من بين الخدم الواقفين مذهولين يرقبون الموقف بأنفاس محبوسة، سارع كبير الخدم إلى ضبط تعابير وجهه وانحنى بأدب.
كان هذا الرجل قد شغل منصب كبير خدم القصر الإمبراطوري سابقًا، إلا أن حالته الصحية المتدهورة دفعته إلى تولي الإشراف الكامل على هذا القصر. أما منصبه القديم، فقد آل الآن إلى ابنه، لكنه ظلّ، قلبًا وقالبًا، من رجال إيجنيس المخلصين.
“الآنسة كارينتينا لا بد أن تكون مرهقة، اعتنِ بها شخصيًا ووفّر لها كل وسائل الراحة الممكنة.”
توقف كبير الخدم لحظة عن التنفس، ثم أجاب بهدوء وانحنى بعمق.
قالتها ستيلا بعينين تبرقان كنجمتين، وهي تشدّ كارينتينا نحو حديقة القصر.
مررن من ساحة التدريب حيث تعالت أصوات فرسانٍ يتمرّنون.
“ها هو المكان!”
“يا إلهي…!”
توقّفت كارينتينا فجأة، وكأن أنفاسها اختُطفت.
كان المكان مُزهِرًا بعناقيد من الزهر الأبيض،
جمالٌ لا تسع الكلمات لوصفه.
تراقصت بتلات الزهور الصغيرة على أنغام النسيم الربيعي، وكأنها ترقص لأجل قلبٍ كان بحاجة ماسة للحب.
وقفت كارينتينا مدهوشة تتأمل ذلك المشهد المترف، بينما ارتسمت على وجه ستيلا ابتسامةٌ راضية.
“إنها زهور اللوز. أليست جميلة؟ كانت الشجرة المفضّلة لدى أمي، أقصد، الراحلة جلالتها.”
رمشت كارينتينا، وهمست لنفسها: آه… هذه إذًا زهور اللوز.
تشبه أزهار الكرز، رقيقة ومضيئة، كما لو أنّ مهرجانًا للزهور أقيم خصيصًا من أجلها.
“إنها فاتنة بحق…”
“أليس كذلك؟ حتى أخي يحب هذا المكان، وأنا أيضًا! لأننا نستطيع التخلّي هنا عن قيود القصر الإمبراطوري.”
“ماذا تعنين؟”
“أنا لم أرَ والدتي قط. من الصعب عليّ مناداتها بـ(جلالتها) وكأنها غريبة. لكن هنا… لا أحد يُملي عليّ ما أقول. هنا أستطيع فقط أن أناديها أمي. أخي قال لي إنني أستطيع أن أكون طفلة طبيعية هنا.”
ابتسمت كارينتينا، وتخيلت إغنيس وستيلّا وهما يقضيان الوقت في هذا المكان، ببساطة ودفء.
ثم أدركت أنّ دخولها إلى القصر قريب،
وأنها حينها لن تستطيع مناداة ستيلا باسمها بهذه الألفة.
منذ لقائهما الأول، كانت ستيلا طفلةً محبوبة،
لكنها لم تتوقع أن تُصبح بهذه الأهمية في قلبها.
“أجل، يبدو رائعًا ألا نُضطر لاتباع البروتوكولات هنا… سأستمتع بمناداتكِ باسمكِ بكل أريحية، ستيلا.”
“بما أننا نحب هذا المكان كثيرًا، ما رأيكِ أن نقيم فيه نزهةً غدًا؟”
أن تقضي نزهةً في هذا الفردوس المزهِر… مجرد الفكرة كانت كفيلة بإسعاد قلب كارينتينا.
“أوافق تمامًا.”
✦ ━━━━━━━ ⸙ ━━━━━━━ ✦
عادت كارينتينا إلى القصر بعد أن قضت وقتًا ممتعًا في تأمّل زهور اللوز برفقة ستيلا.
“واو… الغرفة فاتنة…”
سقفٌ مرتفع، وضوءٌ ناعم يغمر أرجاء المكان،
وكل ركن فيه يشعّ أناقة وهدوءًا.
كانت نافذتها الكبيرة تطلّ على منظر خلابٍ للقرية،
بينما تغمرها أشعة الشمس الذهبية.
