُ لماذا هذا البناء المهيب واقفٌ شاغرًا، خاويًا من الحياة.
“بسبب ذلك، يعتقد كثيرون في القصر الإمبراطوري أن أرواحًا قلقة ما زالت تجوب هذه القاعات.”
دلكت ذراعيها كمن يطرد قشعريرة برد.
“بعض الذين عملوا هنا زعموا أنهم رأوا أشباحًا فعلًا”
تركتُ كلماتها تمرّ بي، لم أعرها اهتمامًا.
أشباح؟ خرافة من هذا القبيل لا تعنيني.
ما أثار فضولي أكثر هو أن هذا القصر كان المقر الرئيسي للإمبراطور، وأن الإمبراطورة الراحلة ماتت هنا.
أضافت آن أن الإمبراطورة الحالية كانت خليلة الإمبراطور حتى قبل وفاة الإمبراطورة السابقة.
تساءلت: ألعل شيئًا ما لا يزال عالقًا هنا قد يجذب انتباه الإمبراطور أو الإمبراطورة؟
ولما رأت أني لا أبدي رد فعل تجاه حديثها عن الأرواح، اقتربت مني آن بوجه جاد.
“في الحقيقة، معظم الناس يتكتمون عليه، لكن هناك عدة وفيات حدثت في هذا الملحق منذ ذلك الحين.”
“ماذا؟”
قد لا أؤمن بالأشباح، لكن الموت مسألة أخرى.
الموت ليس شبحًا. إنه يترك خلفه دليلًا.
“هل تعرفين لماذا ماتوا؟”
تلفّتت آن حولها بسرعة ثم خفضت صوتها، وقد أثار فضولي المفاجئ دهشتها، بعد أن لم أبدِ أي اهتمام بحكايات الأشباح.
“لست متأكدة. فقط تنصّتّ على بعض الخادمات الكبيرات وهن يتهامسن فيما بينهن.”
إذاً، لهذا كانت الخادمات الأخريات يتلكأن في التكليف بالعمل هنا.
صار الأمر واضحًا الآن.
عندما ظل المنصب في الملحق الشمالي شاغرًا مرارًا، لا بد أنهن تقرَّبن على مضض، فساعدنني في المقابلة وأرسلنني أنا إلى هناك.
بالنسبة لكبيرة الخدم، لا يهم من يشغل المنصب، طالما أن العدد المطلوب للملحق مُكتمل.
وبينما كنت غارقة في أفكاري، ظنّت آن لعلي خائفة، فأدخلت يدها في مئزرها وأخرجت شيئًا.
“لا بأس. أنا مؤمنة تقية. ما دمنا نحمل هذا البروش معنا، الأرواح لن تجرؤ على إيذائنا.”
وضعت في يدي بروشًا صغيرًا، تمثالًا لا يتجاوز طوله عقلة إصبعين، سطحه مشوب ببعض الاهتراء.
“احتفظي به معك. لدي الكثير غيره في غرفتي.”
“…..”
يبدو أن آن تؤمن حقًا أن تلك الموتى المجهلة من فعل الأشباح.
لكن رأيي كان غير ذلك.
الأشباح غير موجودة، وحتى إن وُجدت، لا تستطيع أن تؤذي الأحياء جسديًا.
لا بد أن ثمة سببًا آخر وراء تلك الوفيات.
سرّ مدفون في ثنايا هذا القصر.
لعل ذلك السرّ يُقرّبني خطوة من القصر الرئيسي.
ألقيت البروش في جيب معطفي بلا مبالاة، ثم أخذت لحظة لأرتب أفكاري.
❋❋❋
كان الملحق الشمالي شاسعًا إلى درجة أن جميع الخادمات الخمس لو عملن طوال اليوم، ما استطعن تنظيف إلّا جزءًا صغيرًا منه.
يمتد على خمسة طوابق، ومساحته تعادل قصرين كبيرين معًا.
لكي نُديره بكفاءة، قسّمنا القصر إلى قطاعات.
الطابق الأول كان من مسؤوليتي.
آن خُصص لها الطابق الخامس، بينما قسّمت الخادمات الثلاث الأخريات الطوابق من الثاني إلى الرابع بينهن.
مجموعة جوسلين جعلوا الأمر يبدو كأنهن يتحفنني، إذ منحنني الطابق الأول بحجة إصابتي في ساقي، لكن الحقيقة كانت غير ذلك.
فالطابق الأول يضم قاعة الطعام ومعظم مرافق القصر، لذا كان الأصعب في الصيانة.
