ما إن وطأت قدمُ سارة عتبةَ الباب الخلفيّ، حتى صَرَخَ باسمِها صوتٌ حادّ:
“سارة لامونت؟”
وقفَت أمامها خادمةٌ كبيرة، يحفُّ بها جمعٌ صغير من الوافدات الجُدُد.
“نعم.”
أجابت سارة، تتهادى في خَطوِها، وحقيبتُها الثقيلة تَجرُّ خلفَها آثارَ الألم.
تصلّبتِ الوافداتُ الجديداتُ الواقفاتُ خلفَ المرأةِ الكبيرةِ في الحال، تصلُّبًا أفصَحَ عن كراهيةٍ لا تُخطئُها العين.
“لا تقولي إن علينا العمل مع تلك المُقعَدة؟”
“أوه! أتعني أننا سنتحمّل أعباءها أيضًا؟”
“مستحيل! لستُ مُجبرةً على ذلك!”
لم يكُن يتهامسن، بل أردنَها أن تسمع.
ومع ذلك، وقفَت سارة صامتة، وجهها هادئ لا يَعبُرُه انفعال.
“سنتوجّه فورًا إلى القصر المُكلَّفات به فلتركبَنَّ جميعُكنّ العربة.”
أمَرَتِ الخادمةُ الكبيرةُ بجفاف.
ركِبَت سارة وأربعُ وافداتٍ سواها.
دبّتِ العربةُ زمنًا ليس باليسير، والأراضي الإمبراطوريّة الشاسعةُ تمتدّ أمامهنَّ بلا نهاية.
حدّقَت الخادماتُ في ذهول، يتهامسنَ عن كلِّ بناءٍ فخم يمررنَ به.
ولما توقّفت العربةُ أخيرًا وفُتح بابُها، نزَلَتِ الخادمةُ الكبيرةُ أولاً.
ارتفع أمامهنَّ قصرٌ هائل، من الفخامة بحيث يخالُه المرءُ بسهولةٍ القصرَ الرئيس.
“هذا هو الجَناحُ الشماليّ. من اليوم، ستكونين مُكلَّفة به. سأُريكنَّ مَقرَّ إقامتكنَّ. اتبَعنَني.”
تردّدتِ الخادماتُ، يتبادلنَ النظراتِ القلقة، ثم تبعنَها.
بذَلَت سارة جُهدَها لتواكبَهُنّ، تُرهِقُ نفسَها لتسيرَ بأسرع ما تسمح به رِجلُها المُصابة.
أمامهنّ، تبادلت خادمتان نظراتٍ وقهقهتا في سرهما.
أمّا الخادمةُ الكبيرة، فلم تكترث لسلوكهما البَتّة، بل أسرَعَت الخَطو، وعلائمُ الضَّجَر فقط تَبدو على محياها.
بدا الجَناحُ من الخارج مُذهلاً، لكنَّ داخله كان أكثرَ إبهارًا.
غيرَ أن شيئًا كان معتورًا.
لم يكُن ثمّة روحٌ تُرى سوى جماعتهم الصغيرة.
القاعاتُ صامتةٌ بشكلٍ غريب، خاوية، وسكونٌ غامض يلتصق بالهواء.
تَبِعْنَ الخادمةَ الكبيرة حتى أَقصى الجَناح، حيث بضعُ غرفٍ بدَت عليها آثارُ الاستعمال أخيرًا.
“هذا سيكون مَقرَّ إقامتكنَّ. لكنَّ سيكون لكنَّ كلُّ واحدةٍ غرفتُها الخاصّة.”
أشرقَت وجوهُ الخادماتِ ابتهاجًا.
فبالنسبة لخادماتِ الرُّتَب الدنيا، تقاسُم الغرف هو القاعدة، فكانت الخصوصيّةُ رفاهيةً غيرَ متوقَّعة.
لكن سارة وحدَها أبقَت على تقاسيمِها مُتجهِّمة.
