في إسطبل قصر كاربال، كانت هيلينا تمر بساعات من التوتر المتراكم. كل العلامات على اقتراب ولادة الفرس “شادو” كانت قد ظهرت ثم خفت، مرة تلو الأخرى، دون أن تبلغ ذروتها. كانت الفرس قلقة، تتحرك في مكانها، ثم تستريح، وكأنها تتردد على حافة حدث كبير. كان على هيلينا أن تظل يقظة، تفحص الحيوان كل ساعتين، وتدون أدق التفاصيل.
كان الإرهاق يبدأ يتسلل إلى عظامها، ممزوجاً بالقلق. ماذا لو كان هناك مضاعفات خفية؟ ماذا لو فشلت في مهمتها؟ فكرة موت الفرس بسبب إهمال أو قصور من طرفها كانت كابوساً يطاردها.
في إحدى فترات الراحة القصيرة بين الفحوصات، ظهرت مولي على عتبة الإسطبل، تحمل في يديها وعاءً صغيراً من السيراميك.
“فكرت أنكِ قد تحتاجين إلى شيء منعش.” قالت الخادمة الشابة بابتسامة حماسية وهي تمد الوعاء. كان مليئاً بتوت بري طازج، حباته القرمزية الداكنة تلمع تحت الضوء الخافت. “جمعته من أطراف الغابة اليوم. حامض وحلو في نفس الوقت. يبعث على الانتعاش.”
شكرتها هيلينا ، وأخذت حفنة. نكهة التوت الحامضة والحلوة انفجرت في فمها، وكانت مفعماً بالحيوية بعد ساعات من القلق والروتين. جلستا معاً على كرسيين بسيطين قرب باب الإسطبل، تتناولان التوت بصمت للحظة.
“إنها محظوظة جداً، الفرس.” قالت مولي فجأة، محدقة في “شادو”. “للحصول على كل هذه العناية. لكن هذا معتاد هنا. عائلة الدوق… إنهم مختلفون.”
رفعت هيلينا رأسها، مهتمة رغما عنها.”مختلفون؟”
“نعم.” أكدت مولي، وخفضت صوتها قليلاً، وكأنها تشارك سراً. “إنهم صارمون، نعم. السيد الاكبر و والدته الدوقة الأم … يمكن أن يكونا مخيفين. لكنهم أيضاً… محترمون. أقصد، هناك نظام. الجميع يعرف واجباته. لا يوجد تعسف عشوائي، أو عقاب دون سبب، كما يحدث في بعض القصور الأخرى التي عملتُ فيها.”
توقفت، ثم أضافت: “والدوق نفسه… حتى الخدم القدامى يقولون إنه عادل. قاسٍ، لكن عادل. إذا عملت بجد واتبعت القواعد، فأنت في أمان. هو لا يتسامح مع الأخطاء الاخلاقية ،أيضاً لا يتسامح مع الظلم من الخدم تجاه بعضهم البعض. لقد طرد خادماً ذات مرة لأنه ثبت أنه يسرق من الخدم الآخرين، ليس من مخزن القصر.”
كانت هيلينا تستمع، تتناول حبة توت تلو الأخرى. كانت هذه صورة مختلفة عن الرجل الذي واجهته، الذي بدا وكأنه يريد سحقها بنظرة.
“يبدو أن الولادة ستتأخر يوماً آخر على الأقل.” قالت هيلينا محولة الموضوع بعيداً عن الدوق.
“حسناً، هذا يعني أنكِ ستظلين معنا لفترة أطول.” قالت مولي ببساطة، ثم نهضت. “سأعود لاحقاً لأرى إذا كنتِ تحتاجين إلى شيء.”
بعد أن غادرت مولي، بقيت هيلينا جالسة، تحدق في الفرس. أفكارها كانت متضاربة. من ناحية، كان القصر نظاماً صارماً أشعرها بالاختناق. من ناحية أخرى، ما قالته مولي عن العدالة والنظام كان يتردد في ذهنها. كانت تعيش في أحياء رأت فيها الظلم العشوائي، حيث الأقوياء يسحقون الضعفاء دون سبب. هنا، على الأقل، بدا الظلم – إن وجد – منظماً ويمكن توقعه.
لكن لماذا شعرت هي بالتهديد الشخصي منه؟ هل لأنها كانت دخيلة، خارج النظام الذي يحكمه؟ أم لأن هناك شيئاً في علاقتها به يتجاوز دور الخادم والسيد؟
التقطت آخر حبة توت من الوعاء. طعمها كان حامضاً بشكل لاذع، ثم حلواً فجأة. وكانت علاقتها بالدوق ليون تشبه ذلك التوت تماماا .
