***
من بعد أن عبر البوابة الخلفية للقصر الإمبراطوري، وجد إدوين نفسه يبحث عن سارة بغريزة لا تفتُر.
كانت من المفترض أن تكون بالقرب، تنتظر.
لكنه مهما أجال بصره، لم يجد لها أثرًا.
لقد أعطاها بطاقته لعلها تتواصل معه، فلم تفعل.
وظن ظنًا طبيعيًا أنها ستكون هنا على الأقل.
فغيابها أقلقه.
تسرّبت إلى صدره رجفة ارتياب خفية.
تُرى هل اعتدى عليها حراس القصر؟
أخيرًا، دنا إدوين من أحد الحراس المرابطين عند البوابة.
“لو سمحت.”
التفت الحارس نحوه بحذر.
“ما شأنك هنا؟”
بدا أنهم حسبوه فقط زائرًا يحاول الدخول من البوابة الخلفية.
ارتسمت على محيّا إدوين ابتسامة خفيفة مرتبكة.
“أتستطيع إخباري ما جرى لتلك المرأة التي كانت تقف قرب هذه البوابة منذ قليل؟”
تبادل الحارسان النظرات، ثم تمتمّا في وقت واحد تقريبًا.
“آه، تلك المجنونة؟”
“محظوظة هي، أتصدق أنها قُبلت خادمة في القصر مع ساق مثل ساقها؟”
اتسعت عينا إدوين دهشة.
“أحقًا؟”
“مئة بالمئة.”
أجاب أحدهما بابتسامة خبيثة.
“أختي كبيرة الخادمات، فأعرف يقينًا. تلك المرأة مشهورة بين الخدم الذين يدخلون ويخرجون من هذه البوابة.”
‘سارة نجحت في امتحان الخادمات؟’
حتى إدوين نفسه لم يتوقع تلك النتيجة.
وفي تلك اللحظة، أومأ أحد الحارسين برأسه نحو داخل البوابة.
“تذكر الحمارَ فإذا هو قادم، ها هي.”
حين استدار إدوين حيث أشار الحارس، رأى سارة تخرج من البوابة الخلفية متعثرة الخطى بعرج خفيف.
“آنسة سارة!”
عندما سمعت اسمها، رفعت سارة رأسها مندهشة.
“سيد إدوين؟”
وقبل أن تنطق بكلمة أخرى، كان إدوين قد قطع المسافة بينهما بخطوات سريعة.
ابتسم وهو يقف أمامها.
“سمعت أنكِ نجحتِ في مقابلة الخادمات؟”
“يا لسرعة انتشار الأخبار!”
“صادف أن لدي مصادر سريعة.”
أومأت سارة برأسها بتواضع، متجاهلة الأمر وكأنه ليس استثنائيًا.
“نعم، كنت محظوظة حقًا بقبولي.”
انحنت شفتاها بابتسامة خفيفة، لعلها بدأت تستوعب الآن واقع ما حدث.
ورغم أن الطريق أمامها لا يزال طويلًا، شعرت بامتلاء عميق لمجرد أنها خطت خطوة أقرب إلى هدفها.
وهو يرتشف تلك الابتسامة، انحنت شفتا إدوين بانعواج.
“مبروك! لقد دخلتِ أخيرًا القصر الإمبراطوري الذي طالما رغبتِ فيه.”
ورغم كلماته المهنئة، كان في وجهه ظل جعل سارة تميل رأسها باستغراب خفيف.
لكن قبل أن تسأله، ليَّن ملامحه وغيّر الموضوع بسلاسة.
“إذاً، هل ستدخلين القصر حالًا؟”
“سأحزم أمتعتي وأبلغ عن دخولي صباح الغد.”
تأمّلها إدوين صامتًا لحظة.
بدت أكثر حيوية مما كانت عليه.
ثم، كتذكرة عابرة، سألها:
“ما زلتِ تحتفظين بالبطاقة التي أعطيتكِ إياها، أليس كذلك؟”
لم تُجِب بكلمة، فقط أومأت برأسها.
ابتسم إدوين بخفّة وغمز لها بمقالبه.
“إن غيّرتِ رأيكِ يومًا، اتصل بي أو إن احتجتِ مساعدة في أي وقت.”
كان عرضًا كريمًا، فردّت عليه سارة بابتسامة هادئة.
