وقفَ إدوين هناك، وجهُهُ مُفعَمٌ بالدهشة.
صارَ شِبهَ مألوفٍ لديها الآن.
“إدوين؟”
نظرَ إليها بقلقٍ واضح، مُتأمِّلاً وجهَها الشاحِب بينما عصَفَتْ ريحٌ باردة.
“ما الذي تفعلينه هنا في هذا البرد؟”
وقبل أن تُجيب، مدَّ يده وأمسك بكفِّها.
“يداكَ متجمِّدتان. أرجوكِ، تعالي واجلسي في عربتي قليلاً.”
دفعتْ سارة يدَه برفق.
“أنا بخير. ألستَ بحاجةٍ إلى الذهاب إلى مكانٍ ما يا إدوين؟”
كانت مُحقَّة.
فإدوين كان في طريقه إلى موعدٍ رسمي حين صادف رؤيتها.
لم يكُن يتوقَّع أن يراها حين مرَّت عربتُه ببوَّابات القصر، لكن ما إن لمح شخصَها المألوف من النافذة، حتى أمرَ الحوذيّ بالتوقُّف غريزيًّا.
ما كان لِيَكذِبَ لو قال إنّه لم يفكِّر فيها منذ لقائهما الأخير.
امرأةٌ فقدت أباها وزوجَها معًا، كانت أوفرَ من الشفقة.
وكانت حاملاً آنذاك أيضًا.
لقد عرَف بحملها من الطبيب الذي أوفده لرعايتها، وهذا الأمر زاد من تعقيد مشاعره.
لم يكُن متأكِّدًا من طبيعة هذا الإحساس، لكنه ربَّما كان شيئًا كالمسؤوليَّة.
“يُمكِنني تأجيلُ الموعد. إن شعرتِ بأن العربة خانقة، فلنَدخُل على الأقلِّ إلى أقرب مطعم لِتَدَفَّئي.”
رغم إلحاحه اللطيف، هزَّت سارة رأسها مجدَّدًا.
“حقًّا، أنا بخير.”
ارتَسَمَ تجعيدٌ خفيف بين حاجَبي إدوين.
“أيُّ “خير” هذا؟”
انتقلت نَظرةُ إدوين نحو القصر، وفجأةً أدركَ أين كانت تقف: بالضبط أمام البوَّابة الخلفيَّة.
تذكَّرَ غامضًا إشاعةً سمعها من تاجرٍ مرَّ بالقصر مُؤخَّرًا، عن امرأةٍ مجنونة تقفُ كالتمثال أمام البوَّابة الخلفيَّة للقصر الإمبراطوريّ.
قيلَ إنها امرأةٌ عاجِزة، لم تستطع الدخول، فوقفت هناك وكأنَّها تحتجُّ على استبعادها.
ما تَصوَّرَ قطُّ أن تلك المرأة هي سارة.
انتقلت عيناه إلى وجهِها الشاحِب المُنهَك.
أحقًا كانت على هذه الحال منذ أكثر من أسبوع؟
بعد صمتٍ طويل، سأل إدوين بهدوءٍ قدرَ استطاعته:
“ما الذي تريدينه من القصر؟”
صَمَتَت سارة.
لم تُخبِر إدوين أبدًا عمَّن كان وراء كلِّ شيء.
هو قدَّم لها ما يكفي، ولم يَعُد من الصواب أن تطلب منه المزيد.
لذا أجابت بخِفَّة، وكأنَّ الأمرَ لا يستحقُّ الذكر:
“فكَّرتُ في أن أعمل خادمةً في القصر.”
كما توقَّعت، جاء ردُّه سريعًا:
“بهذا الجسد..؟”
بالطبع، لم يكُن إدوين يُشير فقط إلى ساقها المُصابة.
قبضَت سارة بكلتا يديها بشدَّة، بينما كادت يدُها أن تلمس بطنها المُنبسِط.
“أيُّ مكانٍ خيرٌ من ذلك الكوخ.”
“…..”
تركت كلماتُها المُرَّة إدوينَ عاجزًا عن الرد.
وقَفَ طويلًا، يُصارع تردُّدَه، ثمَّ قال أخيرًا:
“إن كان الأمرُ كذلك، فاسمحي لي أن أجد لكِ مسكنًا آخر. بل ويُمكِنني أن أرَتِّبَ لكِ العودةَ إلى التدريس إن أردتِ.”
كان صوته هادئًا وحَذِرًا، لكن ردَّ سارة قطعَه كالجليد.
“لماذا؟”
سؤالُها البارد المُجرَّد جعله عاجزًا عن الكلام.
