قالت سارة في توسُّل، وهي تلتفت إلى الرجل الذي بدا قائدًا للجنود:
“أرجوكم… اسمحوا لي بعبور البوابة. أود العمل كخادمة في القصر الإمبراطوري.”
لم تتعرف عليه.
كان ذلك طبيعيًّا، فمظهره وتصرُّفاته وصوته اختلفوا تمامًا عما سبق.
شعر كاي بومضة ارتياح لهذا الإدراك، لكن خيبة الأمل تبعتها على الفور.
في تلك اللحظة، تقدَّم الحارس الذي ضربها من قبل، ونبرته مفعمة بالعدائية:
“أتعلمين مع من تتحاورين، أيتها المرأة الوقحة؟!”
تشنَّجت ملامح كاي قليلًا وهو يتقدّم، وكأنه على وشك ضربها مرة أخرى.
“قلت لك توقَّف.”
كانت كلماتها هادئة وناعمة تقريبًا، لكن الضغط الكامن خلفها كان ساحقًا.
تجمَّد الحارس في منتصف خطوته، وكأنّ نصل سيف قد وُضع على حنجرته، ثم انحنى برأسه سريعًا:
“اعذرني، سيدي.”
دون كلمة، مشى كاي نحو الجندي الذي تجرّأ على رفع يده عليها.
ثم، بوجهٍ خالٍ تمامًا من التعبير، داس بحذائه بقوة على بطن الرجل.
“آخ—!”
انهار الجندي أرضًا بصوتٍ مثير للشفقة، وانطوى جسده تحت قوة الضربة المحضة.
ظل كاي بلا تعبير، ينظر إليه من علوٍ ببرود:
“أنسيت؟ ممنوع استخدام القوة ضد المدنيين إلا إذا شكّلوا تهديدًا للإمبراطورية.”
رغم أنه لم يرفع صوته قط، شحب وجه الحارس شحوب الموت، وكأنّ يدًا ما انقبضت على حلقه:
“الأمر فقط أن هذه المرأة… اندفعت فجأة تجاه عربة رئيسة الخادمات، سيدي، و—”
قطع كاي كلام الرجل في منتصف الجملة، بنبرة حادة ونهائية:
“مع اقتراب الوليمة الإمبراطورية، أتوقع منكم تجنُّب أيّ اضطرابات غير ضرورية.”
“نعم سيدي. فهمت.”
كانت هذه نهاية الأمر.
تريث نظَر كاي على سارة للحظة قصيرة قبل أن يلتفت بعيدًا، باردًا وصامتًا.
لكن حين شرع في الابتعاد، ناداه صوتها اليائس من خلفه:
“سمعت أن لكل مواطن في الإمبراطورية الحق في التقدّم لوظيفة خادم!”
توقّف كاي في مسيره.
أدار رأسه نحوها ببطء، بتعبيرٍ غامض.
التقت عيناهما العميقتان الخاليتان من المشاعر، فارتعدت غريزيًّا.
بدا أبرد وأبعد من أي شخص قابلته في حياتها، مثل نصل مُحكَم الصقل، يلمع تحت الصقيع.
لم يكن يشبه زوجها اللطيف ذاك، الذي كانت ابتسامته الدافئة تذكّرها بأشعة الشمس المتخلّلة أوراق الشجر الخضراء.
عيناها الزرقاوان البحريّتان تحدّقان فيها، مسبّبتين توتر كل خلية في جسدها وكأنّها في قبضة البرد نفسه.
مع ذلك، وجَّهت ما تبقّى من شجاعتها، وأجبرت صوتها المرتعش على الخروج:
“أرجوك… أتوسّل إليكم. اسمحوا لي بعبور البوابة.”
لحظةً، ظنّت أنّ توسّلها ربما وصل إليه. أليس الرجل الذي أوقف الجنود عن مهاجمتها سيرأف بحالها؟
لكن الرد الذي جاء كان ضربةً مُوجعةً مُهداةً بهدوء:
“كان الجنود محقّين في إيقافك.”