ورغم ذلك، قبلت المهمة دون اعتراض.
خيرٌ لي من صعود سلالم لا تنتهي.
في ذلك اليوم، نويتُ تنظيف الجناح الجنوبي في الطابق الأول.
القصر أكبر من أن تنظفه امرأة وحدها، ولذلك حتى الطابق الأول يقسَّم إلى أجزاء، ويُنظَّف وفق مسار يومي لتيسير العمل.
وما إن بلغتُ الرواق الجنوبي، حتى بدأ ينتابني شعور بعدم الارتياح.
الممر خالٍ وصامت، غير أني شعرت بوجود أحد غيري هناك.
رغم أن هذه المرة الأولى التي أطأ فيها هذا الرواق، بدا غريبًا مألوفًا.
فجأة، شعرت بدوار.
وضعت كفّي على جبهتي وهززت رأسي.
هل أرهقتُ نفسي بالأمس؟
لقد أفرطت في العمل مؤخرًا، غير راغية أن أعطي مجموعة جوسلين أي سبب للسخرية.
لا بد أن هذا هو سبب شعوري بالدوار.
ما هو إلا إرهاق فحسب.
بعد كل شيء، كل الممرات متشابهة.
أخبرتُ نفسي بذلك، وهدّأت أنفاسي ومددتُ يدي إلى المكنسة.
وحينها سمعته.
“اِهْرُبِي!”
خرق الصوت أذني وكأن أحدهم همس إلى جواري مباشرة.
استدرتُ مذعورة.
لم يكن هناك أحد.
قشعريرة باردة تسللت إلى عمودي الفقري، فركّتُ أذني والتفتُ حولي، لكن الممر ظل خاليًا.
“لا بد أني أتخيل. أنا لم أنم جيدًا.”
قلتُ لنفسي.
أجبرتُ نفسي على استئناف الكنس.
ثم—
“إذهبي! الآن!”
تجمدتُ.
لم يكن خيالًا.
أدرت رأسي بعنف، ومسحتُ الممر وحبس أنفاسي.
كان صوت طفل.
صبي – صغير السن، خائف، مُلِح.
وحينها رأيته.
في أقصى نهاية الممر المنحني، لمحت لمحة جسد صغير يمرّ راكضًا.
كان هناك أحدهم.
أسرعتُ، أعرج نحو نهاية الممر، وناديت:
“من هناك؟”
ناديتُ الصبي بينما أنعطف عند الزاوية، والتقطت لمحة سريعة لجسده الصغير قبل أن يختفي في ممر جانبي.
“انتظر – قف هناك!”
أسرعتُ في الاتجاه الذي ذهب إليه.
في نهاية الممر، كان درج ينزل نحو الطابق السفلي.
قالت الخادمة الكبيرة إننا لا نحتاج لتنظيف القبو
هذا يعني أن أحدًا لم ينزل إلى هناك منذ زمن.
في أسفل الدرج، استطعتُ أن أميز شبح صبي خلف باب مفتوح.
لا يبدو أكبر من السادسة أو السابعة: صغير، نحيل، بأكتاف ضعيفة.
“من أنت؟ الجو مظلم هنا. تعال من هذا الطريق أولًا، لن أعنّفك.”
وقف الصبي في الظلال لحظة، يراقبني بصمت.
ثم، دون كلمة، استدار وركض أعمق في القبو.
إن كان قد نزل إلى هناك بالخطأ، فقد يكون ذلك خطرًا عليه.
ما زال صغيرًا جدًا، صغيرًا بما يكفي ليكون بحاجة إلى رعاية وحماية.
دون أن أشعر، مررت كفّي على بطني المسطح، ثم تماسكت ونزلت الدرج.
حالما دخلتُ، لم أعد أرَ الصبي.
هل اختبأ في مكان ما؟
كان القبو مليئًا بأكوام من الحجر المتهشم، سقط من السقف – حطام تُرك دون مساس منذ الحريق.
“هل أنت هنا؟”
لم يُجب أحد.
ولا حتى همس.
الهواء كثيف وبارد، وكأن روحًا حيّة لم تطأ هذه الأرض منذ سنين.
حينها، اعتراني فكر مزعج.
ما احتمالية وجود طفل وحده في قصرٍ ناءٍ، لا يوصَل إليه إلّا بعربة؟
ثم—
بام!
انغلق الباب خلفي بعنف.
ذُعِرت، فالتفتُّ وركضتُ نحوه.
من خلال النافذة الصغيرة المثبّتة في الباب، رأيت وجهًا مألوفًا يحدّق إلي.
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 18"