“لماذا أنت قَلِقٌ عليَّ إلى هذا الحد؟”
“إنّني…”
“لقد نِلتُ منكَ من العون ما يفيض عن حدِّ الشفقة. لأكون صريحةً، ما قَبِلتُه حينها إلا لأنّي كنتُ يائسةً أتعلَّق بأيِّ شيء.”
“……”
“لكن أيَّ تدخُّلٍ بعد ذلك سَيُحرِجُني.”
لو لم يكُن الموضوعُ مُرتبِطًا بالعائلة الإمبراطوريَّة، لَربَّما استمرَّت في الاعتماد عليه.
فمع علاقات إدوين بنقابة التجَّار الكُبرى، لَكان العثورُ على الجاني أيسرَ بكثير.
لكن الآن، وقد باتت القضيَّةُ على صلةٍ مباشرة بالقصر، فلا داعيَ لجرِّه إلى الخطر.
بل إنّه لو عَلِمَ أنَّ الأمر يتعلَّق بالعائلة الإمبراطوريَّة، لَربَّما ما كانَ ليُساعدَها أصلًا.
أثارَ لهجتُها الحازمة صمتًا قصيرًا من إدوين، ثمَّ أرغَمَ نفسه على ابتسامةٍ مُتكلَّفة.
“أفهمُ… شفقة، أليس كذلك؟ لم أنظُر إلى ما شعرتِ به. آسف.”
هذا الاعتذار الرقيق جعل قلبَها يَهوي أكثر.
وقبل أن تَجِدَ الكلماتِ المناسبةَ للرَّد، أخرجَ إدوين شيئًا من معطفه وناوَلَها إيَّاه.
“بطاقتي.”
على تلك الورقة المُقوَّاة، كان اسمُه وعبارة «شركة كليمبف للتجارة» وعنوان.
“إن احتجتِ مساعدةً يومًا، فتعالي إليَّ.”
ابتسمَ بخفوت، والحُزنُ يَلمَعُ في عينيه.
“ولتوضيحِ الأمر، هذا ليس من باب الشفقة. اعتبريها مِيزةً حَصَرتُها على الأصدقاء القُدامى من بلدتنا.”
لم تَستَطِع رفضَ طلبِه، وقد تكلَّمَ بذلك الإخلاص. فأخذَت البطاقة بصمت.
وقبل أن تَفيقَ على ما يَفعَل، كان إدوين قد خلعَ وِشاحَه من عُنقه ولفَّه بلطفٍ حول رقبتها.
“إن كنتِ لن تسمحي لي حتى بدعوتكِ لوجبة، فاسمحي لي بهذا على الأقل. وإلَّا فلن أستطيعَ المُضِيَّ في طريقي.”
رسمَ أسلوبُه الخفيفُ ابتسامةً صغيرةً مُستسلِمةً على شَفَتَيها.
“شكرًا لك.”
عند كلمتها الهادئة، بادلها الابتسامة، ورحلَ مُكرَهًا.
***
فوقهما، من أعلى سور القصر، كانت عينانِ لا تَرَيانِ سواهما.
رأى كاي إدوينَ يأخذُ يدَها، والقلقُ يَملأُ وجهَه.
لم يَفُتْه ذلك الوِشاحُ الذي لُفَّ حول رقبتها، في لُغةِ اشتياقٍ صامت.
وَقَفَ بلا حراك، يُطبِقُ قبضتَه بشدَّة حتى ابيَضَّت مفاصلُه.
لم يَستغرِقْ وقتًا طويلًا ليَعرِفَ الرجلَ الواقفَ إلى جوارها، ذاك الذي رآه من قبل عند قبر كارلوس.
“هل كان الأمرُ سَيَهُونُ لو لم أكُن أعرِفُه؟”
تقَلَّصَ جبينُه بانزعاج.
“يَهُون؟ أنا؟”
مجردُ التفكيرِ جعل صدرَه يَنقَبِضُ بارتباك.
تَوقَّفَ عن التفكير مُطلقًا، وغادَرَ السور، وكأنَّه يَفِرُّ.
❋❋❋ ❋❋❋
كانت الريحُ يومَها قارِسةً، تَلذَعُ البشرةَ العارية.
وسرعانَ ما أخذَ أوَّلُ ثلجِ الموسم يَتَساقَطُ من السماء الرماديَّة الباهتة.
رفَعَت سارة بصرَها نحو السماء، وعيناها ضبابيَّتان تُتابعان ذاك السقوطَ اللامُنتهي.
تذكَّرَت أوَّلَ ثلجٍ في العام الماضي، وكيف وقفَت هي وكارل تحت الثلج معًا.
كانت تلك لحظاتٍ نقيَّةً هانئة، لم تَمسَسْها بعدُ مأساتُهما.