تحطّم أملها الضئيل فورًا.
ثم أخفض نظره عمدًا إلى ساقها المصابة:
“أحقًّا تظنين أنك تستطيعين الخدمة كخادمة قصر بهذه الساق؟”
غرزت كلماته في أعماقها.
احمرّ وجه سارة بينما شدّت تنورتها إلى الأسفل، محاولة إخفاء ركبتها المرتعشة.
لكنها رفضت التراجع:
“حتى بساقي هذه، لا بدّ أن هناك شيئًا أستطيع فعله للمساعدة.”
جعله تحدّيها الهادئ هذا يتريّث.
حدّق فيها، تعبيره لا يزال غامضًا وعيناه غير قابلة للقراءة، كالمياه العميقة التي لا تُظهر شيئًا من التيارات تحت السطح:
“أتظنين حقًا أن القصر الإمبراطوري سيُجري ترتيبات خاصة لخادمة ساقها معطوبة؟”
“…”
“إن كنت تظنين أن عمل خادمات القصر سهلاً أو راقيًا، فأنت مخطئة تمامًا إنهنّ ينفذن أصعب المهام وأقذرها في ذلك القصر الشاسع حتى الأصحاء يعانون لتحمّله، وتظنين أنك تستطيعين ذلك في حالتك؟”
عند كلمات كاي الباردة القاطعة، عضّت سارة شفتها بقوة:
“ليس في القصر روحٌ رحيمة واحدة ستساعدك على النهوض حين تسقطين.”
‘كارلوس، الذي كان يركض ليمسكك كلما تعثّرتِ، لم يعد موجودًا في هذا العالم.’
“حين تسقطين هناك، سيدوسون فوقك مباشرةً ويكملون طريقهم.”
‘فاستيقظي يا سارة لامونت. واجهي الحقيقة.’
ضربها نظره كنصل سيف: حادٌّ ولا يرحم.
الحقيقة القاسية لكلماته اخترقت قلبها، تاركة إياها عاجزة عن رفع رأسها.
ثم جاءت ضربته الأخيرة:
“توقّفي عن التمسّك بكبرياءٍ أحمق، وعيشي حسب ظروفك.”
بميراث والدها مارك، كان بإمكانها العيش في سلام وراحة للعام القادم.
لكن لماذا كانت عازمةً جدًا على اختيار الطريق الأقسى؟
لم يستطع فهم ذلك.
كل ما أراده هو أن تعيش بهدوء، دون أن تعرف الحقيقة أبدًا، حتى نهاية أيامها.
نشأ كاي منذ الطفولة ليُصبح سلاحًا، فلم يستطع تسمية المشاعر الملتوية داخله.
لكن شيء واحد كان واضحًا: لكي يعود إلى كونه مجرّد كلب الإمبراطور، كان عليها أن تختفي من أمام ناظريه.
“سيكون ذلك أفضل لك أنتِ أيضًا.”
بهذه الكلمات الأخيرة، ابتعد كاي، وتعبيره باردٌ وصلب.
لم تستطع سارة سوى الوقوف هناك، رأسها منحنٍ كروح منهزمة، عاجزة عن الحركة.
حين اختفى خلف البوابة، تبع الجنود مثاله، مشتّتين وكأنها لم تعد أكثر من ظل.
بقيت بلا حراك وقتًا طويلاً، كتمثال تُرك في صمت.
❋❋❋
“أسمعت أن القطة الصغيرة ما زالت تظهر عند البوابة الخلفية كل يوم؟”
حين سمع الاهتمام في نبرة جاي، ألق إل نظرة حذرة لها وأشار إليها بخفض صوتها.
لكن كاي لم يرمش حتى، ما جعل جاي تتجاهل بإحباط مفتعل.
“ماذا؟ إذاً كنت تعلم مسبقًا؟ يقولون أن الأمر استمر عشر أيام الآن. أستاذرها هكذا فقط؟”
حين تكلمت، حملت كلماتها نفحة من الفضول، لكن كاي صدّها ببرود:
“لا تهتمي بالأمر.”