منذ أن ولجَت، شعرَت بشيءٍ غريبٍ في هذا المكان، لا تستطيع نفضَ ريبةٍ تَزحَف تحت جلدها.
ما لبثَ أن انكشَف سببُ ذلك الشعور.
“ربما لاحظتُ بعضُكنَّ”، ابتدأتِ الخادمةُ الكبيرة بنبرةٍ جامدة،
“هذا الجَناحُ غيرُ مأهول حاليًا.”
غير مأهول. بكلمةٍ أخرى: قصرٌ مَهجورٌ في قلب الأراضي الإمبراطورية.
كيف لمثل هذا البناء الهائل أن يكون بلا وظيفة؟
ما كاد الفكرُ يستقرّ حتى تَبِعهُ صدمةٌ أخرى.
“من الآن فصاعدًا، ستتحمّلنَ الخمسُ مسؤوليةَ صيانةِ الجَناح بأكمله.”
شحَبَت وجوهُ الخادماتِ في الحال.
صيانةُ هذا القصرِ الهائل بخمسِ خادمات فقط؟ إنه لفكرٌ لا يُستطاع! محضُ استحالة.
حتى قصورُ النصفِ من هذا الحجم تحتاجُ عادةً خمسين خادمة.
وقصر الإمبراطورة، وهو أصغرُ بكثير من هذا الجَناح، يقال إن فيه فوق المئة.
وها هنَّ: خمسُ نساءٍ يُتوقَّع منهنَّ تدبيرُ قصرٍ بأكمله.
أكمَلَتِ الخادمةُ الكبيرة كلامَها، لا تَبْدي أدنى شفقة، وكأنها توقّعت رَدَّ فعلِهنَّ.
“على أي حال، لا أحد يستعمل هذا الجَناح فقط حافِظنَ على نظافةِ قِطاعاتِكُنَّ المُحدَّدة لكن التفتيشَ قد يأتي بغتة، فلا تتكاسلنَ.”
وبهذا، دارَت على عَقِبَها وغادَرَت، واختفى شخصُها في الرواق بسرعةِ مَجيئه.
الخادماتُ المُتروكاتُ وَقَفنَ جامداتٍ في مكانهنَّ، وجوهُهنَّ لا تُصدّق.
“هذا جنون خمسٌ منا ندير مكانًا بهذه الضخامة؟”
“وواحدةٌ منا لا تُحتسب أصلًا.”
توجّهَت أبصارُهنَّ نحو سارة، التي ظلّت صامتةً لا تتحرّك، وجهها خالٍ من التعبير.
يبدو أن كلَّ الإحباطِ والاستياءِ المَكتومِ في الهواء تركَّزَ عليها.
لكن سارة جمعَت أغراضَها في صمتٍ وآوَت إلى غرفتها.
الجدالُ لن يغيّر شيئًا.
على الأقل، إن فرغَت من أمتعتها واستراحَت الآن، فسيُعطيها ذلك بعضَ قوةٍ إضافيةٍ لمواجهة ما هو آتٍ.
ثلاثٌ من الخادماتِ حَدَّقْنَ في قَفاها وهي تبتعد باحتقارٍ صريح.
❋❋❋
بدأتُ أُفرغُ حقائبي فورَ دخولي الغرفة.
الأثاثُ يحملُ علاماتِ استعمالٍ سابقٍ واضحة، لكنَّ كلَّ شيءٍ كان منسَّقًا بأناقة.
لا بد أنها كانت تخصُّ إحدى الخادماتِ السابقات.
أوقفَني هذا الخاطرُ برهة.
ماذا حدث لآخرِ خمسِ خادماتٍ كُلِّفنَ بهذا القصر؟
هل سئِمْنَ ببساطةٍ فاستقَلنَ؟ أم نُقِلنَ إلى جَناحٍ آخر؟
رفضتُ احتمالَ الفرضيةِ الأولى.
كلُّ ما أردتُه هو أن أتحمّلَ هذا المكانَ حتى أنالَ ترقيةً وأصبحَ خادمةً في القصر الرئيسي.
