كان قصر المؤتمرات “فيرفوكس” في ألدوريا يغلي تحت سطحه الرخامي الهادئ. في القاعة الكبرى، حيث كانت صور الملوك والأبطال العسكريين تطل من على الجدران العالية، تجمع النبلاء وأعضاء البرلمان للتصويت على أحد أكثر المقترحات إثارة للجدل: قانون المساواة في الترقيات العسكرية.
في قلب هذه العاصفة، وقف الدوق ليون، منتصباً كصاري سفينة في بحر مضطرب. بجانبه، كصخرة أخرى صلبة، وقف الكونت ليوبولد، زوج خالته. كونه رئيس أركان الجيش المتقاعد أعطى كلمته ثقلاً لا يُستهان بها في جو محموم لا يعترف الا بالقوة ، كان زوج خالته حليفاً استراتيجياً لا يقدر بثمن لليون في هذه المعركة.
“المعارضون سيركزون على كسر التقاليد، على ‘تلويث’ صفوف الضباط النبلاء.” قال ليوبولد بصوته الخشن، منخفضاً كهدير بعيد. “لكن حجتنا أقوى: الدماء الزرقاء لا توقف الرصاصة في الميدان. الجيش القوي يُبنى على الكفاءة، لا على النسب.”
كان ليون ينصت، عيناه تمسحان القاعة، تحللان الوجوه، تحسبان الأصوات ببرود ، هذا المقترح كان مشروعه الشخصي لسنوات. لقد رأى بنفسه في ساحات القتال كيف أن العبقرية العسكرية والشجاعة يمكن أن توجد في ابن فلاح أو تاجر صغير، وكيف أن الغرور والغباء يمكن أن يدفعا بابن دوّق إلى الهزيمة. من أجل قوة فروفانتا الحقيقية، كان يجب كسر هذه القيود.
“تذكر، ليون،” همس ليوبولد، “الكثيرون يوافقونك في السر، لكن الخوف من فقدان الامتياز يجعلهم يعارضونك في العلن. يجب أن تجعل الخوف من ضعف الجيش أقوى من خوفهم هذا.”
بدأت الجلسة. كانت الخطب تتصاعد، بعضها يحمل نبرة وطنية حماسية تدعم القانون، والآخر يحمل نبرة الحنين إلى “المجد القديم” وتفوق الدم النبيل. ليون تحدث أخيراً. لم يرفع صوته، لكن كل كلمة كانت كطلقة مدفع واضحة:
“لقد قاتلت إلى جوار رجال من كل طبقة. الدم الذي سال على أرض المعركة كان أحمر متطابقاً. لا يسأل العدو عن لقبك قبل أن يوجه إليك سيفه. جيشنا يحتاج إلى أفضل العقول، وأشجع القلوب، وأمهر الإستراتيجيين. وهذا لا يعرف حدوداً طبقية. رفض هذا القانون ليس دفاعاً عن التقاليد، بل هو استسلام للضعف، وضربة لقلب أمننا القومي.”
كانت الكلمات مُحكمة، قاسية، وغير قابلة للجدل من منطقها العسكري الصرف. رأى كيف أن بعض النبلاء الأصغر سناً، أولئك الذين خدموا تحت إمرته، أومأوا برؤوسهم. حتى بعض المعارضين القدامى بدوا مترددين.
عندما جاء وقت التصويت، كان الجو مشحوناً. الأيدي ارتفعت واحدة تلو الأخرى. كان ليوبولد يراقب بتركيز صقري، يحسب في صمت. و بدأ فخره بكونه عرابا للدوق ليون يتسع و يتعاظم في تلك اللحظة .
وأخيراً، أُعلنت النتيجة. الموافقة.
لم يبتسم ليون. لكن هناك شعوراً عميقاً بالرضا، وبالنصر الذي يتجاوز السياسة البسيطة. كان هذا انتصاراً لمبادئه، لنظرته إلى العالم القائمة على الجدارة والسيطرة. في هذه اللحظة، وسط التصفيقات المتحفظة والهمسات المحمومة، شعر بأنه في أوج قوته. لقد هزم تحيزات قرون بمنطق وإرادة حديدية.
