1
عندما أتذكَّر نفسي، وأنا أمشي مُتعوِّجةً.
زرنا أطباءً لا يُحصَون، لكنّهم جميعًا أجابوا بنفس الجواب: إنها حالةٌ خِلقيةٌ لا شفاءَ منها.
ومع ذلك، تربَّيتُ في كنف أبي – الجندي السابق في الجيش الملكي، الذي فقد ذراعًا في خدمته – دون أن يسمح لي شعورٌ بالدُّونية بأن يطأ قدَميَّ حياتنا البسيطة.
ظروفنا كانت متواضعة، لكنّني لم أشعر يومًا بأن حياتي بائسة.
ففي النهاية، كان بجانبي شخصان أحبُّهما: أبي وزوجي.
“لا تقلقي بهذا الشكل، سارة.”
لفَّت يديّ يَدٌ كبيرةٌ ثابتةٌ برفق.
حوَّلت رأسي فرأيت الرجلَ الجالسَ بجواري يبتسم – انحناءةٌ رقيقةٌ مُطمئنةٌ لشفتيه.
زوجي الحبيب، كارلوس.
كان الرجل الذي صار ساقي المفقودة، الذي علَّمني معنى السَّعادة من جديد.
“كلُّ شيءٍ سيكون على ما يُرام.”
قال بصوته الهادئ المُطمئن.
لَمَّا سمعتُ كلماته، أجبرتُ نفسي على الابتسام، دافعةً بعيدًا الرُّعبَ الذي كان يتفاقم بداخلي.
نعم، كان محقًا.
كلُّ شيءٍ سيكون بخير.
مهما حدث، سيكون دائمًا بجانبي.
أو على الأقل، هكذا أردتُ أن أُصدِّق.
لكن عند مواجهة الواقع، لم تكن أيُّ عزيمةٍ قادرةً على منع قلبي من الارتجاف.
“الأعراض امتدَّت بالفعل إلى الركبة إن استمرَّ الوضع هكذا، فمسألة وقتٍ فقط حتى تصل إلى بقية جسدك.”
جعلني صوتُ الطبيب الجادِّ أشعرُ وكأن قلبي سيسقط من مكانه.
الألم الذي بدأ مؤخرًا في ساقي كان أكثر من مجرد ألمٍ عادي.
لقد كان أولى علامات النحس تتسلل إلى حياتنا.
كانت يداي ترتجفان دون سيطرة، فأحكم كارلوس قبضتَه عليهما وسأل الطبيب نيابةً عني:
“هل هناك طريقةٌ لإيقاف الأعراض؟”
“لا يمكننا الجزم بشيءٍ”
ردَّ الطبيب بصوتٍ خافت.
“بما أننا ما زلنا لا نعرف السببَ الحقيقي، فلا شيءَ يُمكننا فعله في هذه المرحلة.”
لم يستطع أن ينظر في عينيّ وهو يضيف، بمرارة:
“إن استمرَّ الوضع هكذا، ستصل الأعراض إلى قلبك خلال عام.”
لم يحتجْ لإنهاء الجملة.
كنتُ أعلم ما سيليها.
شعرتُ كأن قلبي سقط فجأةً على الأرض.
لكن ما آلمني أكثر كان نظرةَ كارل، وقد زُحِلَ عنها اللونُ وصارت شاحبةً كالورق.
يده الكبيرة، الملفوفة حول يدي، ارتجفت برِقَّة.
رؤية هذا الرجل، الضِّعفَ طولي والقوَّةَ ذاتَ يومٍ، يبدو مرتجفًا وعاجزًا هكذا، سبَّبت ضيقًا مؤلمًا في صدري.
وضعتُ يديَّ الصغيرةَ برفقٍ فوق يده المرتجفة.
“كارل، أنا بخير…”
لكنني لم أكن كذلك. أبدًا.
كنتُ أريد البقاءَ إلى جانبه، وإنجاب طفلٍ يحمل ملامحَنا معًا، ومشاهدة ذلك الطفل ينمو.
“بصِدق، أنا بخير.”
في الربيع، أردتُ السَّير يدًا بيدٍ معه بجانب البحيرة، ومشاهدة البتلات تتساقط.
في الصيف، أردتُ الجلوسَ في ظلِّ الأشجار الخضراء والقراءةَ معه.
في الخريف، أردتُ طهيَ وجباتٍ دافئةٍ من محاصيل أبي.
في الشتاء، أردتُ الاسترخاءَ بين ذراعيه قُرب المدفأة والتحدُّثَ بوداعةٍ حتى نَغْفُوَ.
كانت هناك أشياءُ كثيرةٌ أخرى أردتُ أن أفعلَها معه، لحظاتٌ بسيطةٌ عاديةٌ لم تكن لتفقدَ بهجتها، حتى بعد عمرٍ كاملٍ معًا.
ابتلعتُ دموعي وابتسمتُ بدلاً منها.