ولأجل هذا، لا بد أن أنجو هنا، مهما كلَّفَ الثمن.
شدَّدتُ عَزمي، وحملتُ بعناية باقةَ زهور الهيارليس التي أهداني إياها إدوين ليُباركَ لي بحصولي على الوظيفة، ووضعتُها فوق أمتعتي.
إنها نفسُ الباقةِ التي أهداني إياها إدوين.
كنتُ أنوي شراءَها بنفسي، لكن بفضله لم أعد بحاجة.
نزعتُ الغلافَ ووضعتُ الزهورَ في المزهريّةِ الفارغةِ على زاويةِ المكتبِ العتيق.
كانت زهورُ الهيارليس لا تزال تَزهرُ ببهاء، بتلاتُها الشاحبةُ نضِرةٌ هادئة.
هذه الزهرةُ كانت شائعةَ الاستعمال للزينةِ والدواء.
بتلاتُها معروفةٌ بأنها تُعينُ على الأرق، وحتى قليلو المعرفةِ بالأعشاب كثيرًا ما يَغْلُونها شايًا.
لكن ثمة ما لا يعرفه أكثرُ الناس.
للهيارليس تأثيرٌ آخر.
تأمّلتُ البتلةَ المستقرّةَ في راحتي في صمت.
إذا جفّتْ، فإن ملامستها للكحول تُضاعفُ خصائصَها المُهدِّئة، فتُحوِّلُها إلى سُمٍّ قاتل.
قد تُصبح شديدةَ السمّية.
حدّقتُ في المرآةِ على الجدار، ثم نفختُ برفقٍ فوق البتلة.
تراقصَتِ البتلةُ بخفّة، وانحدرَت ببطءٍ حتى استقرّت على الأرض.
أطلتُ النظرَ إليها، ثم التفتُّ إلى المرآة.
المرأةُ التي حدّقتْ بي كانت ذاتَ عينين مسمومتَين، ترمقُني بنظرةٍ حادّةٍ مُتّقدة.
هو الإمبراطور.
هو الذي أطاعَ أمرَه فقتلَ أبي وزوجي.
لو كان باستطاعةِ أحدٍ محوَ الذكريات، فمن المؤكَّد أن الجاني لا بد أن يكون مُستخدِمَ قُدرةٍ أيضًا.
لعله، كأبي، ينتمي إلى منظمةٍ سرّيةٍ ما.
لم يكُن الإمبراطورُ وحدَهُ من أستهدفه، بل أولئك الذين نفّذوا أوامرَه أيضًا.
ولأجل هذا، لا بد أن أقتربَ منه قدرَ المستطاع، وأن أتحرّكَ في خفاء.
زهرةُ الهيارليس هذه كانت زهرةَ تهنئة، لكنها كانت مثاليّةً لتلك اللحظة.
بدون تفكير، وضعتُ يديَّ على بطني المستوي.
ما زلتُ لا أعلم ماذا أفعل بالطفل.
لا أعلم حتى إن كنتُ أملكُ أيَّ شعورٍ أموميّ.
لو كنتُ أملكُه، ما كنتُ لِأتَّخِذَ قرارًا أنانيًّا كهذا.
بالنسبة لي، الانتقامُ يسبقُ هذا الوجودَ الغامضَ في أحشائي.
فأنا، بعد كلِّ شيء، أعيشُ وقتًا مُستعارًا، سنةٌ واحدةٌ على الأكثر.
قد يدعوني بعضُهم أُمًّا قاسيةَ القلب، لكنّي لا أُبالي. بصراحة، لم يكُن غريبًا أن أموتَ والطفلُ إلى جانبي.
السببُ الوحيدُ الذي جعلني أَصِرُّ على الأسنان وأستمرَّ هو الانتقام.
كان العهدَ الذي قطعتُه على نفسي لحظةَ احتضنتُ جثثَ أحبّتي وأجهشتُ بالبكاء عليها.
