“ذلك الوغد، ولي العهد، قد تقدَّم بمقترح إقامة مراسم النصر كأحد بنود الاجتماع.”
“ماذا… ماذا قلت؟!”
حدّة النظرة في عينيّ الإمبراطورة كريستينا أصبحت أشبه بخنجر مسموم. كانت ترغب بتمزيق إغنيس إربًا، رغم أنه لم يكن حاضرًا في المكان.
مراسم النصر؟!
يا له من كلامٍ سخيف ومثير للغثيان!
كم من المال والجهد والسنين قضتها في تلطيخ سمعته، وزرع الشك في اسمه؟!
لقد كان لسنوات محل ازدراء وريبة، خصوصًا بعد الحرب التي دارت على أطراف الإمبراطورية ضد قبائل البرابرة. ورغم أنه لم يُدَن رسميًا، إلا أن صورته قد شوهت بما يكفي.
والآن؟ بعد نجاحه في القضاء على الوحوش وعودته منتصرًا…
لو أُقيمت تلك المراسم فعلًا، فإن سمعته ستُقلب رأسًا على عقب في لمح البصر.
“أبي، لا بد وأن تلك المراسم قد رُفضت، أليس كذلك؟”
“الأمر ليس بهذه البساطة…”
تنهد دوق هورتن طويلًا وأطبق شفتيه بصمت.
“كيـــــــااااه!!”
صرخة غاضبة تردّدت بين جدران القاعة، أطلقتها الإمبراطورة وقد ارتعشت أطرافها وامتلأت عيناها بالعروق الحمراء. ارتعد جسدها، حتى ظنّ الدوق لوهلة أنها ستنفجر.
“لا تبالغي في قلقكِ، يا ابنتي. ستُقام مراسم النصر، نعم، لكن… لن تكون مراسم نصر على الإطلاق.”
توقفت الإمبراطورة عن الصراخ، وحدّقت فيه بعينين متقدتين بالغضب والذهول.
“لا أفهم… ما الذي تعنيه بذلك؟”
“ببساطة، لن تُقام أي احتفالات. لا ألعاب نارية، لا حفلات راقصة، ولا كلمات ترحيبية. مجرد موكب خالٍ من البهاء، أشبه بإعلان عودة روتينية ليس إلا.”
عندها هدأت الإمبراطورة قليلًا، وألقت بجسدها على الأريكة بنظرة متجهمة.
“حسنًا، على الأقل… ليس بالسوء الذي تخيلته.”
“هذا لأن نفوذ حزب النبلاء ما زال متفوقًا، ولهذا استطعنا تقليص أبعاد هذه المراسم. لكن يجب أن نُعزز قوتنا أكثر، حتى لا تسمح تلك الحثالة الإمبراطورية أن تعبث بما لا يخصها.”
أي باختصار: نحتاج إلى المزيد من المال.
عبست كريستينا وهي تعض على شفتيها.
لقد أصبح معظم خزائن القصر تموِّل حزب النبلاء، وحتى الأرباح القادمة من صبغة أصداف قوس القزح والأبراج الكيماوية الفاخرة تذهب جميعها إلى جيب الدوق هورتن.
ولكنه مع ذلك، ما زال ينهش من كل اتجاه، كما لو أنه الإمبراطور ذاته.
أخفت الإمبراطورة امتعاضها بابتسامة هادئة وأنيقة، فواصل الدوق حديثه وهو يضغط على نبرة السخرية في صوته:
“وبالنسبة لمسألة خِطبة إستيفان، أراكِ ما زلتِ غير مقتنعة بتلك الحمقاء، ليديا موريس، أليس كذلك؟”
لم تُجبه كريستينا. قبضت على يدها أسفل الطاولة وارتجف جسدها بأكمله.
مجرد التفكير بأن فتاة بتلك التفاهة سترتبط بولدها… كان كافيًا لملء قلبها بالقرف والاشمئزاز.
تعلم تمامًا أن الدوق لم يكن يجهل مشاعرها. بل كانت تعلم خطته بدقة: استخدام زواجٍ ظاهريّ للإمساك بشمال البلاد في قبضته.
وبعدها؟ سيتم التخلص من عائلة موريس كلها كما تُسحق الحشرات.
لكن الإمبراطورة، رغم كل شيء، لم تكن تحتمل أن يُرتبط اسم ولدها بشيء تافه إلى هذا الحد، حتى وإن كان ارتباطًا عابرًا.
“أوه، يا ابنتي…” تمتم الدوق هورتن بازدراء، “الفتيات الحمقاوات سهل التلاعب بهن. ومن الطبيعي أن يُجرب الرجل العديد من النساء قبل أن يصبح قائدًا حقيقيًا.”
“…سأفكر في الأمر.”
“هل تظنينني سأربط حفيدي بتلك النكرة؟ لا يا عزيزتي، حين نسيطر على مناجم الأحجار السحرية، ستُرمى تلك الفتاة إلى الهامش. كل ما أطلبه الآن مجرد تمثيلية. دعيهم يتنفسون الأمل، ريثما نُسقطهم جميعًا.”
“أفهم جيدًا ما ترمي إليه.”
نظر إليها باستغراب، وكأنها كانت لغزًا لم يتمكن من حله أبدًا. وفي داخله، كان مقتنعًا بأن كل هذه الفوضى… سببها ضعفها.
لو كانت قد أسرَت قلب الإمبراطور منذ البداية، لما وصلوا إلى هذا الحد من التعقيد والمخاطرة.
