اتسعت عينا إيجنيس بدهشة، ولم تلبث ملامحه أن أضاءت للحظة خاطفة.
إذن، تلك المرأة ذات الشعر الأسود لم تكن كائنة متسامية… بل كاهنة ذات طاقة مقدسة؟
تراءى له أن عجز رجاله عن إيجاد أي أثر لقوة سحرية قد يكون مبرَّرًا إن كانت كاهنة بالفعل.
لكن…
“مع الأسف، لقد توفيت تلك الكاهنة في حادث حريق منذ زمن.”
تجمّدت ملامح إيجنيس، وكأن شيئًا ثقيلًا سقط فوق صدره. الحماسة التي بدأت تتصاعد بداخله اختفت فجأة، ليخفق قلبه بخفةٍ غير مريحة.
“قلتَ إنها ماتت؟”
أومأ البابا ليوناس برأسه ببطء.
“نعم، كانت كاهنة ذات طاقة مقدسة خارقة، حتى أنني بنفسي كنت أعترف بموهبتها. لكن قبل وصول فرقة صائدي الوحوش إلى القصر الشمالي بعدة أشهر، لقيت حتفها في حادث حريق مأساوي.”
“هكذا إذًا…”
تنهد إيجنيس تنهيدة طويلة، وقد ارتسمت على وجهه ملامح الخذلان والأسى معًا.
“كنت أقدّرها كثيرًا أيضًا… على ما أذكر، فقد علمت الآنسة كارينتينا بفساد الكهنة أثناء بحثها عن تلك الكاهنة. سمعت أن فتى يدعى إد كان على علاقة وثيقة بها.”
“إد… تقصد إيديس؟”
“نعم. اسم الكاهنة هو إسديليا.”
إسديليا… إسديل… ليا…
في تلك اللحظة، قفز إلى ذهن إيجنيس اسم الأرنب القماشي الذي تحمله كارينتينا.
ألم يكن اسم ذلك الأرنب مشابهًا لهذا الاسم؟
ضحك سخرية من نفسه، وكأن الفكرة التي راودته لا تستحق التفكير أصلًا.
ما هذا الهراء؟ كيف يمكن لميتة أن تصبح دمية؟ وكيف لدمية أن تمتلك قوى مقدسة؟
حاول أن يتخلّى عن تلك الأفكار السخيفة، ووجّه سؤاله بهدوء إلى البابا:
“هل لم يُقم أحد من الكهنة الآخرين في الشمال؟”
أجاب ليوناس بهدوء:
“جميع الكهنة المرتبطين بالفضيحة، بما فيهم نائب الكاهن فيانو، لا يرقَون إلى قوة إسديليا، بل ليس بينهم أي امرأة. وغالبية الكهنة الشماليين يقبعون الآن في زنزانات هذا المعبد.”
أومأ إيجنيس برأسه، ثم تبادل مع البابا بعض الكلمات الإضافية قبل أن يغادر مسكنه.
مرت نسمة لطيفة تُداعب شعره، بينما كان يتجول في الممر الطويل محاولًا ترتيب أفكاره المشوّشة.
مرة أخرى، لم يحصل على أي معلومة ذات نفع بشأن تلك المرأة ذات الشعر الأسود.
الميتون لا يُمكنهم إنقاذ الأحياء.
لم تكن تلك المرأة كاهنة، على الأرجح. وحتى بين الكهنة المتورطين في الفساد، لم يكن هناك من يحمل ختم طاقته السحرية.
تنهد ببطء وتوقف وسط الممر.
“تباً…”
دون أن يشعر، وجد نفسه قد وصل إلى الحديقة الصغيرة، حيث التقى بكارينتينا من قبل.
رغم أن الحديقة كانت خالية ومعتمة، إلا أن صورتها ما زالت عالقة في ذهنه، واضحة كأنها تقف أمامه الآن. تذكر حين احتضنها… وقد احمرّت أذناه بحدة.
رائحتها كانت دافئة… ولمستها رقيقة كنسمة ربيع.
هل تناولت طعامها؟
كان قلبه يعتصر وهو يتخيلها تتنقّل هنا وهناك بجسدٍ نحيلٍ بهذا الشكل. لم يفهم لماذا تنتابه هذه المشاعر.
لكنه أدرك شيئًا واضحًا:
كان يحب أن تكون كارينتينا بجانبه. أن تمشي إلى جواره. أن تبتسم له، فتهتز أركان قلبه بجنون.
أراد أن يعرف عنها كل شيء.
ليس في الشمال، ولا في المعبد… بل في أرضه هو، في مقاطعته… حيث يمكنه رؤيتها وهي تضحك في منزله.
كانت صورتها وهي بين ذراعيه لا تفارق ذهنه، حتى أن ابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيه من فرط الارتباك.
✦
أما كارينتينا، فلم يكن لديها الكثير من الأمتعة، لذا همست إلى سيريا بخفة، وتسللت إلى الحديقة ذاتها التي التقت فيها غريغوري ذات مرة.
كان المعبد اليوم أكثر ضوضاءً من المعتاد.