“شكرًا لك.”
حدّق إدوين في ابتسامتها للحظة، ثم أسرع بصرف بصره عنه مع سعال خفيف.
“آهم. قبل أن تدخلي القصر، يجدر بي على الأقل أن أهديكِ هدية صغيرة لأهنئك. شيء قد تحتاجينه في الداخل، ربما…”
“هدية؟”
الكلمة أيقظت في قلب سارة مشاعر حنين قديم.
حين كان كارل على قيد الحياة، كان يفاجئها بهدايا صغيرة كل يوم تقريبًا.
الآن، صار ذلك ذكرى من حياة أخرى.
مرّت على شفتيها ابتسامة حزينة، وتمتمت وكأنها تخاطب نفسها.
“أظن أنني أرغب في زهور.”
كرر إدوين كلمتها وكأنه يتأكد.
“زهور؟”
“نعم، كنت أفكر في أن أشتري بعضًا منها للاحتفال بنفسي.”
تطلّعت إلى الفراغ أمامها بابتسامة شاحبة حزينة، وإدوين يراقبها في صمت.
“فهمت. أتُحبين نوعًا معينًا؟”
لم تخفض بصرها، وأجابت بهدوء: “هيارليس”.
دوّن إدوين الاسم الغريب في ذاكرته، ثم ابتسم ابتسامة مشرقة.
“إذاً هيارليس هي الهدية؟”
“نعم، ستكون هدية التهنئة المثالية.”
طلبها المتواضع جعله يشعر بأسف خفيف، لكنه لم يضغط عليها أكثر خشية أن يثقل عليها.
“إذاً سأراكِ غدًا صباحًا عند البوابة الخلفية للقصر. سأودعكِ كما ينبغي.”
همّت أن تخبره أنه لا داعي، لكنه وقبل أن تنطق، كان قد أدار ظهره واختفى، فما بقي لها إلا الموافقة.
وهي تراقب قفاه المبتعد، أطلقت سارة ضحكة مكتومة خفيفة.
“أن يودعني أحد… بعد أن فقدت أبي وزوجي، كل عائلتي التي بقيت لي.”
كان جارًا فقط من قريتها الصغيرة، غريبًا لا تعرفه حق المعرفة.
ورغم ذلك، لمس قلبها لطفه واهتمامه.
شعرت بشيء طاغٍ بعض الشيء، لكنه جعل داخلها دافئًا رغم كل شيء.
“إذا انتهى كل شيء على خير، يجب أن أشكره كما ينبغي.”
بهذه الفكرة، أسرعت سارة الخطى نحو النزل لتبدأ بحزم أمتعتها.
❋❋❋
كما حين وصلت إلى العاصمة أول مرة، كل ما تملكه سارة يمكن وضعه في حقيبة كبيرة واحدة.
رغم أنها نامت فيه أسبوعين فقط، صارت غرفة النزل مألوفة لها بشكل خفيف.
حين خرجت، مدّ إليها صاحب النزل إفطارًا بسيطًا.
“ما كنت أتخيل أن أعيش وأرى أحد نزلائي يصير خادمة في القصر. الدنيا مليئة بالمفاجآت.”
كان صاحب النزل جافًا بعيدًا في السابق، لكنه الآن يتحدث بدفء خفي تحت قسوته الظاهرة.
وضعت سارة الخبز والفاكهة في حقيبة سفرها، ثم غادرت النزل.
ورغم أنها تحمل حقيبة واحدة فقط، كانت ثقيلة، فاستأجرت عربة متجهة إلى القصر الإمبراطوري.
حين توقفت العربة عند البوابة الخلفية، استقبلها وجه مألوف.
“سيد إدوين، هل كنت تنتظر هنا؟”
سألته باستغراب خفيف حين فتحت باب العربة ورأته.
ابتسم بخفة.
“لقد وصلت توي.”
“أرى ذلك.”
وبينما كانت تستعد للنزول بحقيبتها، مد يده وأخذها منها بسهولة.
ثم من خلف ظهره، أخرج شيئًا كان يخفيه.
“هذه هدية التهنئة التي ذكرتها، آنسة سارة.”
رمشت سارة مندهشة وهو يمد إليها باقة من الزهور البيضاء النقية.
“شكرًا لك.”