كارينتينا لم تستطع كبح إعجابها،
حتى أنها فقدت عدد المرات التي تمتمت فيها بكلمة “جميل” منذ لحظة وصولها.
“هذه الغرفة كانت تقابل جناح جلالة الإمبراطورة السابقة مباشرة،
وجناحها نفسه ستُقيم فيه سموكِ، الأميرة.
رغم أن الحجم مماثل، إلا أن هذه الغرفة لم تستقبل ضيفًا من قبل.
سعادتكِ أنتِ أول من يخطو فيها.”
رفعت كارينتينا عينيها بدهشة نحو الخادمة الكبرى التي كانت تشرح بلطفٍ وابتسامةٍ خافتة.
“هل… هل يصح أن أُقيم في غرفةٍ كهذه؟”
“لقد أوصانا سموّ الأمير مرارًا أن نوفر لكِ كل سبل الراحة حتى موعد مغادرته إلى العاصمة.”
“آه…”
حرارة مفاجئة صعدت إلى خديها.
أدركت كم أن إيجنيس كان يعتني بها بصمت.
خشيت أن تلاحظ الخادمة ارتباكها، فأسرعت بتحويل نظرها نحو أرجاء الغرفة.
“سموّه يقيم في الطابق العلوي، لذا إن احتجتِ شيئًا فلا تترددي.”
“شكرًا لكِ.”
ما إن غادرت الخادمة حتى رمت كارينتينا بجسدها على السرير المحفور بتصميم فاخر،
فأسرعت ليا بوضح كرة قطنٍ ناعمة على جبينها.
『هل أنتي بخير؟ ألم تشعري بأي تعب؟』
“أنا بخير… ربما لأن الطقس رائع، أشعر وكأنني في عطلة…”
تنهد شيون بصوت خافت وقال:
“استرخي قدر ما تستطيعين، حتى يحين موعد العودة للعاصمة… لا أحد يعلم ما الذي سيحدث حينها.
لكن لا تقلقي، سأبقى بجانبكِ دومًا.”
نظرت كارينتينا إلى شيون وليا بالتناوب، ثم أومأت ببطء.
ارتاحا قليلًا، لكن كارينتينا كانت تُخفي قلقًا حقيقيًا تحت تلك الابتسامة.
لقد أثّرت فيها المحادثة التي استمعت إليها في العربة…
بين إيجنيس وداميان وسيريا.
‘موكب الانتصار… كلما فكّرت به، ازداد قلبي ثِقلاً.’
‘رغم أن اقتراح إقامة موكب الانتصار قد أُقرّ، إلا أنّ هيمنة حزب النبلاء حالت دون إقامة أي مراسم ترحيبية تُذكر.’
كل ما سيحدث هو أن إيجنيس وفِرقة صيده سيجتازون الطريق حتى القصر الإمبراطوري،
ويستقبلون كلمات مجاملة من الإمبراطورة بدلًا من الإمبراطور المريض طريح الفراش.
يبدو أن نفوذ حزب النبلاء بقيادة دوق هورتون كان أعظم مما ظن الجميع.
شعرت كارينتينا بدوارٍ مفاجئٍ يجتاحها،
فأغمضت عينيها بإحكام، تحاول التماسك.
في الآونة الأخيرة، ومنذ أن بدأ شيون وريا في البحث حول ذلك المرض القديم،
بات جسدها يثقل تدريجيًا كلما تسربت منها طاقتها السحرية دون سابق إنذار.
وكانت ليا تراقب حالتها باهتمام بالغ، لأجل هذا السبب تحديدًا.
‘فقط القليل من الصبر… اقتربنا كثيرًا.
حالما أعود إلى العاصمة، سأتمكن من استعادة قواي.’
استنشقت كارينتينا عبير الأزهار المنبعث من النافذة المفتوحة،
ثم فتحت عينيها مجددًا، تتأمل السماء التي انعكست في زجاج النافذة كلوحة حُلمية.
وفجأة، شعرت بنقرةٍ خفيفة.
كانت ليا، التي كانت تفتش بين بعض الأوراق، تنظر إليها بعينين متسعتين:
『كارينتينا… لكن من أين أتيتِ بهذا السجل؟』
“سجل؟”
اعتدلت كارينتينا في جلستها على السرير، وأخذت الأوراق من ريّا تتفحّصها بعينين مشكّكتين.