“هل سمعتم؟! البابا قد اختار أخيرًا اللوحة التي ستُخلّد صورته!”
“أجل، سمعت أيضًا! يا إلهي، يمكننا الآن فتح المتجر من جديد! كدت أهاجر إلى مملكة أخرى من ضيق الحال. ويقولون إن صورته باللوحة رائعة بحق!”
“تبدو كما لو كانت حية، بحسب ما يقولون! لكن للأسف، الفنان الذي رسمها… توفي. وقد تم استدعاء الكيميائيين لحفظ اللوحة إلى الأبد في معرض المعبد.”
استمعت كارينتينا إلى تلك الأحاديث الفوضوية، وارتسمت ابتسامة هادئة على شفتيها.
إذًا… ليوناس وجد لوحات غريغوري. يا له من أمر رائع.
شعرت بالدفء يملأ قلبها حين فكّرت بأنها حققت أُمنية غريغوري.
لقد آمنت أن الذكريات الجميلة التي تنطوي في لوحة… قد تُنير حياة شخص ما.
تمنّت من قلبها أن يسطع ليوناس في مكانه كما أراد غريغوري.
نهضت كارينتينا بلطف، مسترجعة صوته الدافئ. حان وقت العودة إلى مسكن الكهنة.
لفحها نسيم عذب يحمل رائحة العشب، فألقت نظرة أخيرة على الحديقة…
حينها…
بووم!
“آه!”
اصطدمت بشخصٍ ما وسقطت أرضًا. شعرت بحرارة شديدة في جبينها من شدة الألم.
“أعتذر، سيدتي!”
جاء صوت رجل مهذب يترافق مع ظل داكن ألقى نفسه فوقها.
فركت كارينتينا جبينها وهي ترفع عينيها للأعلى.
كان هناك رجل يقف أمام الشمس مباشرة، يحدّق بها بصوتٍ مضطرب، وكأنّه لا يعرف ما يفعل.
لكن النور خلفه جعل ملامحه غير واضحة، مما دفعها لتضييق عينيها غريزيًا.
كان الشاب يفتح كفّيه ويقبضهما بتوتر ظاهر، عاجزًا عن الثبات في مكانه.
لكن كارينتينا هزّت رأسها بخفة. ما دام لا يوجد دم، فلا حاجة لاستدعاء كاهن من أجل مجرد تصادم بسيط.
“قلتُ لك إنني بخير. بل أنا من تصرّفت بلا انتباه.”
لكن فجأة، اندفعت يد مكسوّة بقفاز إلى أمامها.
“تمسّكي بي وانهضي.”
لم تجد كارينتينا بدًّا من الإمساك بيده والنهوض، لكن في اللحظة التي لمست فيها كفه، شعرت برجفة كهربائية مباغتة… فانتزعت يدها سريعًا.
ما هذا؟ هل كانت كهرباء ساكنة؟
تقطّبت ملامحها للحظة من الإحساس الغريب الذي ظلّ عالقًا في يدها، وما إن رفعت بصرها، حتى بدا وجه الشاب واضحًا للمرة الأولى.
كان يمتلك شعرًا أقرب إلى الأزرق الداكن، وعينين حمراوين تمامًا مثل عيني إيجنيس. رغم رداءه البسيط الذي بدا عليه الاهتراء، إلا أن ملامحه كانت ناعمةً وساحرة على نحوٍ أرستقراطي. ومن سلوكه المهذّب، بدا أنه رجل من إحدى العائلات النبيلة، جاء لزيارة المعبد أثناء رحلة الحج.
دونغ! دونغ!
رنّت أجراس المعبد الكبرى من بعيد، معلنة اقتراب موعد تفعيل دائرة الانتقال السحري. لم يعد هناك وقت، كان عليها الإسراع بالعودة.
“أعتذر مجددًا. وإن أردتِ تعويضًا… فقط اطلبي ما شئتِ.”
لكن كارينتينا ابتسمت ابتسامة هادئة، وهزّت رأسها برفق.
“لا بأس. لدي موعد الآن، لذا سأغادر. إلى اللقاء.”
انحنت بانسيابية، وهمّت بالرحيل، لكن الرجل تحرّك فجأة ليعترض طريقها بخجل.
“أ-أستطيع… أن أعرف اسمكِ؟ أنا… يُمكنك مناداتي بـ (بان).”
لم يذكر اسم عائلته… لا بد أنه لا يرغب في كشف هويته. بدا رجلًا غريبًا بحق.
كان وسيمًا ويتحدث بلطف… فلماذا تشعر بانقباض عجيب في صدرها نحوه؟
عيناه الحمراوان البريئتان تذكّرانها بستيلا… هل لأن لديهما لون العين نفسه؟
تنهدت كارينتينا بصمت، قبل أن تنطق بهدوء:
“تيـنا… فقط تينا.”
وما إن التقت عيناها بعينيه مباشرة، حتى احمرّت أذنا (بان) كالجمر، وسرعان ما غطى وجهه بيده وانحنى خجلًا.
ثم ودّعته بخفة واستدارت تمضي، لكن صوته لحقها من الخلف:
“آنسة تينا! إن التقينا مجددًا… فسأقدّم لكِ تحية رسمية حينها!”