لفتت هذه اللفتة انتباه من حولهم دون قصد.
بعض الخادمات اللواتي كن يدخلن القصر ذلك اليوم التفتن لينظرن.
مشهد رجل وسيم يقدم باقة زهور كان مؤثرًا، وأثار همسات الحسد والتكهنات.
للناظرين، بدا كعاشق يودع حبيبته وهي تدخل القصر.
ارتبكت سارة وانتزعت حقيبتها من يده بسرعة.
“إذاً… سأذهب الآن.”
انحنت بارتباك واستدارت لتمشي، لكن إدوين أمسك بمعصمها فجأة.
حين التفتت إليه، رأت بصره يهبط إلى بطنها، ممتلئًا بالقلق.
“هل أنتِ متأكدة أنكِ بخير؟”
عرفت تمامًا ما يعنيه.
لكن عزيمة سارة لم تتزحزح.
“أرجوك، ابقِ الأمر سرًا.”
كان رجاءها ألا يذكر حملها.
عند طلبها الراسخ، أطلق إدوين معصمها ببطء.
“فهمت.”
كانت تلك آخر كلمات تبادلوها.
دون أن تلتفت خلفها، استدارت سارة وعبرت البوابة الخلفية.
الحراس الذين عرفوها لم يعودوا يمنعونها.
وحتى بعد أن غابت عن الأنظار، بقي إدوين واقفًا هناك، وجهه متشابك المشاعر.
لأي عابر، بدا المشهد كوداع مرّ بين عاشقين.
لكنهما لم يكونا الشاهدين الوحيدين.
فوقهما، عالٍ على سور القصر، قبّض كاي حاجبيه وهو ينظر إلى الأسفل.
تجعدت جبهته بانقباض لا إرادي.
ثم اختفى دون صوت.
حين دخل مكتبه، رفع إل الذي كان جالسًا على المكتب يراجع الوثائق رأسه.
“جيت وڤي سيعودان قريبًا يبدو أن مهمتهما أوشكت على الانتهاء.”
أومأ كاي بإيجاز وجلس.
“حسنًا.”
لسبب ما، كان التهيج يدب تحت جلده.
لماذا شعر بهذا الانزعاج؟
نعم، لا بد أنه مجرد كونها دخلت القصر الإمبراطوري. هذا وحده أقلقه.
لم يكن سوى بقايا من مهمته السابقة، لا أكثر.
دور كارل انتهى حالما اكتملت المهمة.
لكن شيئًا من ذلك القناع ظل عالقًا به.
“أأنت سامع؟ تلك القطة الصغيرة نجحت في الامتحان.”
لم يُجب كاي.
رمش إل مندهشًا من صمته.
“أكنت تعرف مسبقًا؟”
عرف أن كاي يمضي وقتًا طويلًا قرب البوابة الخلفية مؤخرًا، فارتاب.
“لحظة—هل ساعدتها؟”
كان رد كاي باردًا، شبه مكترث.
“فقط أعطيتها فرصة متكافئة.”
نعم، هذا كل ما كان.
سماحه لها بالدخول من تلك البوابة ذلك اليوم لم يكن إلا إعطاءها ذات الفرصة المتاحة لأي أحد، تمامًا كما اقترح إل.
“كم هذا لطيف، على غير عادتك.”
“لن يتغير شيء. ستضجر قريبًا وتغادر القصر من تلقاء نفسها.”
كان صوته باردًا، خاليًا من المشاعر.
لم يستطع إل إلا أن يهز رأسه في شفقة صامتة.
“حسنًا، أظن ذلك لكنهم يقولون إنها عُيّنت في الملحق الشمالي، من بين كل الأماكن.”
الملحق الشمالي، قصر مهجور.
حفنة من الخادمات فقط يُعيّنّ هناك، يُجبَرن على تدبير شؤون قاعاته الشاسعة الخاوية بأيدٍ قليلة.
كانت مناوبة يفر منها الجميع.
كان هناك سبب آخر لهذا الخوف أيضًا.
“أتساءل إن كانت ستكون بخير أتذكر بعض الخادمات اللواتي خدمن هناك وجدن ميتات؟”
بقي كاي صامتًا حتى أمام هذه الكلمات القاتمة.
استدار نحو النافذة فقط، بصر بارد بعيد.
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 16"