عندما سمع كاي كلمات سارة، تقطَّبَ جبينُه.
ألأنها كانَت وَحْدَها في ذلك الكوخِ مُبَرِّرًا كافيًا لكلِّ هذا العَناء؟
لقد ظنَّ أنَّ امرأةً خَجولةً مُسالِمةً مِثلَها، حتَّى الصَّدماتُ الكُبرى تتقبَّلُها بانكسارٍ صامت.
هكذا عاشتْ دائمًا؛ لا تُبدي امتعاضًا، بل تَقرأُ مَزاجَ الآخَرين قبل أن تَستشعِرَ هيَ ما تَشعُر.
توقَّعَ منها اليومَ ذاتَ الشيء: أن تَبتلِعَ حُزنَها، ثمَّ تَتلاشى في الصَّمت كأنَّها لم تكُن.
لكنَّها، ولأوَّل مرَّة، تُعلنُ إرادَتها.
بوضوحٍ لا يُخطَأ.
تحتَ الصَّقيع المُتَلألئ على رُموشِها، كانت عيناها تَشِعَّان بثباتٍ نادر.
شيءٌ ما في ذلك الثَّبات هَزَّه، دونَ أن يَستطيعَ تسميَتَه.
“إن كنتِ بهذا الإصرار، فلعلَّ الأجدى أن تَرَيْ بنفسكِ.”
لم تفهم سارة قَصدَه فورًا، ولبِثَت تُحَدِّقُ فيه بارتباك.
وحين أدرَكَت، كان كاي قد أدار ظهرَهُ ومَضى نحو البوَّابة الخلفيَّة للقَصر.
بعد خُطواتٍ، التفتَ إليها، فرآها ما تَزالُ جالسةً في مكانها، فازدادَ جبينُه تَجَعُّدًا.
“ألا تَدخُلين؟”
اتَّسَعَت مُقلتا سارة حين أدرَكَت.
حاولت النُّهوض، لكنَّ ساقَين خَدِرتَين مِن البَردِ لم تُطيعاها.
خَشيَة أن يَمضي ويَترُكَها خَلفَه دَفَعَتها للتَّحرُّك، فنهَضَت تَتَعثَّرُ خَلفه، تَجُرُّ ساقَها جَرًّا.
تَضيَّقَ حاجِباه وهو يُراقبُ مَشَقَّتها، لكنَّه لم يَنطِق.
عند البوَّابة، خاطب الحرَّاسَ بصوتٍ قاطِع:
“أدخِلوها.”
انتفض الجُنود، ثمَّ بادَروا مُسرِعين:
“نَعم! أَمْرُكَ.”
تَسَلَّلَت سارة مِن خَلفه، تَمشي على ساقَيها المُرتَجِفَتَين، وتَلَكَّأَت قليلًا عند المَدخل.
ألقت نظرةً على الحرَّاس ثم وطِئَت قدَمُها الدَّاخِل.
حتَّى الحرَّاسُ على الأبواب، والجُنودُ فوق الأسوار، حَدَّقوا بها كأنَّها غَرابةٌ لا تُستَطاب.
تَجاهَلَت الأنظارَ ورَصَّفت خَطوها، تُواري ارتباكَها بظاهِرِ الهُدوء.
كانت تَظُنُّ أنَّ عبورَ السُّورِ العظيم سيَحُلُّ كُلَّ شيء. لكن ما وراءه كان عالَمًا آخَرَ لا تَعرِفُه.
عرباتٌ لا تُحصى تَمخضُ الطُّرق، خَدَمٌ يُسرِعون بحِمولاتِهم، وجُنودٌ يَمشون في صُفوفٍ مُنظَّمة.
فالقَصرُ الإمبراطوريُّ لا يَضُمُّ المَقرَّ الرَّئيسيَّ فحسْب، بل قُصورًا جانبيَّةً عدَّة، فلا بُدَّ لعَرَبةٍ تَحمِلُكَ بينَها.
إن ذاكِرَتُها لم تَخُنْها، فإنَّ مُقابلاتِ الخَدَمِ تُعقَدُ في الجَناحِ الجنوبيّ.
بينما تَقِفُ سارة مَدهوشةً لا تدري أين تَمضي، أشار كاي إلى إحدى العَرَبات المُنتظِرة، ووجهُه لا يُبدي شيئًا.
“هذه العَرَبة ستأخذكِ إلى قاعة المُقابلات.”
أشرقَ وجهها، وانفرجَ التَّعبُ قليلًا.
حَنَت له برأسها طويلًا.
“شُكرًا! لَن أنسى لكَ هذا الجَميل.”
‘لو أنَّكِ تَعلَمين حَقيقَتي، أكنتِ ستقولينها؟’
نَظَرَ إليها مِن أعلى، دون أن تُقرِئَه عَيناه.
لم تَشعُرْ بأفكارِه، فانحنَت ثانيةً واتَّجَهَت تَعرُجُ نحو العَرَبة التي أشار إليها.
ظَلَّ صامِتًا، يُراقِبُ ظِلَّها وهو يَبتَعِد.
