كنتُ أُثرثر بحماسةٍ عن مدى قدريّة لقائنا، وفجأةً توقّفت حركته تمامًا. كأن أحدهم أصابَه في مقتلٍ صامت.
وحين لم أسمع أيّ ردّ، استغربتُ، فالتفتُّ لأنظر إلى أكسيل.
“سموك؟”
“……ما، ما الأمر؟”
تظاهر بالتماسك، لكنه بدا على غير عادته في غاية الارتباك. رأيتُ ذلك فملتُ برأسي متحيّرة. ما الذي قد يربك أكسيل إلى هذا الحد؟
وعندها انتبهتُ إلى أمرٍ ما. كان مظهره مختلفًا قليلًا عن المعتاد. كما كنتُ أنا أرتدي عباءةً لإخفاء هويتي، كان أكسيل بدوره يرتدي عباءةً سوداء فوق زيه الرسمي.
ضيّقتُ عينيّ وأنا أحدّق فيه.
السبب الذي جعلني لا ألتقي به ولو مرة واحدة اليوم…… لا تقل لي……!
وفي اللحظة التي بدا فيها وكأنني أدركتُ الحقيقة، فتح أكسيل فمه على عجل.
“ذلك، يا آنستي الدوقة. في الحقيقة—”
“فهمت!”
قاطعتهُ وأنا أومئ برأسي بقوّة.
“كنتَ تتحرّك سرًّا بمفردك لتطهير الجرائم التي تقع خلسةً داخل المهرجان، أليس كذلك يا سموّك؟!”
“……ماذا؟”
دون أن أرى تعبير وجهه المذهول، واصلتُ كلامي بحماس.
“لهذا لم أستطع العثور عليك في المهرجان. كنتَ هنا طوال الوقت. أليس كلامي صحيحًا يا سموّك؟”
“…….”
“سموّك؟”
“……لم أكن أظنّ أنكِ ستكتشفين هذا الأمر.”
هل كان وقع انكشاف أمره صادمًا إلى هذا الحد؟ أخذ أكسيل يمسح وجهه بيديه وكأنه يحاول استعادة رباطة جأشه.
وبينما كنتُ أستمتع بلحظة فخري بتحليلي المثالي، قلتُ له بهدوء.
“لا تقلق. لن أخبر أحدًا.”
“……كح، حسنًا. أشكرك.”
مرّت نسمة هواءٍ لطيفة على خدّي. هل نجحتُ في استراتيجية ‘الحنان’؟ لا أدري لماذا، لكنني شعرتُ أن أكسيل يعاملني بلطفٍ غير معتاد اليوم.
حتى الأجواء بدت مناسبة. شعرتُ أن هذا هو التوقيت المثالي ليقبل بنيّتي الخبيثة.
‘إن لم أستغل الفرصة الآن، فمتى؟!’
هذه الفرص نادرة. وبعد أن شجّعتُ نفسي، تحرّكتُ فورًا.
كنتُ جالسةً على حافة النافورة، فملتُ قليلًا إلى جانبه وأسندتُ رأسي على كتفه بخفّة. وأضفتُ تمثيلًا متقنًا من العيار الثقيل.
“آه، يا سموّك. يبدو أن التوتر الذي شعرتُ به قبل قليل بدأ يزول الآن، ولهذا أشعر بأن قوّتي تخور قليلًا…….”
“لو كان الأمر كذلك، لما بدوتِ خائفة أصلًا، بل كنتِ تتحدّثين ببراعة. يا آنستي الدوقة، أخيرًا بدوتِ كما أعرفكِ.”
“……آه، هل سمعتني؟”
“ولِمَ؟ هل كان من المفترض ألا أسمع؟”
“ليس هذا، لكن…… لو سمعتَ، فلن يبقى لديّ مبرّرٌ لأتصرف هكذا.”
“هل كنتِ تخطّطين لإخفائه أصلًا؟”
“لا.”
ابتسمتُ ببراءةٍ وأنا أنظر إلى أكسيل الذي رمقني بنظرةٍ مشكّكة. وحين التقت أعيننا، فتح فمه مجددًا.
“مع ذلك، من الأفضل ألا تتصرّفي بتلك الطريقة مرةً أخرى. أقول هذا الآن، لكن تصرّفكِ قبل قليل كان متهوّرًا جدًا. هل تعلمين؟ إثارة الطرف الآخر دون وجود فارسٍ مرافق تصرّفٌ خطير، وأرجو أن تتذكّري ذلك جيدًا.”
رمشتُ بعينيّ بذهول وأنا أستمع إلى حديثه الطويل. نظر إليّ من فوق، وارتفع حاجبه بانزعاج.
“……آنستي الدوقة، هل تسمعينني؟”
“هل… أنتَ تقلقٌ عليّ الآن؟”
كان كلامه أشبه بقلقٍ صريح. قطّب أكسيل حاجبيه باستغراب.
“وماذا كنتِ تظنّين أنني أفعل طوال الوقت؟”
“لا شيء…… فقط لم أصدّق. أن تقلق عليّ يا سموّك……!”
“لم أكن أعلم أنكِ ترينني شخصًا باردًا لا يعرف القلق.”
