كانت جدران قصر الإمبراطورة كريستينا، المطلية بالذهب، تلمع ببريقٍ يكاد يُعمي البصر.
وعلى امتداد الردهة الطويلة، امتدّت حديقة القصر الداخلية بهيئة باهية… بفضل نثر الأحجار السحرية بعناية، تفتّحت الأزهار والأشجار بنضارة مدهشة، بينما افترشت الحشائش الخضراء الزاهية بساطًا وارفًا. وسط تلك الحديقة الواسعة، انبعثت ضحكات رقيقة من أفواه سيدات شابات يرتدين أثوابًا ساحرة.
في وسط طاولة مربّعة، جلس تنسيقٌ من الزهور بألوان شتّى، كانت الإمبراطورة كريستينا قد قامت بنفسها بترتيبه، فيما تصاعد البخار من أكواب الشاي الأسود العطري، ليمنح الأجواء لمسة من الفخامة والدفء.
أما حلوى الماكرون الملوّنة وكعكة التشيز كيك بالتوت الأزرق، التي صنعها رئيس طهاة القصر بكل عناية، فقد كانت كفيلة بأسر قلوب السيدات الصغيرات.
كانت العيون تلمع ببريق الترقب والفرح، إذ أن هذه كانت أول دعوة تُقام في صالون الإمبراطورة كريستينا بعد فترة طويلة من الانقطاع.
الفتيات، وهنّ من بنات كبرى العائلات النبيلة التي تستعدّ لحفل الديبيوتانت المرتقب، بدين كأزهار وردية تفتّحت لتوّها، ووجناتهن تزدان بحمرة الخجل. عندها، وضعت الإمبراطورة فنجانها برشاقة وتبسّمت برقّة، قبل أن تتحدث بصوتٍ ناعم:
“أشكركنّ على تلبية دعوتي. حين أُقابل أزهارًا متفتحة بهذا الجمال، أشعر أن شبابي يعود إليّ من جديد. أليس كذلك، كاريس؟”
“نعم، جلالتكِ.”
أجابت الوصيفة كاريس من خلفها، دون أن تظهر أيّ تعبير على وجهها، وهي تحني رأسها بانضباط.
ابتسمت الإمبراطورة كريستينا، بينما كانت السيدات الصغيرات يتبادلن نظرات ملؤها الطمع والتودّد. ولم يفت على الإمبراطورة ذلك.
محاولاتهن للتصنّع مثيرة للشفقة.
وبينما تدّعي الهدوء، عضّت الإمبراطورة شفتيها بخفة وهي تتفحّص كلّ فتاة على حدة، بينما نسيم رقيق يعبث بخصلات شعرها الأزرق الداكن.
جلسن باستقامة، يحاولن بكل حواسهنّ لفت انتباهها، فهنّ مقتنعات أن خطيبة الأمير الثاني، إستيفان، ستكون إحدى الحاضرات هنا.
ومن بينهن، كانت “ليديا موريس” —الفتاة الجالسة إلى جوار الإمبراطورة— تكتم ضحكتها بازدراء وهي تنظر لباقي الفتيات.
‘مكان إستيفان هو لي. لا أحد يجرؤ على منافستي.’
فهي ابنة اللورد موريس، سيد واحدة من العائلتين الدوقيتين الوحيدتين في الإمبراطورية، وشقيقها يعمل عن قرب مع دوق هورتون في الأعمال التجارية.
ورغم أنها لم تتسلّم بعد لقب الدوقة رسميًا، إلا أنّها تؤمن أن لا أحد بعد الإمبراطورة أرفع شأنًا منها.
عندها، تجرأت إحدى السيدات الشابات على الحديث بصوت خافت:
“جلالتكِ… أشكرك من أعماق قلبي على دعوتك إلى هذا الصالون الذي يشبه الحلم. ورغم تواضع إمكانياتي، فقد أعددتُ هدية صغيرة لجلالتك.”
ضاقت عينا ليديا بازدراء وهي تنظر لتلك “الثعلبة” التي سبقتها بالكلام، وتجرأت على سرقة دورها.
نظرت إلى الهدايا التي بدأت تُقدّم من الفتيات واحدة تلو الأخرى، وارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة. فالأدوار الأهم دومًا ما تُترك للنهاية.
“أوه، يبدو أن إمبراطوريتنا فاديلستان في أيادٍ أمينة بوجود فتيات بهذا الجمال واللطف.”