**”
مُقابلاتُ القَصرِ كانت تحت إشراف كَبيرَة الخَدَمات، (فانيسَّا).
وما كان كاي يَجهَلُه عنها: أنها امرأةٌ قاسية، لا تَرحَم.
وُلِدَت في الأُسر الأرستقراطيَّة، فاعتَلَت كِبرياءَها صلابَة، ولن تَقبَلَ أبدًا بخادِمَةٍ تَعرُج.
لذلك كان ذلك سَبَبَ إدخالِه سارة.
إن لم يَطرُدْها الحُرَّاس، فسوف تُواجِهُ الواقِعَ وَجهًا لِوَجْه.
تِلكَ الخَادِمَةُ العَجوزُ لن تَرثيَ لها، وعندما تَفشَلُ في المُقابَلة، ستُدرِكُ أَن لا فائِدَة.
استدارَت سارة إليه مرَّةً أُخرى لِتَنحَنِيَ له قبلَ أن تَركَب، فألقى إليها نَظرةً بارِدةً سَريعَة، ثمَّ صَرَفَ وَجهَه.
ظَلَّت تُحدِّقُ في ظَهرِه وهو يَمضي، حتَّى توارى، ثمَّ اقترَبَت من العَرَبَة.
“أَمُتَقَدِّمَةٌ أنتِ لمُقابَلة الخَدَمات؟”
سألها الحَوذيُّ بصوتٍ يَفيضُ اعتِيادًا.
“أجَل.”
رَمَقَ عَرَجَها بطَرفِ عَين، ثُمَّ تَمتَمَ:
“اِركبي. سنَنطَلِق حالًا.”
“شُكرًا.”
تَمتَمَت سارة وهي تَصعَد.
وجدَت في الدَّاخِل امرأتَينِ قد سَبَقَتاها.
يَبدو أنَّهما أيضًا مُتقدِّمَتان لمُقابَلة خادِمات القَصر.
تَذكُرُهما خاطِفًا، حين دَخَلَتا البوَّابةَ دونَ عَائق.
أمَّا هُما، فقد عَرَفَتاها أيضًا.
تَقَطَّبَ وَجهُهما بِوَضوح.
فمَن ذا الذي في مَحيطِ القَصر لم يَسمَعْ بتِلكَ المَرأة التي ظَلَّت أيَّامًا كتِمثالٍ أمامَ البوَّابة؟
“أَلِهَذا أتيتِ؟ أتظُنِّينَنا في سوقِ الخَدَم؟”
قالَت إحداهما بِسُخريةٍ لاذِعَة.
نَظَرَت سارة إلى ثيابِها الرَّثَّة.
وحين لاحَظَت أعيُنَهُما تَحُطُّ على جَبيرةِ ساقِها، جَرَّت ثَوبَها بِغريزَةٍ لِتُخفيَ ما تَحته.
ازدادَت وُجوهُهُما التِواءً كأنَّهُما تَلمَسُ قَذَرًا.
“بِرِجلٍ كهذه؟ أتأمَلينَ أن تُصبِحي خادِمَةَ قَصر؟”
صوتُهُما لاذِع، يَستَنكِرُ أن تَشاطِرَهُما المُقابَلة.
كانت سارة قد توقَّعتُ هذا مُنذُ البَدء.
أ
دارَت وَجهَها إلى النَّافذة، وتَظاهَرَت باللاَّمُبالاة، وعيناها تُتابِعانِ المَشاهِدَ تَمرقُ في شارِعٍ مَعبُدٍ ناعِم.
❋❋❋
مُقابَلاتُ القَصرِ لم تكُن فَرديَّةً، بل جَماعيَّة.
في كُلِّ دَفعَةٍ، يَدخُلُ ثلاثُ أَو أربَعُ مُتَقدِّماتٍ، فيواجِهنَ كبيرَةَ الخَدَماتِ ومُساعداتِها الكِبار.
جالَت سارة بِبَصَرِها في المُنتظِرات.
يَبدو أنَّها ستُقابَلُ مع تِلكَ المرأتَينِ اللَّتَينِ رافَقَتاها في العَرَبة.
لمَّا غادَرَت المَجمُوعةُ السَّابِقةُ القاعةَ، أشارَت إحدى الخادِماتِ بإيماءةٍ حادَّة:
“أنتُنَّ الثَّلاث، اِدخُلن.”
دَخَلَت سارة معَهُما.
الغُرفةُ شِبهُ مُظلِمَة، والهَواءُ مُثقَلٌ بِسُلطةٍ نافِذَة.
أَمامَهُنَّ كبيرَةُ الخَدَمات واثنتانِ مِن كِبار المُساعِدات، كُلٌّ مِنهنَّ تَحمِلُ قَضيبًا رَقيقًا طَويلًا.
