عندما دخل الدوق ليون إلى ردهة الاستقبال الرئيسية، كان صقيع الفجر لا يزال عالقاً على أطراف معطفه الأسود. قامته المهيبة، وعيناه الرماديتان اللتان تحملان آثار السفر والسهر، جعلتا حتى السيدة هادسون المنضبطة تشعر بموجة من الرهبة الخالصة. وقف إلى جانبه ريان، صامتاً وكأنه امتداد لظل سيده.
أعطى الدوق إيماءة مقتضبة . ثم ولج بخطوات واثقة و ثقيلة غرفة الاستقبال .
توقف عند منتصف الرخام المصقول، وتلفت. نظراته القاسية و السريعة، مسحت الردهة الفسيحة ثم ارتفعت لتثبت على الدرج العريض المنحوت من خشب الجوز، الذي يؤدي إلى الأجنحة العلوية، وإلى الجناح الشرقي بالتحديد.
ثم نطق. كلمتان فقط، خرجتا بصوته المنخفض الخشن قليلاً من البرد والتعب .
“أين هي.”
لم يطلب تقريراً عن ترتيبات القصر، و لا تقييما لإدارة الموارد المالية كما يفعل بالعادة فور وصوله . كان يلج غرفة الدراسة لتفحص المستندات المالية دائما .ولم يسأل عن والدته و أخيه أيضا .
السيدة هادسون لم تتردد . حرارة الفهم اخترقها كصاعقة، واضحة ومؤلمة في إيجازها. كل الترقب، كل الاستعدادات التي تكبدتها من لحظة وصلت رسالة البريد السريع بعد منتصف الليل تخبر بوصول الدوق بعد ساعتين مما أصاب طاقم الخدم بالذعر حينها .
كل الأسئلة عن سبب عودته المفاجئة… كلها تلاشت أمام بساطة هاتين الكلمتين .
فلم تكن هناك حاجة للشرح ولا لذكر اسم، في ذاك الصرح المليء بالنفوس، كان هناك كائن واحد فقط يمكن أن يُستفسر عنه بهذه الطريقة المطلقة، وهذا البرود الذي يكاد يكون عدائياً في تجرده .
” في الغرفة الزرقاء، سيدي الدوق .لقد كانت تفحص الفرس كل ساعتين طوال الليل لذا اعتقد أنها ماتزال نائمة .” أجابت على الفور، نبرتها مهنية تماماً، لكن عينيها السريعتين التقطت لمحة من شيء غريب في عيني سيدها ليس غضباً، بل شبه توق حاد.
“هل خرجت في نزهة اليوم؟” كان سؤاله التالي مباشراً، وكأنه يواصل حواراً بدأه في عقله خلال الرحلة.
” لا سيدي ، لم تخرج “
أدار ليون رأسه نحو الدرج. كانت حركته واحدة، قطعية. ثم بدأ يصعده، خطواته الواثقة تدوي على الخشب المنحوت بصوت أجوف يتردد في الصالة الفارغة. ريان تبعه بصمت .
تركت السيدة هادسون واقفة عند سفح الدرج، صامتة. الهواء من حولها بدا صقيعيا . البرودة التي أحضرها الدوق لم تكن في الهواء فقط؛ كانت في كلماته، في صمته، في ذلك الهدف الوحيد الذي جعله يعود عبر الليل ليحققه.
كان المكان الذي يقصده واضحاً بلا أدنى شك. لم يكن هناك شيء آخر في ذلك الاتجاه سوى غرف الضيوف، وفي مقدمتها الغرفة الزرقاء المخصصة للنبلاء وكبار الشخصيات. حيث تقيم الآن… فتاة عامية، متواضعة .
نظرت إلى الظلال التي خلّفها على الدرج. السؤال الجليدي “أين هي” كان يتردد في أذنيها. لقد فهمت، ليس فقط من كان المقصود، بل فهمت شيئاً آخر: أن البرود الذي أظهره لم يكن تجاهلا لها هي، بل كان تركيزاً مطلقاً، مشتعلاً بالداخل لكنه متجمد في الخارج، على ذلك الهدف الواحد. وكان هذا التركيز، في برودته الشديدة، أكثر إثارة للرعب من أي غضب صريح.
الغرابة كانت بدأت تغمرها. هذا التصرف… لم يكن في أي بروتوكول، لم يكن في أي قاعدة. ذهاب الدوق بنفسه إلى غرفة ضيفة في القصر، وإن كانت ضيفة فقيرة من عامة الشعب؟ هذا لم يكن مألوفاً، هذا لم يكن معتاداً. هذا كان، في الواقع، غير لائق.
القصر له حرمته. هناك حدود بين عالم الخدم وعالم السادة، بين الضيوف وأفراد العائلة الحاكمة، بين ما هو مقبول وما هو مرفوض. زيارة رجل لغرفة امرأة – أي امرأة – قبل أن تخرج وتستقبل بشكل لائق، كانت خرقاً صارخاً لكل قواعد اللياقة. وحتى لو كانت الضيفة من عامة الشعب، فكان من المفترض أن تنتظر في بهو الاستقبال، أو على الأقل أن تستعد للقاء في صالون رسمي. لكن أن يصعد هو… إلى غرفتها… وهي نائمة…
أدركت السيدة هادسون أن ما يحدث هو تجاوز لكل الخطوط. ليس مجرد خطوط بروتوكول، بل خطوط أخلاقية. الدوق، الذي عرفته طوال سنوات كرجل لا تشوبه شائبة، بارد ومنضبط حتى العظمة، كان يتصرف الآن بطريقة لو أن أي نبيل آخر تصرفها، لكانت الفضيحة قد ملأت أرجاء المجتمع الراقي.
ولكن…
لم تستطع أن تحرك ساكناً. لم تستطع أن تفتح فمها، ولا حتى أن ترسل إشارة اعتراض . كان صعود ذلك الظل على الدرج يخبر الجميع: هذا ما أريده. وهذا ما سأفعله. ولا أحد – لا هي، ولا أي خادم، ولا أي نبيل في هذا القصر – يملك الحق في الاعتراض، ولا حتى بالتلميح.
بقيت السيدة هادسون واقفة، محصورة بين معرفتها بالقواعد وعجزها المطلق عن تطبيقها. كانت تعلم أن ما يحدث خطأ، لكنها كانت أيضاً تعلم أن وقفتها عند سفح الدرج، في تلك اللحظة، كانت مجرد شاهدة على قوة مطلقة لا تعترف بأي قواعد، ولا تخضع لأي حرمات.
التفتت السيدة هادسون أخيراً نحو الخادمات اللواتي كن يقفن على مسافة محترمة، ينتظرن التعليمات. نظرتهن كانت استفهامية حتى أنهن كن يتجنبن النظر إليها كما لو كن يحاولون الاختفاء في الجدران. كانت تعلم أنهم جميعاً رأوا. ورأوا أيضاً عجزها هي عن فعل أي شيء. وأن هذا المشهد، هذه الليلة، سيبقى محفوراً في ذاكرة كل من شاهدوه، كدليل على أن القواعد التي يحكمون بها حياتهم كلها… قد لا تعني شيئاً عندما يقرر السيد أن يضعها جانباً.
استعادت بعضا من رباطة جأشها ثم بدأت في إصدار أوامرها بهدوء متجدد .
التعليقات لهذا الفصل " 26"