التفت إلى ليوبولد، وأومأ له برأس شكر صامت. كانت معركته هنا قد انتهت وانتصر. والآن، حان وقت معركته الأخرى، المعركة الشخصية الغريبة التي تنتظره في كاربال.
*****★********★
بعد أن خف ضجيج القاعة وتناثر النواب والنبلاء في الممرات، وجد ليون نفسه في ركن هادئ من صالون “فيرفوكس” الخاص بكبار الشخصيات. هناك، تحت صورة ضخمة للملك المؤسس، كان الكونت ليوبولد ينتظره، يحمل كأسين من الويسكي القديم.
“من أجل فروفانتا. ومن أجل العقول التي تحميها، بغض النظر عن ألقابها.” قال ليوبولد، وهو يمد الكأس لليون.
تناول ليون الكأس، ولمس حافة كأس ليوبولد بلمسة خفيفة. “من أجل الحكمة التي تدعم هذه العقول.” رد، في إشارة نادرة للاعتراف بالجميل.
شربا في صمت للحظة. ثم نظر ليوبولد إلى ابنه بالعرابة ، والفخر يملأ عينيه الزرقاوين الواضحتين. كان أكثر من مجرد حليف؛ كان العراب. هو الذي رشح الشاب ليون للأكاديمية العسكرية الملكية، هو الذي لمح الشرارة الأولى للعبقرية للدوق .
“لقد نفذت اليوم ما كان حلم الكثيرين منا، لكن قلوبنا كانت تفتقر إلى جرأة إعلانه.” قال ليوبولد، صوته منخفضاً وحميمياً. “لطالما آمنت أن القوة الحقيقية تكمن في الجدارة. وأنت اليوم، يا ليون، جعلت هذا الإيمان قانوناً.”
لم يكن ليون معتاداً على التلميحات العاطفية، حتى من ليوبولد. لكنه احترم هذا الرجل أكثر من أي شخص آخر على قيد الحياة. “لولاك، لما وصلت إلى المكان الذي سمح لي فيه بفعله.”
ابتسم ليوبولد ابتسامة نادرة، تجعدت حول عينيه. “لا تخطئ. لقد صنعت طريقك بنفسك. أنا فقط أزلت بعض الحجارة من دربك.” ثم اتجهت نظراته نحو النافذة. “كاربال… لقد أتيت منها للتو، أليس كذلك؟ قبل الاجتماع بأيام قليلة.”
كانت الملاحظة حادة. “نعم. كانت زيارة قصيرة.”
بعد لحظة ظهر الماركيز ويلغريم الذي انضم إليهم بحماس و هو بحمل زجاجة ويسكي بعد سماع النتيجة.
“خطابك كان قاضياً، ليون!” قال الماركيز ويلرغيم وهو يملأ الكؤوس بمشروب نادر من أقبية قصره. “حولتَ نقاش الامتيازات إلى مسألة أمن قومي. هذه براعة سياسية من الطراز الأول.”
قَبِل ليون المجاملة بإيماءة خفيفة من رأسه، لكن عينيه كانتا على ليوبولد. كان العراب جالساً في كرسي جلدي عميق، يبدو مرتاحاً لكن عينيه الزرقاوين البارزتين كانتا تراقبان كل شيء.
“لقد كانت المعركة تستحق، أليس كذلك يا بني؟” قال ليوبولد، مستخدماً لقب “بني” الذي لم يستخدمه أحد غيره مع ليون منذ صباه. “لكن الانتصار في القاعة أحياناً ما يكون أسهل من تنفيذه على الأرض. سيكون هناك مقاومة خفية في صفوف الجيش.”
“أنا أعلم.” رد ليون، صوته هادئاً وواثقاً. “لكن النظام العسكري لا يترك مجالاً كبيراً للمناورة لمن يعترض. وسيكون المراقبون من حلفائي.”