“آه، لا! ليس هذا قصدي!”
“إذن؟”
تردّدتُ قليلًا، ثم ضحكتُ بخفّة وأنا أنظر إليه.
“كنتُ فقط سعيدةً لأنك تقلقٌ عليّ.”
“……أشياء غريبة تُسعد الناس فعلًا.”
“مع ذلك، رغم امتناني لقلقك، فإن ما تخشاه لم يكن ليحدث.”
“وكيف لكِ أن تجزمي بذلك؟”
“لأنني استعددتُ لمثل هذه الحالات!”
وأريته بثقة الخاتم المعلّق في سبّابة يدي اليمنى.
عبس قليلًا.
“هذا…….”
“خاتم منقوشٌ بالسحر. أخبروني إن عليّ استخدامه إذا اقترب أشخاصٌ مريبون. لا أعرف نوع السحر المنقوش فيه تحديدًا، لكن…….”
“……أخبروكِ أن تستخدميه؟ أهذا أيضًا من صديقكِ الساحر الغريب؟”
“هاه! كيف عرفت؟!”
عند إجابتي المندهشة، أظلم وجه أكسيل قليلًا، وإن كان بطبيعته قليل التعابير. أما أنا، فلم أُعر الأمر اهتمامًا، وواصلتُ الكلام.
“كنا سنأتي إلى المهرجان معًا اليوم، لكنه اعتذر لانشغاله وأعطاني هذا الخاتم. لحسن الحظ لم أضطر لاستخدامه!”
“أعطاكِ خاتمًا…….”
“نعم!”
أجبتُ بمرح. وبعد صمتٍ قصير، سألني أكسيل بصوتٍ أخفض من المعتاد.
“يُقال إن البرج السحري مليئ بالمجانين غريبو الأطوار. هل تعلمين ذلك؟”
“غريبو الأطوار…… أممم، نعم. بصراحة، يبدو فعلًا غير طبيعي.”
“ومع ذلك، وبمعرفتكِ بهذا، أخذتِ شيئًا لا تعرفين حتى نوع السحر المنقوش فيه، وارتديتِه؟ ذلك الشخص الذي بالكاد تعرفينه، ماذا لو أراد إيذاءكِ؟”
كان صوته حادًّا، كمن يوبّخ طفلًا متهوّرًا. وعندما التفتُّ، رأيتُ أكسيل ينظر إليّ بوجهٍ متصلّب للغاية.
وفي اللحظة التي هممتُ فيها بالدفاع عن نفسي، اخترق أذني صوته البارد كالجليد.
“أرى أنه من الأفضل ألا تلتقي بأشخاصٍ لا يمكن الوثوق بهم بعد الآن.”
كانت تلك الكلمات كالصاعقة بالنسبة لي.
أن أتوقّف عن لقائه……؟! إذًا ماذا عن بطاقاتي المصوّرة، وأداة التصوير فائقة الدقّة؟ ومن سيتحمّل مسؤوليتها من الآن فصاعدًا؟!
صحيح أنني أوافق جزئيًا على قوله إنه غير جدير بالثقة، لكنني لا أستطيع التخلّي عن نوكسي. كنتُ راضية تمامًا عن الأدوات السحرية التي يمنحني إيّاها.
بل إن العثور على موهبةٍ مثله الآن يبدو مستحيلًا. وفوق ذلك، لا يطلب مالًا، يكفي أن ألتقي به أحيانًا.
يا لها من كفاءةٍ مذهلة!
صحيح أنني لم أرتح له في البداية، لكنني الآن في غاية الرضا.
مجرد التفكير في أنني لن أحصل بعد الآن على بطاقات مصوّرة أو أدوات تصوير، جعل السماء تنهار فوق رأسي.
أكسيل بدقّةٍ عالية……!
لا، لا يمكن……!
ومن شدّة الصدمة، تصلّب وجهي دوّن وعيّ وقلتُ بحزم.
“آه. هذا مستحيل تمامًا!”
وبسبب انفعالي، لم ألحظ تصلّب تعبير أكسيل.
“……هل قلتِ مستحيل؟ وما السبب؟”
“لأنني بحاجةٍ إليه من أجل البطاقات المصوّرة وأداة التصوير!”
“البطاقات المصوّرة…… هل تقصدين تلك القصاصات الورقية؟”
“قصاصات؟! يا سموّك! كـ، كيف تقول هذا؟! إنها مصدر حياتي، نوري، وأملي! كلها من أجل أن أحتفظ بكَ فيها! كيف تقول هذا لي؟!”
كنتُ قد تحوّلتُ تمامًا إلى وجهٍ باكٍ، أمسك بذراعه وأفرغ غضبي. بل بدا أكسيل هو المرتبك هذه المرة.
“كيف تطلب مني أن أعيش دونها؟ بفضلها فقط أستطيع الاستمرار في تصويرك! لا، لا يمكن! هذا الأمر لا يمكنني التنازل عنه أبدًا يا سموّك! أنتَ لستَ معي كل يوم، فكيف تسلبني هذا أيضًا؟ هذا قاسٍ جدًا!”
التعليقات لهذا الفصل " 32"