توالت الهدايا على الإمبراطورة: من زهرة نادرة جاءت من بلاد بعيدة، إلى حليّ ثمينة مرصّعة بالأحجار الكريمة، ومن تحف الخزف التي صنعها أشهر النحّاتين، إلى مخطوطات قديمة يصعب العثور عليها.
“يا لروعة هذه الهدايا… لكن الأروع منها هو جمال قلوبكنّ.”
قالتها الإمبراطورة كريستينا بملامح مشرقة، لكن عينيها ظلّتا باردتين، تخفيان الكثير من الجفاء.
فسرعان ما تبدّدت نظرات الثقة في عيون الفتيات واحدة تلو الأخرى.
عندها تقدّمت ليديا بابتسامة مغرورة:
“جلالتكِ، لقد أعددتُ أيضًا هدية مميّزة خصيصًا لك.”
“آه، ليديا… لطالما فاجأتني. سأنتظرها بشغف.”
ابتسمت كريستينا، بينما تقدّمت وصيفة خلف ليديا وقدّمت وعاءً زجاجيًا دائري الشكل.
“حوض أسماك؟”
“أجل، لقد كنت أدرس الأحياء البحرية مؤخرًا، وعثرت على هذه السمكة الساحرة، فأردت أن تكون بين يديك يا مولاتي.”
طبعًا، لم تدرس ليديا شيئًا من هذا القبيل. لكنها عرفت، بفضل والدها وعلاقاته الوثيقة بالإمبراطورة والدوق هورتون، أن للإمبراطورة هواية سرّية متعلقة بالبحر.
“إنها من نوع بيرتشييلو.”
قالتها الإمبراطورة كريستينا بابتسامة عريضة وهي تحدّق في السمكة داخل الحوض.
لكن هذه المرّة… لم تكن ابتسامة مجاملة، بل كانت حقيقية، دافئة، خرجت من قلبها فعلًا.
كانت السمكة ذات لون أزرق داكن جميل، يضاهي لون شعر الإمبراطورة وابنها إستيفان، وزعانفها الأنيقة تنبسط كأجنحة فراشة، في مشهد آسر يخطف الأنفاس.
“يا ليديا، لقد قدّمتِ لي هدية رائعة. أشكرك من قلبي.”
توسّعت ابتسامة ليديا، وارتفع ذقنها فخرًا، وهي تشاهد انحناءة عين الإمبراطورة بخفّة.
“هل تعلمين أن بيرتشييلو، رغم جماله، من أكثر الأسماك البحرية حساسية؟
ولقد أحضرتِه في حوض صغير بلا أداة سحرية تضخ الأوكسجين… أي أنه في طريقه للموت لا محالة.”
“أ-أنا… لقد أمرتُ الخدم بذلك، لكن يبدو أنهم لم يقوموا بالأمر كما يجب. أعذريني، جلالتك.”
تدفّق العرق البارد على ظهر ليديا، وراحت تمسك بطرف فستانها بإحكام لتخفي ارتعاش يديها.
“أحسنتِ في إدراك ما يسعدني… لكن لا يبدو أنك مهتمة فعلًا بالأسماك البحرية كما ادّعيتِ.”
ابتسمت الإمبراطورة كريستينا وهي تُلقي كلماتها التي تخفي سُمًّا خلف زهورها، لترفع أحد جانبي شفتيها في ابتسامة مغلفة بالاحتقار. أما ليديا، فخفضت رأسها بخزيٍ، يتآكلها الإحباط والخجل.
ما قالته كريستينا، لم يكن إلا فضحًا ضمنيًّا لميولها الشخصية أمام جميع النبيلات، بل وأكثر من ذلك، اتهامًا مبطّنًا بأن ليديا قدّمت سمكةً تماثل الأمير إستيفان والإمبراطورة في لونها، فقط لتراها تموت اختناقًا أمام الجميع.
وبينما جسد ليديا يرتجف، أزالت الإمبراطورة ابتسامتها الباردة ونظرت إليها بنظرة لا تخلو من احتقار.
“لقد غمرتني مشاعركنّ الدافئة وأنا في وحدتي بعد مغادرة الأمير. لقد أشعلتنّ نوري من جديد… شكرًا لكن.”
رنّ صوتها في أرجاء الحديقة كأنشودة ملكية، لكن الصقيع الذي خيّم على الأجواء لم يذُب بعد.