*********★*******★******
عادت الدوقة الأرملة إليانور إلى قصر كاربال مع ما تبقى من ضوء الظهيرة، محملة بتعب الرحلة وتفاصيل زيارة أختها التي امتدت ليومين كاملين. كان عودتها تحمل عادةً هزة طفيفة في نظام القصر، حيث تستعيد السيطرة الفعلية فور وصولها. لكن اليوم، كان هناك شيء في الهواء قبل حتى أن تخلع معطف السفر الفاخر.
خادمتها الشخصية المخلصة، ماريان، وهي امرأة هادئة ومراقبة حادة كنسر، كانت تساعدها في خلع الملابس في جناحها الخاص. حركات ماريان كانت مهذبة كالعادة، لكن هناك تردداً طفيفاً في يدها عندما مدت لاستخذام دبوس من على كتف إليانور.
“سيدتي… هناك أمر غريب حدث خلال غيابك.” بدأت ماريان بصوت منخفض، محايد، لكنه واضح.
رفعت إليانور حاجبها الواحد بشكل طفيف، وهي تشير لها بالمتابعة.
“الصيدلانية… الفتاة التي تعتني بفرس الدوق. السيدة هاديسون و بأمر مباشر من الدوق ليون نفسه، قد أعدّت لها الإقامة في… الغرفة الزرقاء.”
سُمع صمت قصير، ثم فقط صوت الدوقة وهي تتنفس ببطء. الغرفة الزرقاء. ليست غرفة الخدم، ولا حتى غرفة ضيوف العائلة الثانويين. كانت لغبار النبلاء الزائرين. أن توضع فيها فتاة من عامة الشعب، وبأمر من ابنها الشخصي، كان أكثر من خرق للبروتوكول. كان إعلاناً غريباً، بل ومثيراً للريبة.
“المدة؟” سألت إليانور، صوتها بارد ومسيطر.
“حتى تنتهي حالة الفرس ووضعها، كما قيل.”
“وأين هي الآن؟”
“في الإسطبل، سيدتي. تذهب وتعود عبر ممرات الخدم. السيدة هادسون أشرفت على الترتيبات.” أضافت ماريان مجددا و بسرعة، كمن تريد تبرئة نفسها من أي تقصير.
جلست إليانور أمام مرآة الزينة، وبدأت ماريان في فك ضفائر شعرها المعقدة. عينا الدوقة في المرآة كانتا تفكران بسرعة. كان رد فعلها الطبيعي هو الغضب، التدخل الفوري، وطرد تلك المتطفلة من جناح النبلاء وإعادتها إلى مكانها “المناسب”. لكنها توقفت.
ليون. كان هذا الأمر صادر منه شخصياً. ولم يكن ابنها رجلاً يتصرف جزافاً. كل حركة، كل كلمة، كل قرار – حتى تلك التي بدت غريبة – كانت مدروسة، وهادفة، وتخدم استراتيجية أوسع في عقله الذي لا ترى أغواره. لماذا إذن؟ لماذا هذه الفتاة بالذات؟ لماذا هذه الغرفة بالذات؟
كان فضولها كأم – وأيضاً كسيدة قصر حريصة على النظام – يشتعل. لكن حذرها السياسي، ومعرفتها بقوة ابنها وإرادته التي لا تقهر، جعلتها تتراجع. معارضته علناً في أمر أصدره لن تضعف موقفها فحسب، بل قد تغلق أمامها أبواب فهم دوافعه الحقيقية.
“اتركيها.” قالت أخيراً، صوتها هادئاً وحاسماً. “ولكن أريد معرفة كل شيء. كل تحركاتها. مع من تتفاعل. كيف تتصرف. و… كيف يعاملها الخدم.”
“حاضر، سيدتي.”
“وأنتِ، ماريان، لا تتدخلي. راقبي فقط. ابقي عينيكِ مفتوحتين. أريد أن أعرف لماذا وجد ليون أن هذه… الفتاة… تستحق هذا الاستثناء.”
نهضت من كرسيها، واقفة أمام النافذة المطلة على الحديقة. كانت قلقة، بلا شك. كان هناك شيء في هذا الوضع لم تفهمه، وشيء لا تفهمه يجعله خطيراً. لكنها كانت أيضاً أميرة دربتها الحياة في البلاط الإمبراطوري على مواقف مليئة بالمكائد. وكانت تعرف أن أفضل طريقة لمواجهة لغز، ليست بالهجوم الأمامي، بل بالمراقبة الصبورة .
قررت أن تنتظر. لأنها على يقين من أن قرار ابنها هذا لم يكن اعتباطياً. وكانت مصممة على اكتشاف السبب الحقيقي وراءه، حتى لو اضطرت إلى مشاهدة هذه الفتاة الغريبة تسكن في غرفة كانت مخصصة لنساء من دمائها، وتتحرك في أطراف عالمها كشبح غير مرحب به، ولكنه – وبأمر من سيد القصر نفسه – محمي مؤقتاً من غضبها.
التعليقات لهذا الفصل " 24"