تذكَّرَت كيف تبادَلا الابتسامَات، جَبيناهُما يتلامسان، يَهمِسان بكلماتِ السَّعادة قبل أن يَتبادَلا قُبلة.
ما زالَت تشعُر بدفءِ تلك اللحظة ونعومتِها، وتسمَع أنفاسَهما الخافتة؛ وكأنَّها بالأمسِ كانت.
وَقَفَت سارة شاخصةً، تَترُك الثلجَ يَنسابُ في شَعرِها وثيابِها.
بينما كان الجنودُ يَحتَمون تحت الأفاريز هربًا من البرد، وَقَفَت هي لا تتزحزَح تحت السقوط الأبيض.
اشتدَّ الهَطْلُ، وغَطَّى العالَمَ بالأبيض.
سارة، التي كانت تَرتَعِدُ من البرد، زَفَرَتْ أنفاسَها مُتقطِّعًا، كُلُّ زفيرٍ سحابةٌ باهتةٌ في الهواء المُتجَمِّد.
كانت تعلَمُ أنَّ التفكيرَ بالطفلِ الذي يَنمو بداخلها حماقةٌ، بل تَهور.
كان عليها أن تَعودَ إلى البيت.
لكن بالنسبة لسارة، التي فقَدَت أباها وزوجَها معًا، لم يَبقَ لها سوى الانتقام.
شَعَرَت بالأسفِ على تلك الحياة الناشئةِ بداخلها، التي وُلِدَت بِحُكمِ أمٍّ أنانيَّة.
لكنها أيقَنَت أنَّها إن لم تَثأرْ لنفسها في خلالِ هذا العامِ الذي يَبقى لها، فلن تَستريحَ أبدًا.
ارتَعَشَ جسدُها من الإرهاق، وثَقُلَت عضلاتُها.
النومُ يَجذِبُها بِلا كَلَل.
كانت تَشتاقُ بشدَّةٍ أن تَعودَ إلى النُزُل لِتَستريحَ وتَدفَأ.
لكنْ كُلَّما تَغَشَّى بصرَها الضباب، رأتْه خلفَ الغِشاوة: زوجَها، شاحبًا هامدًا، تحتَ المطرِ المُنهمِر.
احتضَنَت ذلك الجسدَ الباردَ المُتحلِّل، وبَكَت حتى بحَّ صَوتُها.
ذِكرى تلك اللحظة تَغلي في أعماقِها، حرارةٌ تَتصاعَدُ من مكانٍ ما في الداخل.
“لا يُمكِنني التَّراجُع الآن. لن أجعَلَ موتكَ هَدرًا.”
صَرَّت على أسنانِها، تُجبِرُ نفسَها على تذَكُّرِ سببِ مَجيئِها إلى هنا، وما أبقاها صامدةً كلَّ هذا الوقت.
لقد صَمَدَت بقوَّةِ الإرادة وحدها، تَدفَعُ نفسَها قُدُمًا بقوَّةِ عَزيمتِها.
لم تَدرِ كم مضى من الوقت، حين بدأ الخَدَرُ يَتَسَلَّلُ إلى يديها وقدميها.
وشَخصَت عيناها وهما تَتَبلوران، فرأت قوامًا يَقتَرِب.
لعَلَّ إدوين عادَ يَطلُبُها.
حاولَت مُناداةَ اسمِه بصوتٍ خافتٍ واهن.
“إدوين…؟”
لكنَّ القَدَمَينِ اللتَين تَوقَّفتا أمامها لم تَكُنا مُنتَعِلتَين بحِذاءٍ لامع، بل بِحِذاءٍ عسكريٍّ ثقيل.
حينها فقط أدرَكَت أنَّه ليس إدوين.
رفَعَت بصرَها، فالتَقَت عيناه: زوجان باردان حادَّان، كلَونِ الجليدِ في قِمَّةِ الشتاء.
“لماذا تُعَذِّبينَ نفسَكِ؟”
كان هو نفسُ الشخص الذي أوقَفَ ضربةَ الجنديِّ ذلك اليوم.
بدا لها الرجلُ غاضبًا، رغمَ أنها لم تفهَم السبب.
ألأنَّها سبَّبَت إزعاجًا أمام بوَّابات القصر مُجدَّدًا؟
أم لأنَّه ظَنَّها سَتَموتُ فتُحدِثُ مُشكِلة؟
نَظَرَتُه الحادَّة الآمِرة شَقَّت صَمتَها، تَستَحِثُّها على الجَواب.
فَتَحَت سارة شَفَتَيها المُتشَقِّقتَين بِجُهد، وصوتُها يَرتَجِفُ من البرد.
“لأنَّه لم يَعُد لي مكانٌ آخَرُ أذهَبُ إليه.”
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 14"