كان يستمع باحترام نادر لكل كلمة تخرج من فم ليوبولد. كان هذا الرجل هو من رأى في الولد المعقد والبارد بعد وفاة والده، ليس مجرد دوق مستقبلي، بل عقلًا استراتيجياً فذاً. هو من دفع به إلى الأكاديمية العسكرية، ودرّبه شخصياً على قراءة الخرائط وتكتيكات المعارك قبل أن يتعلمها من كتبه. احترام ليون لعرابه لم يكن قائماً على العاطفة العائلية البسيطة، بل على اعتراف عميق بالدَين الذي لا يمكن سداده: دَين الرؤية.
“التنفيذ سيحتاج إلى عين ثاقبة،” واصل ليوبولد، “وعقل لا يمل من التفاصيل. مثلك.” ثم أضاف، وكأنه يغير الموضوع، لكنه في الواقع كان يربط بين المعركتين: “كاربال… مدينة جميلة، لكنها كأي آلة معقدة. إدارتها عن بُعد تحتاج إلى نفس العين الدقيقة.”
دخل الماركيز ويلرغيم إلى المحادثة. “آه، كاربال! تحفة العمارة الحديثة. زوجتي لا تزال تتحدث عن الحدائق الشتوية في قصرك هناك، ليون. يجب أن تزورها أكثر.”
“المسؤوليات في العاصمة تستهلك الوقت.” رد ليون بتحفظ.
“بالطبع، بالطبع.” قال ويلرغيم، ثم أومأ نحو ليوبولد. “لكن الكونت هنا محق. النظرة الشخصية لا تعوض. كما أن الهواء في كاربال أنقى، ممتاز للصحة، كما أظن.”
كانت المحادثة سطحية، لكن تحت السطح، كان هناك تيار من الفهم بين ليون وليوبولد. العراب كان يلمح، بطريقته الدبلوماسية، إلى أن عودة ليون المفاجئة والمتكررة إلى كاربال قد تكون ضرورية، وربما متعلقة بشيء أكثر من مجرد إدارة روتينية. وكان ليون، بإصغائه الواضح لكل نصيحة من ليوبولد، يقر بذلك دون كلمات.
انزلق حديث الماركيز ويلرغيم من موضوع الانتصار التشريعي إلى ما اعتبره الخطوة المنطقية التالية. “والآن، يا عزيزي ليون، مع استقرار الأمور العسكرية، ربما حان الوقت لتفكر في استقرار آخر… أكثر شخصيًا.” قال ويلرغيم بابتسامة دافئة. “العائلة. الوريث. المملكة تتطلع إلى دوقها.”
كان تفكير الماركيز منطقيا في نظره ، فلطالما تساءل مجتمع ألدوريا عن سبب عزوف الدوق االذي كان في قمة شبابه و قوته عن الزواج .
لم يبدُ ليون أي رد فعل، لكن صمته كان ثقيلاً. كان سيقطع مثل هذه المحادثة مع أي شخص آخر دون تردد. لكن وجود ليوبولد جعله يحتفظ بهدوئه الظاهري، رغم أن عينيه برقتا بلون أغمق.
التفت ليوبولد نحو ويلرغيم، ثم إلى ليون. كانت نظرة العراب تحمل فهماً، وربما قدراً ضئيلاً من التوجس. “الزواج ليس معركة يمكن كسبها بخطة، يا ويلرغيم. إنه… تحالف مختلف.” قال ذلك بهدوء، محاولاً تخفيف حدة الموقف.
“بالطبع، بالطبع!” ضحك الماركيز
تدخل العراب اخيرا “ولكن حتى التحالف يحتاج إلى بداية. والدتك، الدوقة إليانور، ذكرت لي مؤخراً قلَقها. إنها تأمل في رؤية عائلة تستمر.”
أدرك ليون فجأة الأمر. زيارة والدته لقصر الكونت ليوبولد في كاربال لملاقاة خالته لم تكن للمتعة فقط. كانت حملة دبلوماسية عائلية. لقد أرسلت ليوبولد، الحليف الأقوى والأكثر حكمة، كرسول غير مباشر.
