الفصل 33 :
“نعم. بالطبع! لو لم يكن الأمر يخصّ جلالتك، فلماذا سأحتاجه أصلًا؟!”
“…….”
اتّخذ أكسيل تعبيرًا غامضًا للغاية، لا يمكن قراءة مشاعره منه. ثم فجأة، مدّ يده نحوي دون أن يقول كلمة واحدة.
……ما معنى هذا؟ وبينما كنتُ أدوّر عينيّ بحذرٍ محاوِلةً فهم المقصود، وضعتُ يدي برفق فوق يده الممدودة.
عندها، تحرّك حاجبا أك٦سل حركة خفيفة.
هاه؟ أهذا ليس المقصود……؟
وبينما كنتُ أُعيد سحب يدي إلى الخلف، أمسك أكسيل بيدي وانتزع الخاتم المعلّق في إصبعي السبّابة. أطلقتُ صوتًا متفاجئًا قصيرًا.
“أ، آه؟”
“لا يمكن ارتداء خاتمٍ لا نعرف حتى أيّ نوعٍ من السحر منقوشٌ عليه. سآخذه معي للتحقيق.”
كانت كلماته وتصرفه حاسمين إلى درجة أنّني لم أستطع سوى الإيماء برأسي موافقة.
“حسنًا، جلالتك.”
“إذًا، حان الوقت لننهض.”
قال ذلك وهو ينهض من عند النافورة واقفًا.
“الآن؟ بالفعل، جلالتك؟”
“أن تقولي (الآن) مع أنّ الوقت قد تأخّر أصلًا أمرٌ غريب.
سأوصلكِ بنفسي، فانهضي.”
عند نبرته الحازمة، عبستُ بشفتيّ وبرزت إلى الأمام. صحيح أنّ الوقت تأخّر، لكن فراقه بهذه السهولة كان مخيّبًا للآمال.
“قد يكون الأمر عاديًا بالنسبة لجلالتك، لكنني لم أرك منذ وقتٍ طويل جدًا، وهذا لا يكفيني أبدًا! ألا يمكننا البقاء قليلًا بعد؟”
“لم آتِ إلى هنا للتنزّه، يا آنستي الدوقة. لن يفيدكِ الإلحاح.”
“……ألا ترى أنك قاسٍ أكثر من اللازم؟”
“إن أردتِ أن تستهلكي لقاءنا القادم اليوم، فافعلي.”
شعرتُ بإصراره الشديد على إعادتي إلى المنزل. تنفّستُ تنهيدة قصيرة وأنا أرفع رأسي لأنظر إليه بعينٍ ضيّقة، وقد تملّكني شعورٌ بالغيظ لا مفرّ منه.
“نظرتكِ وقحةٌ جدًا……فهل ستأتين أم لا، يا آنستي الدوقة؟”
كان قد تقدّم بضع خطواتٍ، ثم التفت ليسألني. وبوجهٍ متجهّم، نهضتُ مسرعة ولحقتُ به.
ضيّقتُ عينيّ وسألته بنبرة إلحاح.
“أنت تحاول إعادتي بإلحاحٍ شديد…… هل أزعجك وجودي إلى هذه الدرجة؟ هل كنتَ مرتاحًا أكثر حين لم أكن موجودة، مثلًا؟”
توقّف أكسيل عن السير، ونظر إليّ بنظرةٍ هادئة. وفي اللحظة التي فتح فيها فمه، هززتُ رأسي بسرعةٍ وسددتُ فمي بيدي.
“لا، لا! لا تُجب. أظنني سأُصاب بجرحٍ عميق إن سمعتُ الإجابة.”
“ولِمَ؟ وكيف عرفتِ ما الذي سأقوله؟”
“لا حاجة لأن أسمعه. واضحٌ تمامًا! ستقول شيئًا مثل: (ولِمَ تسألين أمرًا بديهيًا كهذا، يا آنستي الدوقة؟) أليس كذلك؟!”
قلّدته بوجهٍ جامد ونبرةٍ باردة مثل نبرته، فانفجر ضاحكًا بخفّة. ومن كونه لم يُنكر، بدا واضحًا أنني أصبتُ كبد الحقيقة.
ضيّقتُ عينيّ أكثر، وبرزت شفتيّ بامتعاضٍ شديد.
“هل تعلم كم حاولتُ مراعاة جلالتك طوال هذه الفترة؟
لم آتِ لزيارتك عمدًا خشية أن أزعجك، وتحملتُ الكثير!”
“لا أذكر أنني طلبتُ منكِ مراعاتي أصلًا.”
آه، هكذا إذًا……
تقدّمتُ خطوة وتجاوزتُه لأقف أمامه، وأعلنتها بلهجة تحدٍّ.
“ستندم على استفزازي. استعدّ من الغد، جلالتك. سآتيك كل يوم، إلى أن تملّ مني! ولا تحاول أن تطلب مني التوقف!”
“هذا…… مخيفٌ حقًا. إنه أخطر تهديدٍ سمعته في حياتي.”