توقّفت كارينتينا بخفة، واستدارت خلفها… لكنه كان قد اختفى، كأنما لم يكن هناك منذ البداية.
“كارين!”
استدارت على الفور عند سماع الصوت المألوف، لترى ستيلا وإيجنيس يركضان نحوها من بعيد.
“ما الذي تفعلينه وأنتِ سارحة هكذا؟”
كان وجه إيجنيس متجهّمًا ومتضايقًا، ملامحه قد عبست بشدّة وكأنما انقبض قلبه.
إن استمرّ على هذا الحال، سيضيع جمال وجهه الوسيم بسبب التجاعيد.
الغريب أن الشاب الغريب جعلها تشعر بعدم الراحة، بينما تعبيرات إيجنيس المتكدّرة لا تجلب لها سوى الضحك.
متى أصبحت بهذه الأُلفة معه؟
وفي خضم دفء تلك الأُلفة، تسلّلت إلى قلبها رعشة خوف… ماذا لو اكتشف سرّها؟ كيف ستكون ردة فعله؟
تمسّكت بيد ستيلا وبدأت بالسير ببطء إلى جانبها.
“اصطدمت برجل غريب، والغريب أنه قال إننا سنلتقي مرة أخرى… كأنّ الأمر بديهي!”
عبس وجه إيجنيس أكثر مما كان، وكأن داخله يتفجّر.
لم يكن الأمر يقتصر على البابا ليوناس فقط، بل بات هناك أيضًا رجال غرباء يدورون حول كارينتينا كالحشرات… وكان هذا بحد ذاته أمرًا يدفعه للجنون.
وهي الآن ترتدي مجرد رداء بسيط… فماذا لو حضرت حفلة الديبيوتانت؟
حفلة الديبيوتانت هي تقليد غربي، بدأ في نيويورك عام 1954، وتنتقل إلى دول أخرى، بما في ذلك لبنان. وهي حفلة راقصة يشارك فيها فتيات من أسر ثرية، حيث يرتدين فساتين بيضاء ويظهرن لأول مرة في المجتمع الراقي. الهدف المعلن من الحفل هو جمع التبرعات لأغراض خيرية، لكنه أيضًا وسيلة للعائلات لعرض فتياتهن والبحث عن عرسان أثرياء.
شعر بدوار مفاجئ.
تلك الوحوش الحقيرة قد تجرؤ على النظر إليها بأعينهم القذرة؟! لا… سأقتلهم جميعًا!
“بالمناسبة، أين سيريا؟ أين ذهبت؟”
“كارين، هل تتوقعين أن نجد سيريا هنا؟”
قالت سيتلا بحدّة، بينما كانت كارينتينا تتلفّت حولها. عندها رمقها إيجنيس بنظرة راضية.
‘ما الذي يجعل كارينتينا تهتم بمساعدتي إلى هذا الحد؟’
نظرات الشقيقين الساحرين كانت تضغط على أعصاب كارينتينا، فتلعثمت وقالت:
“فقط… آه! تذكّرت شيئًا. ذلك الشاب… كان لون عينيه مماثلًا لعينيك يا صاحب السمو. هل لون العينين الأحمر شائع إلى هذا الحد؟”
“عينان حمراوان؟”
تقطّب جبين إيجنيس. رغم تنوّع ألوان العيون في الإمبراطورية، إلا أن الأحمر منها لم يكن شائعًا على الإطلاق.
“لكن… بصراحة، لون عينيك أنتِ وستيلا هو الأجمل.”
قالتها كارينتينا ببراءة تامة، ثم تابعت السير مع ستيلا دون أن تلاحظ ما فعلته بكلماتها.
أما إيجنيس… فقد تجمّد في مكانه كتمثال من الجليد.
هل قالت إن عينيّ جميلتان؟
رغم أنها ذكرت ستيلا أيضًا، إلا أن إيجنيس تجاهل هذا التفصيل تمامًا.
من خلفها، تسلّل إليه عبير زهر البنفسج الذي اعتاد أن يرافقها… ذلك العطر الذي كاد يقتله شوقًا.
آه… إنها تُعذّبه دون أن تدري.
في تلك اللحظة، لم يعد هناك مجال للهرب. لم يعُد بإمكانه أن يتجاهل مشاعره.
لقد فهم الآن…
‘أنا… أحب كارينتينا.’
ضربات قلبه كانت تهدر كالرعد، تكاد تخترق صدره. ذلك الإحساس… كالسم الذي يسري في العروق بلذّة مميتة.
كم حاول أن يضع حدودًا… كم حاول أن يتجاهل…
لكن تلك المشاعر التي لطالما أنكرها، انفجرت الآن دفعة واحدة كالسيل الجارف في صدره.
حدّق بإمعان في كارينتينا وهي تبتعد بخطواتها المتهادية… تمسك بيد ستيلا.
كانت…
كأول حبٍّ يُبهر البصر كشعاع شمسٍ يتسلل عبر نافذة القلب.
التعليقات لهذا الفصل " 61"