كان الزواج في نظر ليون دائمًا مجرد صفقة، تحالف لتقوية النفوذ أو زيادة الثروة. وقد رأى في حفلات العاصمة ما يكفي من الزيجات الفارغة، من النبيلات اللواتي يبحثن عن لقب، والعائلات التي تبيع بناتها لمن يدفع أكثر. كانت كلها معاملات تافهة في سوق الألقاب، وهو لم يجد قط شخصاً في ذلك العالم يستحق عناء مشاركة حياته، ناهيك عن فراشه.
لكن فجأة، وبينما بدأ الماركيز يتكلم عن أهمية انجاب وريث .
تخيّل.
تخيل نفسه واقفاً أمام مذبح الكنيسة الملكية. تخيل رفع غطاء وجه العروس الأبيض الطويل، تلك اللحظة المقررة حيث تُكشف هوية شريكته للعالم..
وفي تلك اللحظة الخيالية، تحت ضوء الزجاج المعشق، لم يكن الوجه الذي ظهر هو وجه نبيلة مجهولة .
بل كانت العيون العسلية.
واسعة، صافية، تحمل في أعماقها ذلك المزيج الغريب من الخوف والتحدي الذي رآه في الإسطبل. كانت ملامح وجه نحيل، شاحب، كانت هي. الفتاة الصيدلانية. هيلينا .
الصورة داهمته بطريقة مباغتة ومفاجئة لدرجة أنها جعلته يتجمد للحظة، وكأن ضباباً غريباً غشي بصيرته الداخلية. شعر بوخزة غريبة، حادة وساخنة، في صدره. لم يكن اشتهاءً جسدياً فحسب – رغم أن الفكرة داهمت حواسه أيضاً – بل كان شيئاً أعمق: توقاً.
توق لأن تكون تلك اليد النحيلة الماهرة، التي تخلط الأعشاب بثقة، هي التي تمسك بيده. لأن يكون ذلك الصمت المتردد والهادئ هو ما يملأ غرفته الفارغة. لأن تكون تلك الهشاشة المرئية، التي أخفت قوة غريبة، هي التي تشاركه سريره، وحياته، وسلطته.
نظر إلى ليوبولد، وكان عرابه يحدق فيه بتلك النظرة الثاقبة التي لا تفوت شيئاً. وكأن ليوبولد قد قرأ انزياحاً ما في تعبير وجهه، رغم أن ملامح ليون كانت لا تزال كالتمثال.
“أعتقد أن الدوق لديه مفاهيم خاصة به عن الزواج والتحالف، يا ويلرغيم.” قال ليوبولد بهدوء، مبطناً إنهاء الموضوع. “والوقت كفيل بكشفها.”
كان ليوبولد رجلاً يعرف متى يتوقف. أومأ برأسه، واحتسى آخر جرعة من ويسكيه. “حسناً. تذكر دائماً، يا ليون، أن القوة الحقيقية ليست فقط في صنع القوانين، بل في فهم كل العوامل في معادلتك، حتى تلك التي تبدو صغيرة وضعيفة. لأنها أحياناً، هي التي تحدث أكبر الاختلالات”
لكن الضرر – أو الإلهام – قد وقع. بعد أن غادر الضيوف وبقي ليون وحده في مكتبه الفخم، كانت تلك الصورة الملعونة لا تزال عالقة في ذهنه: هيلينا في ثوب زفاف بسيط ، تنظر إليه من تحت غطاء الوجه المرتفع.
ضحك من نفسه ، صار معتادا الان على تناوب الصور المتخيلة عنها تباعا و كانها جزء من يومه
لكن هذه المرة لم تكن مجرد صورة أو فكرة . كانت رغبة. رغبة خطيرة، غير منطقية، ومربكة تماماً. وكانت هذه الرغبة، أكثر من أي تقرير أو شعور بالسيطرة المهددة، هي التي جعلت قرار العودة إلى كاربال يتحول من خيار تكتيكي إلى حاجة ملحة، لا تقاوم. كان يجب أن يراها. الآن. كان يجب أن يواحه ذلك التوق الغريب، إما ليطرده بعيداً، أو… أو ليفعل شيئاً لم يخطط له مسبقاً في حياته المنظمة كلها.
التعليقات لهذا الفصل " 25"