لم تُعجبني واحدة منهنّ… من كان ليظن أن لا أحد يليق بإستيفان؟
ثم…
اندفعت إحدى الوصيفات دون التزام بالآداب الملكية وهمست سريعًا في أذن الوصيفة كاريس، التي كانت دوماً جامدة الملامح، لكنها الآن اتسعت عيناها في ذهول.
“ما الأمر، كاريس؟”
“مولاتي… أظن أنه يجدر بكِ العودة إلى جناحكِ فورًا.”
“اليوم هو يوم الصالون الذي أعددته بعناية بعد طول انقطاع، فهل تطلبين مني أن أسيء لضيوفي من الزهور المتفتحة؟ إن لم يكن أمرًا جللاً، فافعلي ما ترينه مناسبًا دون أن تزعجيني.”
“لكن… لقد دخل دوق هورتون فجأة إلى اجتماع نبلاء طارئ.”
“اجتماعات النبلاء المفاجئة أمر شائع.”
“لكن هذه المرة… يبدو أن الأمر يتعلق بعودة وليّ العهد.”
“……!”
في تلك اللحظة، تكسّر الجمود الملكي على وجه كريستينا.
شعورٌ غريب بدأ ينهش قلبها منذ رأت تلك السمكة في الحوض… والآن تأكّد ظنها.
نهضت من مقعدها ببطء، ثم خاطبت الحاضرات بنبرة راقية:
“يبدو أن القصر على موعد مع نبأ جديد. سنجتمع مجددًا في وقت قريب… وسأدعوكن حينها إلى صالون آخر، هذه المرة سيكون إستيفان حاضرًا بيننا أيضًا.”
تلألأت وجوه السيدات الصغيرات، فدعوة جديدة من الإمبراطورة، وبحضور الأمير الثاني، كانت كالحلم.
نهضت الإمبراطورة كريستينا من مقعدها وغادرت المكان بخطوات متّزنة مهيبة، لا تفضح اضطرابها الداخلي، كأن شيئًا لم يكن.
لكن ما إن أُغلِق الباب خلفها حتى تغيّر كل شيء.
بانفعال مكتوم، التقطت المزهرية الذهبية من على الطاولة وألقتها على الحائط.
تحطّم –!
تبعثر الزجاج وزهور العطر الزكيّ على الأرض، وكأنها أشلاء غضبها المتفجّر.
“إيجنيس… ذلك الثعلب! يعود فجأة؟!”
أطلقت كلماتها من بين أسنانها وهي تغلي غضبًا، ثم استدارت إلى كاريس وأمرتها بصوت منخفض لكنه حاد كحد السيف:
“اكتشفي فورًا ما موضوع اجتماع النبلاء. ولماذا دخل والدي إلى القاعة دون سابق إنذار. لا تفوّتي تفصيلة واحدة.”
“أمرك، جلالتك.”
انحنت كاريس بسرعة وخرجت من القاعة مسرعة.
ثم اتّجهت الإمبراطورة كريستينا إلى الغرفة الصغيرة المتصلة بالصالة، حيث استقرّ حوض ماءٍ ضخم أشبه بقطعة من البحر نفسه.
وضعت يدها على الزجاج البارد، تُراقب أسماكها الملونة التي تسبح في سكينة ساحرة، محاولة تهدئة ذلك الاضطراب الذي يعصف بصدرها.
كلمة “وليّ العهد” وحدها، جعلت قناعها يتشقق. ويا للعار لو رآها أحد على تلك الحال.
لا بد أنّ الأمر بسيط… لو كان خطرًا، لأبلغتني رئيسة الوصيفات تيموسيا فورًا.
أعادت كريستينا ضبط أنفاسها، وخرجت من الغرفة إلى صالة الاستقبال. على الطاولة كانت الهدايا التي قُدّمت لها خلال الصالون ما تزال مصطفّة بعناية، والمزهرية المحطّمة قد اختفت تمامًا.
ثم توقفت فجأة.
السمكة بيرتشييلو التي قدّمتها ليديا، طافية الآن على سطح الماء… ميتة.
∞
“هل أعجبتكِ إلى هذه الدرجة؟”
قالها إيجنيس بنبرة حادة ممتزجة بانزعاج واضح، ما جعل كارينتينا ترفع رأسها نحوه ببطء.
“بالطبع! إنها صورة شخصية أصلية لبابا ليوناس نفسه… وليست نسخة! تخيّل!”
قالت ذلك مبتسمة، وهي تتذكر كيف ظهرليوناس فجأة بينما كانت تنتظر عند دائرة الانتقال السحرية…
التعليقات لهذا الفصل " 62"