من أجل هذا، أستطيعُ تحمُّلَ أيِّ شيء.
❋❋❋
بعد أن نظّفتُ القطاعَ المُوكَلَ إليَّ، توجّهتُ إلى قاعة الطعام، حيث كانت الخادماتُ الأُخريات يُبعِدنَ أطباقَهنَّ.
إحداهنَّ، وقد لاحظتْ تأخُّري، ابتسمتْ بازدراءٍ وتهكّمت:
“أوه، عزيزتي، أتيتِ الآن فقط؟ لقد سبقناكَ وانتهينا من كلِّ شيءٍ لأن الطعامَ المُعدَّ كان قليلًا.”
الخادمتان إلى جانب جوسلين قهقهتا ساخرتَين من تعليقها.
فقط واحدةٌ منهنَّ، الخادمةُ ذاتُ الشعرِ البُنّيِّ الواقفةُ خلفَ الأخرياتِ قليلًا، بدَت متضايقةً، ترمقُني بنظرةِ شفقة.
“كان عليكِ المجيءُ أبكر آه، لكن ربما رِجلُكِ المُصابة تمنعُكِ من الإسراع؟”
لم أرَ للردِّ عليها قيمة.
دخلتُ قاعةَ الطعامِ صامتةً، والتقطتُ كسرةَ خبزٍ يابسةً من الباقي، وجلستُ إلى طاولةٍ خالية.
لم يكُن لديَّ نيةٌ لأُضيِّعَ طاقتي في مشاحناتٍ تافهة.
ولما أخذتُ أتناولُ طعامي دون أن أَرمِشَ حتى، بدَت الخادمةُ التي بدأت الشجارَ مُحْبَطةً تمامًا قبل أن تَهُبَّ خارجَ القاعة.
لا بد أنها أدركت كم كان السِّجالُ مع مَن لا تَرُدُّ فعلاً أحمق.
ما إن غادَرَت جوسلين والاثنتان الأُخريان، حتى هدأت قاعةُ الطعام أخيرًا.
عندها، اقتربت مني الخادمةُ ذاتُ الشعر البُنّيِّ ذاتُها، التي كانت قد بقيت، اقتربتْ متردِّدةً.
“آسفة… لم أفكر في أن أدَّخر لكِ حصةً.”
بخلاف أولئك اللواتي استهزأن بي، تكلّمتْ بندمٍ صادق.
“اسمي أنابيل. يمكنكِ مناداتي آن.”
أتحاول تعريفَ نفسها؟ أجبتُ باقتضاب:
“أنا سارة.”
“سارة… اسمٌ جميل.”
تفحّصتُ وجهها، أحاول قياسَ نواياها.
ابتسمَت آن ابتسامةً متكلِّفةً وأدخَلَت يدَها في مِئزرها.
“ادّخرتُ تفاحةً لوقتٍ لاحق، لكن يمكنكِ أخذُها.”
قبلتُها بامتنان، فأيُّ فرصةٍ لاستعادةِ قواي مرحَّبٌ بها.
“شكرًا.”
أشرقَ وجهها لكلماتِ الشكرِ الوجيزة، وما لبثت أن جلستْ مقابلَتي.
“القصرُ ضخمٌ، أليس كذلك؟ لا بد أن تنظيفَ كلِّ تلك المساحة مُرهِق.”
“حسنًا…”
تمتمتُ، غيرَ متأكدةٍ إن كنتُ أرغبُ في خوضِ حديث.
لكن آن ظلّت تتكلّم، متلهِّفةً للثرثرة.
“في الواقع، هذا الجَناحُ الشماليُّ كان قصرَ الإمبراطور الرئيسيَّ منذ زمنٍ بعيد ويقولون إنه أكبرُ من القصر الحالي حتى.”
هذه المعلومةُ غيرُ المتوقَّعةِ جذبت انتباهي، ورغْمًا عنِّي، رفعتُ بصري نحو آن وقد لمعت فيه مسحةُ فضول.
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 17"