كان التحذير في نبرته واضحًا، لكن جاي تجاهلته كعادتها.
وضعت ساقًا فوق الأخرى واستلقَت على الأريكة:
“مع ذلك، أليس الأمر مُشفقًا بعض الشيء؟ المرأة تحاول النجاة فقط.”
حوّل كاي نظره نحوها:
“أنت جامد أكثر من اللازم. تعلم ذلك، أليس كذلك؟ لو قَدّر القدر أن يأتي بها إلى هنا مجددًا، أمَا كنت تستطيع على الأقل تحريك بعض الخيوط وإيجاد وظيفة خادمة لها؟”
تحوّل نظره إلى جليديّ، كأمر غير منطوق بالتوقف عن الكلام.
زفرت جاي في استسلام مفتعل:
“لو فقط علم جلالته أيّ وحش عديم القلب قائدنا الحقيقي.”
لم يردّ كاي.
استمر ببساطة في تقليب الأوراق أمامه، وتعبيره خالٍ تمامًا من المشاعر.
عرفت جاي وإل أكثر من أي شخص آخر من جعله بهذه الصورة: الإمبراطور نفسه.
مهما تذمّرت، لم تغادر جاي جانبه حقًا.
كان الثلاثة مرتبطين معًا بشيء أعمق من الواجب.
منذ الطفولة، تحمّلوا نفس التدريب الوحشي والتجارب التي كادت أن تكون مميتة، والتي سلبتهم إنسانيتهم.
عانت جاي لأطول فترة، لدرجة أن مشاعرها نُحتت بعيدًا أيضًا.
واعتبرت ذلك نعمة.
فبالنسبة لكلب الإمبراطور، الإنسانية ليست سوى عائق.
على أي حال، لم يكن هناك هروب لهم.
القنابل المزروعة في رؤوسهم تضمن الطاعة، وأي فعل تحدّ أو محاولة هرب سينتج عنهما تمزّقهم في عذاب.
الكثير من رفاقهم ماتوا خلال عملية الزرع.
كان كاي وإل وجاي من القلائل الذين نجوا.
عاشوا كآلات منذ ذلك الحين، موجودين فقط للخدمة لأن الموت كان نهايةً رحيمة أكثر من اللازم.
كان عليهم أن يعيشوا، حتى لأولئك الذين لم يفعلوا.
“احصلي على قسط من الراحة، يا جاي.”
قال كاي وهو يغلق الملف بيده:
“سننطلق في المهمة القادمة قريبًا.”
“حسنًا، فهمت.”
رغم أن عدم الرضى لمع على وجههم، استجابت جاي التي فهمت ما يعنيه الأمر حقًا دون اعتراض، رغم أن نبرتها كانت باردة ومنفصلة.
❋❋❋
“لديها جرأة، أعترف بذلك.”
هزّ الحراس المتمركزون عند البوابة الخلفية ألسنتهم وهم يشاهدون سارة واقفة في مكانها المعتاد، ظهرها مستقيم، رغم الرياح اللاذعة.
“كل يوم دون انقطاع. لا بدّ أنها مجنونة.”
منذ تحذير كاي، لم يتجرأ أي من الجنود على تهديدها جسديًا مجددًا.
كانوا ببساطة يشاهدون من بعيد، منفعلين من إصرارها العنيد.
في الحقيقة، كانت سارة عنيدة بقدر الشخص الذي وبّخها.
بدون أي معارف أو أي شخص يضمنها، كان الحضور المتكرر الطريقة الوحيدة التي تعرفها للقتال.
نادى الناس عليها بالحمقاء.
الرياح، الممزوجة بأول برودة الشتاء، تقرض جلدها وتجعلها ترتعش، لكنها لم تتحرك.
بقيت هناك يومًا بعد يوم، كأنها تتحدى كلام أحدهم؛ كأنها تعلن: ‘أستطيع التحمل، مهما تقول.’
ثم، من مكان ما قرب قدميها، ناداها صوت مألوف بنعومة:
“سارة…؟”
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 13"