أَلقت كبيرَةُ الخَدَمات نَظرةً فاتِرَةً على الأوراقِ التي ناوَلَتها إحدى المُساعِدات، ورَفَعَت ذَقَنَها بِتَرفُعٍ بارد، ثُمَّ سَأَلَت:
“أمِنكُنَّ مَن تَحمِلُ خِطابَ تَزكِيَة؟”
تَقَدَّمَت المرأتانِ اللَّتانِ رافَقَتا سارة في العَرَبة، بِاعتِزازٍ واضِح، وأخرَجَتا مِن رِدائَيهِما ظَرفَينِ مَختومَينِ، وناوَلَتاها إيَّاهُما.
أَخَذَتهُما كبيرَةُ الخَدَمات، فَضَّتِ الخَتمَينِ على الفَور، تَفَقَّدَت شَمعَ الخَواتِم، ثُمَّ أَسلَمَتِ الوَرَقَينِ لِمُساعِدَتِها.
بَعدَها، أَرسَلَت نَظَرَها فَحصَتِ المَرأَتَينِ مِن أَعلى أَسفَل، بِعَينٍ خَبيرَةٍ مُتَقَيِّمَة.
“حسنًا. هاتانِ تُناسِبانا. تَزكِيَةُ ماركيز ليوبولد وكونت مارلين، ولا أَفضَل.”
نَغَمَتُها ارتَوَت رِضًا، حتَّى انتَقَلَ بَصَرُها إلَيَّ.
أَمالَت رَأسَها قَليلًا، كأنَّها تُحاوِلُ استِذكارَ شَيءٍ.
ثُمَّ أَدرَكَت.
تِلكَ المَرأَةُ الواقِفَةُ خَلفَ البوَّابَةِ الخَلفيَّةِ مُنذُ أَيَّام.
تَقَلَّصَ وَجهُها كَمَن تَنَاوَلَ شَيئًا عَفِنًا.
دونَ تَردُّد، رَفَعَت بعصاها فَتَحاتَ طَرَفَ ثَوبي.
انقَبَضَ كُلُّ جَسَدي.
لكنِّي عَضَضتُ على شَفَتيَّ بِقُوَّةٍ واحتَمَلتُ.
وَقَعَت عَيناها على الجَبيرَةِ المَربوطَةِ تَربِيطَةً ثَقيلَةً حَولَ ساقيَ النَّاحِلَة، فَارتَسَمَ الاشمِئزازُ عَلى مُحَيَّاها.
“أَتُراكِ تَظُنِّينَ أنَّ هذا يَليقُ بِخادِمَةٍ في قَصرِ الإمبراطوريَّة العُظمى لأَسْبيريا؟”
اِنتَشَرَ الضَّحِكُ.
المُتقدِّماتُ الأُخريَّات، ومُساعِداتُ كبيرَةِ الخَدَمات، تَضاحَكنَ صَراحَةً، يَصدَحُ صَدى ضَحِكاتِهِنَّ عَلى الجُدران.
مَكشوفَةٌ، مُهانَة.
كُلُّ ما كانَ بي يَرتَعِش.
‘تحمّلي.’
‘كُنتِ تَعلَمينَ أنَّ هذا سَيَحدُث.’
‘تَستَطيعينَ احتِمالَ هذا.’
رَدَّدتُها في صَمتٍ، أُجبِرُ نَفسيَ على الاِستِقامَة، عَمودي الفَقري مُنتَصِب، وَعَينايَ ثابِتَتانِ لا تَرمِشان.
أَخيرًا، دَفعَت كبيرَةُ الخَدَمات طَرَفَ ثَوبي عَنها كَمَن يَدفَعُ حَشرَةً، ثُمَّ عادَت إِلى مَجلِسِها.
“أَنتِ،” أَشارَت بعصاها نَحوَ إِحدى المَرأَتَين،
“إِلى القَصرِ الرَّئيسي. وأَنتِ، إِلى حَظيرَة الإمبراطورة. اِتبَعا تَوجيهاتِ المُساعِداتِ الكِبار.”
انحَنَتِ المَرأَتانِ انحِناءَةً طَويلَة.
“شُكرًا لَكِ، يا كبيرَةَ الخَدَمات.”
ثُمَّ عادَ بَصَرُها إِلَيَّ.
تَقَطَّبَ جَبينُها وضاقَت عَيناها بِازدِراء.
لَكِن قَبلَ أَن تُكمِل، دَنَت مِنهَا إِحدى المُساعِداتِ وَهَمَسَت في أُذُنِها مُسرِعَةً:
“يا كبيرَةَ الخَدَمات، ثَمَّةَ مَكانٌ شاغِرٌ في الجَناحِ الشَّمالي.”
رَفَعَت كبيرَةُ الخَدَمات حاجِبَيها.
“أَيضًا؟ كَم هَذِه المَرَّةُ هَذا العَام…؟”
ثُمَّ أَحَدَّتِ النَّظَرَ إِلَيَّ، وَارتَسَمَت ابتِسامَةٌ غَريبَةٌ عَلى شَفَتَيها.
“أَجَل. هَذا يُناسِبُ.”
ثُمَّ أَضافَت، بِتُخُومَةٍ هادِئَةٍ حاسِمَة:
“سَتُرسَلينَ إِلى الجَناحِ الشَّمالي.”
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 15"