“ت، تهديد؟! ثم ماذا إن كان مخيفًا؟ أليس من المفترض أن تشعر بالحماس لأنّ امرأةً جميلةً مثلي ستزورك يوميًا؟ كيف يكون هذا تهديدًا؟!”
قفزتُ في مكاني وأنا أحتجّ، فابتسم أكسيل ابتسامةٍ خفيفة وقال بهدوء.
“ربما يختلف الأمر بحسب من يستقبله.”
من طريقته في الابتسام، كان واضحًا أنه يستمتع برؤيتي أغلي غضبًا.
أخذتُ نفسًا عميقًا. في مثل هذه اللحظات، يجب ألّا أدعه يهزّني. عليّ أن أوجّه هذا الحماس المشتعل إلى الاتجاه الصحيح.
قلتُ له بصوتٍ منخفض.
“……لقد اتخذتُ قرارًا الآن.”
“وما هو؟”
“سأجعل الدوق الأكبر يقع في حبي مهما كلّف الأمر!
سأفعل ذلك حتى لا يكون كلامي تهديدًا، بل جلالتك هو من سيطلب مني أن أزوره!”
لكن رغم عزيمتي المشتعلة، لم يُعر أكسيل الأمر اهتمامًا يُذكر. نظر إليّ نظرةً عابرة، كما لو كان يشاهد كلبًا ينبح.
“حسنًا، أتمنى أن يتحقّق هذا الحلم العظيم.”
“أنا جادّة! سأفعلها فعلًا، جلالتك. انتظر وشاهد!”
“إذًا، ألن تأتي؟ قد تشرق الشمس بهذا المعدّل.”
“آه، كيف تسبقني وأنت تسمعني أتكلّم؟ جلالتك! فلنذهب معًا!”
***
وفاءً بوعدي أن أظهر أمام أكسيل كل يوم، وصلتُ إلى مكتبه مجددًا كعادتي.
طرقتُ الباب. طَرْق، طَرْق.
لكن لم يصدر أيّ صوتٍ من الداخل.
عادةً، كان زينون أو شويان يفتحان الباب، أو يطلب أكسيل مني الدخول، لكن هذه المرة لم يكن هناك أي رد.
استغربتُ الأمر وأملتُ رأسي جانبًا.
ما هذا؟ أين ذهب الجميع؟ لكن حسب الجدول، لا توجد مواعيد خارجية اليوم……
“حسنًا، سأعرف حالما أدخل!”
تجاهلتُ التفكير أكثر، ووضعتُ يدي على مقبض الباب.
“المعذرة…… سأدخل.”
فتحتُ الباب بهدوء ودخلت، لكن المكتب كان ساكنًا على غير العادة. لم يكن زينون ولا شويان في الأرجاء.
وبينما كنتُ أتفحّص الداخل بعناية، وقع بصري على أكسيل، متكئًا على الكرسي، وعيناه مغمضتان.
عند رؤيته، بدأ قلبي يخفق بعنف.
‘……هل كان نائمًا؟’
أكسيل نائمًا……! مشهدٌ لم أره قط من قبل.
هدّأتُ أنفاسي المتسارعة، واقتربتُ منه بخطواتٍ حذرة للغاية كي لا أوقظه.
وبالتفكير في الأمر، بدا الجميع مشغولين للغاية بالأمس، ولهذا عدتُ إلى المنزل مبكرًا. هل سهر هنا طوال الليل؟ كان وجهه يبدو أكثر إرهاقًا من المعتاد.
آه، ما هذا……
شعرتُ بالشفقة عليه للحظة، ثم أخرجتُ الكاميرا بهدوء.
الشفقة شيء، والصورة شيءٌ آخر. كان لا بدّ أن أخلّد هذا المشهد اليوم مهما كان.
إن لم أفعل الآن، فلن أراه مجددًا حتى موعد زفافي. تردّدتُ لحظة قبل الضغط على الزر، لكنني لم أتراجع.
‘لا يوجد قانون يمنع تصوير شخصٍ نائم……!’
كانت رموشه الطويلة واضحة، خصلةً خصلة. من عينيه العميقتين، إلى أنفه الحاد، وصولًا إلى شفتيه المغلقتين بإحكام، لم يكن هناك موضعٌ واحد لا يشعّ جمالًا.
كنتُ أحبس أنفاسي تقريبًا، ألتقط الصور بكل تركيز، مستنفدةً كل حسّي الفني لضبط الزاوية والضغط على زر الغالق.
كم صورة التقطت؟
“هيهي.”
ابتسمتُ برضا وأنا أتفحّص الصور، ثم خطرت لي فكرةٌ فجأة.
……أليس هذا هو الوقت المثالي؟
عندما يذهب المرء إلى حفلات توقيع المشاهير، يحمل المعجبون دائمًا أشياء معينة. مثل عصابات الرأس أو الإكسسوارات المختلفة.
نظرتُ إلى أكسيل بنظرةٍ ماكرة، وابتلعتُ ريقي. في داخلي، كان صراعٌ عاصف يدور.
إن لم يكن الآن، فربما لن تتاح لي فرصةٌ أخرى لأُلبسه مثل هذه الأشياء. اليوم هو الفرصة الوحيدة.
التعليقات لهذا الفصل " 33"