الخط؟ أشبه بالخربشة. أو ربما بلغة أجنبية؟
أم أنه… رموز مشفّرة؟
كانت حروفًا غريبة لا سبيل إلى فكّها بسهولة.
ثم—كأن بابًا في ذاكرتها فُتح فجأة—تذكّرت.
“آه… هذا السجل كان مع القرصان أوزويل، تابع دوق هورتون.
حينها أعطاني جوزيف إياه لتمعّنه مؤقتًا.
ولأنني خشيت أن يكون فيه ما يهم، أمرت سيون أن ينسخه كاملًا.”
لم تكن تذكر وجود شيء يخصّ الأطفال داخله،
ولهذا نسيَته لاحقًا… إلى أن عثرت عليه ريّا أثناء بحثها.
وبالنسبة لسيون، فقد كان نسخ المحتوى أمرًا هيّنًا كمن يشرب حساءً.
فهو لم يقرأه بل اكتفى بنقله كما هو.
وها هو الآن، يطالع الأوراق، وفي صوته نغمةٌ ثقيلة:
“هذه لغة «فراوي».”
“لغة فراوي؟”
“أجل. إنها اللغة المظلمة التي استخدمها السحرة القدماء.”
توسّعت عينا كارينتينا.
تلك كانت المرة الأولى التي تسمع فيها بهذا الاسم.
كانت تعرف القصة القديمة،
حين اتّحدت المعابد والإمبراطورية لطرد السحرة الذين ألحقوا الأذى بالبشر،
لكنها ظنّت أنها مجرد أسطورة.
حتى في الرواية الأصلية التي قرأتها، لم يُذكر السحرة ولو لمرة واحدة.
كأنهم محوا من الوجود… منسيون تمامًا.
لغة الظلام…
اجتاحها شعور شرير، زحف ببطء على أطرافها كأفعى تهمس بالخطر.
“شيون… هل يمكنك فكّ رموزها؟”
“لا أستطيع الجزم…
يُقال إن قراءة هذه اللغة وحدها قد تُلوّث قارئها،
ولهذا لا بد من طاقة نقية قادرة على تطهيرها أثناء الترجمة.
ومن حسن الحظ… ليا هنا.”
“إذن، كنا بحاجة إلى طاقة النقاء…”
تنفّست كارينتينا الصعداء داخليًا.
“لكن المشكلة ليست اللغة بحد ذاتها.”
“هاه؟ ما المشكلة إذن؟”
صاح شيون فجأة، بصوتٍ منفعِل:
“لأجل ذلك، سأضطر لسرقة طاقتكِ من جديد!”
“آه…”
ضحكت كارينتينا بخفّة، على مبالغته الغاضبة.
‘ولكن، لا يمكنني الاستسلام الآن…’
كانت تريد أن تفعل شيئًا لأجل إغنيس وستيلّا.
وكانت الهواجس التي تملأها لا تترك لها مجالًا للسكينة.
“سأتمنّى أمنية…
رجاءً، فسّروا لي هذه اللغة، واعثروا على الطريقة.”
في تلك اللحظة، سحبت ليا كمّ كارينتينا برجاء،
وكان صوتها مفعمًا بالقلق:
『كارينتينا… أرجوكِ، لا تستخدمي المزيد من طاقتكِ.』
وأومأ شيون موافقًا بصمت.
كانت كارينتينا تفهم تمامًا ما الذي يقلقهم.
لكنها هزّت رأسها وقالت:
“أنا أيضًا… لا أريد الموت.
لكنني أظن أن هذا الأمر يستحق المخاطرة.
تحمّلوا أنانيّتي… فقط لوقتٍ قليل.”
صمتت ليا، وصمت شيون، ولم ينبس أحدهما ببنت شفة.
وفي الخارج،
كان الأفق قد غرق بلون الغروب… قرمزيًا، حارقًا، كأنما السماء تنزف.
✦ ━━━━━━━ ⸙ ━━━━━━━ ✦
تم تحديد موعد موكب النصر بعد ثلاثة أيام.
وكانت المسافة بين أرض إيجنيس والعاصمة لا تستغرق سوى ساعة على ظهر الخيل.
وإذا ما احتُسبت فترة انطلاق الموكب من حدود المقاطعة إلى القصر الإمبراطوري،
التعليقات لهذا الفصل " 65"