لم أكن أريدُ أن أُثقله، خاصةً وهو من سيبقى خلفي.
على الرغم من أن قلبي كان يتكسَّر، أردتُ أن يكون ألمُه أقلَّ ولو قليلاً.
لذا ابتسمتُ، متظاهرةً بالهدوء.
لعلَّه استشعر الاضطرابَ الكامنَ تحت السطح، لأنه لم يقل شيئًا، مجرد أَحْكَمَ قبضتَه على يدي بينما امتلأت عيناه الحزينتان بالدموع.
⋯ ❦ ⋯ ❦ ⋯ ❦ ⋯
“أرجوك، لا تُخبر أبي بعد.”
توقَّفت يد كارل التي كانت تغسل قدمي المصابة برفقٍ وسط الحركة.
بعد توقُّفٍ وجيز، غمس منشفةً نظيفةً في الماء الدافئ مجددًا، وكأن شيئًا لم يحدث.
“حسنًا. أخبريه عندما تكونين مستعدةً.”
“شكرًا لك.”
دون أن ينطق بكلمةٍ أخرى، استمرَّ كارل بمسح ساقي بعنايةٍ وصبرٍ كبيرين.
لم يُفَوِّت يومًا.
كلَّ مساءٍ، كان يغسل ساقي بنفسه، بلطفٍ، وكأن الدفء وحده قادرٌ على استعادة الإحساس وتبديد الألم بلمساته.
كان يدلِّكها بحذرٍ، دون أن يُظهر أدنى تلميحٍ من انزعاجٍ أو ملل.
كلَّ يومٍ دون فِقدَان.
مشاهدته يفعل ذلك كانت تُوجِع صدري لسببٍ لا أستطيع تفسيره.
كنتُ أعلم أنني يوماً ما، سأترك ورائي الألمَ فقط لرجلٍ طيبٍ مثله.
لكن لماذا كان عليه أن يلتقي بشخصٍ مثلي، امرأةً بجسدٍ يَخور؟
خلال زواجنا الذي دام عامًا ونصف العام، بدلاً من أن ينعم بالسعادة، كرَّس نفسه كليًا لرعايتي.
جعلني هذا التفكير أشعر بثقلٍ لا يُطاق في قلبي.
لذا قلتُ شيئًا لم أكن أقصده حقًا:
“كارل، عندما أموت، يجب أن تقابل امرأةً أخرى.”
توقَّفت يده مجددًا.
عندما رفع رأسه أخيرًا، التقت عيونُنا ورأيت ومضةَ غضبٍ في نظراته.
“ماذا تقولين؟”
“أعني، أريدك أن تجد امرأةً صحيحةً وجميلة لا امرأةً مُتكسِّرةً مثلي.”
“هل أنتِ جادةٌ؟”
بالطبع لا.
لكنني أومأتُ برأسي على أي حال.
“أنا جادة.”
على الرغم من أنني تمنيتُ أن يتذكرني للأبد، أردتُ أن يتذكرني كشخصٍ أحبَّه بنكران ذاتٍ، لا كشخصةٍ حبسته في أحزاني.
“أتمنى لو كان لطفك مقتصرًا عليَّ وحدي لكن هذا سيكون أنانيةً مني. على عكسي، أنا التي سأغيب قريبًا، أنتَ يجب أن تستمرَّ في الحياة.”
كنتُ أتمنى أن لا يكون الدربُ الذي يسلكه مؤلمًا جدًا بسببي.
كلُّ ما أردتُه هو أن يبكي عليّ أسبوعًا، ثم يتابع حياته ويعيشها بملئها.
إذا ابتسم أحيانًا نحو السماء حيث أكون أنا، سيكون ذلك كافيًا.
لكن المشاعر الأنانية الخفية استمرَّت في محاولة الخروج.
عضضتُ على شفتي بقوةٍ، خوفًا من أن يَتفلَّت ذلك الشعور.
كانت نظراته مؤلمة، كأنه يسأل إن كنتُ صادقةً، لكنني تجنَّبت عمدًا مواجهة عينيه.
نظر إليَّ مليًا، ثم رفع قدمي وقبَّل ظهرها.
مُندهشةً من فعلته المفاجئة، حاولتُ سحب قدمي.
“كَ–كارل. إنها قذرة.”
“ليس فيكِ أيُّ جزءٍ قذر.”
أمسك كاحلي بحيث لم أستطع السحب، ثم حرَّك شفتيه بلطفٍ على بشرتي.
رغم عدم إحساسي بقدمي، فإن الموضع الذي لامستْه شفتاه شعرتُ أنه أصبح حارًا ومحمرًا.
يحدِّق في وجهي المحمَّر، تحرَّكت شفتاه ببطءٍ صعودًا إلى ركبتي.
عندما لامست شفتاه ركبتي، التي ما زالت تحتفظ ببعض الإحساس، همستُ بهمسةٍ خفيفةٍ دون أن أدري.