رفع جسده بتثاقل، أغلق أزرار سترته، وخرج من جناحها دون أن يلتفت.
✦ ━━━━━━━ ⸙ ━━━━━━━ ✦
ساد سكونٌ ثقيل في غرفة الاستقبال، حتى بدا صوت احتكاك أظافر الإمبراطورة ببعضها صاخبًا ومزعجًا. كانت عيناها تتوهّجان بقوة بينما تغرس أظافرها في جلدها.
تعلم تمامًا نظرة والدها لها… نظرة رجل يرى ابنته مجرد أداة فاشلة.
وفي تلك اللحظة، فُتح الباب بهدوء.
عادت كاريس، وصحِبتها خادمة تحمل زجاجة من الخمر وكأسين.
ابتسمت الإمبراطورة ببرود وهي تحدق في الخادمة.
“ما بالكِ واقفة بهذا الجمود؟ اقتربي وضعي الزجاجة هنا، على الطاولة.”
بدت نغمة صوتها رقيقة، لكن الهواء نفسه أصبح ثقيلاً.
بلعت الخادمة ريقها في رعب، واقتربت بهدوء، محاولة أن تضع الزجاجة والكأسين دون أن تُصدر صوتًا واحدًا.
لكن في اللحظة التي همّت فيها بالانسحاب…
“آه!”
خُطفت صرخة مذعورة من فمها، حين جذبتها الإمبراطورة فجأة من شعرها بقوة جعلت رقبتها تميل بعنف إلى الوراء.
صدح الصوت الجافّ في الغرفة المغلقة، كأن سكينًا شقت الهواء.
رأس الخادمة التف إلى أحد الجانبين من شدّة الضربة، لكن الإمبراطورة لم تكتفِ. بل صفعتها مرة أخرى… في الجهة الأخرى.
سقطت الخادمة أرضًا من شدّة الصدمة، فيما بدأ الدم ينزف من خدّها المُجروح بسبب الخاتم الحادّ الذي كانت ترتديه الإمبراطورة كريستينا.
لم يكن أمامها سوى الركوع تحت وطأة الرعب الساحق. لم تفهم سبب الضرب، ولا لماذا استشاطت كريستينا غضبًا. لكنها، تمامًا كغزال واجه وحشًا مفترسًا، لم تجد وسيلة سوى الخنوع والتوسل.
“أر… أرجوكِ يا جلالتك… أرحميني…”
لكن كريستينا لم تكن تنوي الاستماع.
راحت تغرز كعب حذائها العالي في ظهر الخادمة بقسوة متكررة، فيما تصاعدت صرخات الألم في أرجاء القاعة، دون أن يجرؤ أحد على التدخل أو الاقتراب.
استمرَّت حفلة العنف القاسي لفترةٍ مرهقة، حتى غابت الخادمة عن الوعي تمامًا.
عندها فقط، سحبت كريستينا خاتمها الملطخ بالدماء، ورمته باستهزاء خلفها. تدحرج على الأرض، فاقدًا بريقه، تمامًا كقطعة قمامة لا قيمة لها.
“كاريس.”
“نعم، جلالتك.”
أخفت كاريس توترها تحت قناعٍ من الجمود، تنتظر الأمر التالي.
“أحضري إستيفان إلى حضوري… حالًا.”
✦ ━━━━━━━ ⸙ ━━━━━━━ ✦
رغم أنّه ما يزال شهر فبراير، إلا أن أجواءالإقليم كانت تبعث الدفء كربيع مبكر.
السماء بدت عاليةً صافية، والسُحب البيضاء التي انسابت في الفضاء كانت ككرات قطنٍ طافية.
تسلّقت العربة طريقًا متعرجًا على التلال، ومعها انكشفت أمامهم إطلالة ساحرة: قصرٌ من الرخام الأبيض، وكأنه منحوت من قلب جبلٍ شامخ.
“ما أروعه…”
خرجت كلمات كارينتينا مفعمة بالإعجاب، وهي تحدّق بدهشة في القصر المتوهّج تحت ضوء الشمس.
بريق الرخام الأبيض أعطى انطباعًا وكأنهم يقتربون من معبدٍ سماوي، بينما بدت بيوت السكان أسفل التلة كأنها دمى صغيرة في لعبة فاخرة.
وكانت بوابة الحديد العظيمة مفتوحة، كما لو أنها ترحّب بعودة سيدها الحقيقي.
توقفت العربة بهدوء، وكان إيجنيس أول من ترجل منها.
أخرجت كارينتينا أولًا ستيلا، ثم استعدّت للنزول بنفسها.
وفجأة…
امتدت يدٌ كبيرةٌ أمامها دون سابق إنذار.
“أمسكي.”
كانت لا تزال ترتبك أحيانًا من لُطفه، ذلك اللطف المفاجئ الذي بدأ يتكرّر… بشكل يربكها.
“شكرًا، سموّ الأمير.”
أمسكت يده وهبطت من العربة بأناقة، لتُقابل بانحناءة الموظفين والخدم المُصطفين على جانبي الطريق ترحيبًا بإيجنيس .
وعلى مقربة، وقف داميان وشيون وليا، يلوّحون لها بابتساماتٍ دافئة.
“سموّ الأمير، مرحبًا بعودتك.
كارين، كيف كانت رحلتكِ؟”
“رائعة، أخي. وكانت ممتعة جدًا! بل… أحضرت شيئًا أودّ أن أريه لك.”
التعليقات لهذا الفصل " 64"