“كارل، توقَّف…”
قبَّل ساقي بخشوعٍ.
أدركتُ أن هذا الساق، بالنسبة له، ليست أقلَّ من الكمال.
على الرغم من أننا كنا حميمين عدة مرات من قبل، ربما بسبب ساقي المصابة، كان دائمًا يعاملني بعنايةٍ فائقة.
عندها فقط رفع رأسه، ساحبًا شفتيه بعيدًا ومطلقًا زفيرًا متقطِّعًا.
لسببٍ ما، بدا نظره مختلفًا عن نظرات الزوج الوديع الذي عرفته حتى الآن.
يحدِّق بي وكأنه يستطيع الرؤية من خلالي؛ كانت عيناه مُعتِمَتين بشدَّة.
تحدَّث كارل بصوتٍ أجشٍّ من الإثارة:
“طلبتِ مني أن أقابل امرأةً أخرى إذا مُتِّ؟”
أبْقَى عينيه مثبَّتَتين على عينيّ.
“لن تكون هناك امرأةٌ أخرى بعدكِ، سارة.”
أمسكتُ بكتفيه بقوةٍ تكفي لكسرهما.
“أرجوك توقَّف عن ذلك واحتضنني، كارل.”
لكنه فقط أطلق أنفاسًا خشنةً. وحرَّك ذراعه ببطء. لم يُجِب طلبي.
“ها… لا.”
عندها فقط أدركتُ لماذا كان الرجلُ الوديعُ عادةً يتصرَّف بشكلٍ مختلف.
“لا بدَّ أنه غاضبٌ جدًا.”
كان يعاقبني.
“الأمر نفسه ينطبق عليكِ، سارة يجب ألا ترغبي في أيِّ رجلٍ غيري.”
‘كيف لي أن أتمنى أيَّ رجلٍ غيره وأنا على وشك الموت؟’
“أجيبي.”
حاولتُ أن أستفسر منه، لكنني سرعان ما انغمستُ في الإحساس الواخز الذي لا يرحم.
“أجيبي، سارة.”
في مواجهة طلبه العنيد نوعًا ما، كلُّ ما استطعتُ فعله هو الإجابة بلا حول ولاقوة:
“أنا… أنا أفهم.”
كان سلوكه العنيف مختلفًا عن أي شيء رأيته من قبل.
وقتها، اعتقدتُ ببساطة أنه كان يتصرَّف بهذا الشكل لأنه كان مضطربًا مثلي.
⋯ ❦ ⋯ ❦ ⋯ ❦ ⋯
كان مارك لامونت، القائد السابق لوحدة الإمبراطورية السرية المعروفة باسم “الغير نظاميين” – الأفراد الموهوبين الذين درَّبتهم الإمبراطورية – قد اختبأ في قريةٍ هادئةٍ لفترةٍ طويلة، يربي ابنته بعيدًا عن البلاط وعن الأفراد الموهوبين الآخرين.
أعطاها كلَّ ما يستطيع أبٌ وحيدٌ تقديمه.
راغبًا في أن تنمو ابنته، التي فقدت أمها، سعيدةً، ملأ عالمَها بالحب والرعاية، مُعلِّمًا إياها أن تعيش بلطفٍ وقوة.
كانت حياةً متواضعةً، لكنها سعيدة.
لكن تلك الحياة تحطَّمت.
رقد مارك باردًا بلا حياةٍ في ملاذهما الصغير، بركةٌ داكنةٌ من الدماء تنتشر تحته على الأرضية الحجرية.
واقفًا فوق الجثة، حذاؤه ملطَّخٌ بالقرمزي، كان هناك رجلٌ: كارلوس، زوج سارة.
نظر إلى الجسد للحظةٍ طويلة، وتعبيره غير قابلٍ للقراءة.
ثم نفض الدماء عن يديه واستدار بعيدًا.
دون أن يلتفت للخلف ولو لمرةٍ واحدةٍ، خرج من الكوخ المتواضع الذي كان يومًا ملاذهم.
عند المدخل، توقَّف.
كانت السماء مصبوغةً بالأحمر كالدماء عند قدميه، الشمس تغرب.
حدَّق فيها بصمتٍ لوهلة، ثم بدأ السيرَ ببطء.
عندما دخل الغابة المُظلِمة، رفع يده إلى عنقه.
بجذبٍ واحدٍ قوي، مزَّق القلادة التي كان يرتديها دائمًا.
في لحظة، تحوَّل شعره البني الوديع وعيناه الخضراوان إلى شعرٍ أسود وملامحَ حادَّةٍ لا ترحم.
لم يتبقَّ أثرٌ للزوج الطيب الذي عرفته سارة.
بوجهٍ عديم التعبير وصوتٍ خاوٍ من العاطفة، همس الرجل في الهواء:
“تمَّ تصفية الهدف. اكتملت المهمة.”
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 1"