الفصل 31 :
“لماذا تعترضين يا أنستي الدوقة؟ إنه شخصٌ ألحق بكِ الأذى.”
كان وجهه المتصلّب يوحي بغضبٍ غريب.
“……لا تقولي إنكِ تنوين حمايته؟ إن كان هذا ما تفكّرين به، فالتخلّص منه قد يكون…….”
عند سؤال أكسيل، فزعتُ ورددتُ بسرعة.
“حمايته؟ مستحيل! كيف تقول ذلك يا صاحب السمو!”
“إذن، لماذا اعترضتِ؟”
“لأن أذني تؤلمني. إنه صاخبٌ أكثر من اللازم، ولا يصدر أيّ صوتٍ يُحتمل سماعه.”
وكأنَّ الفكرة لم تخطر بباله قط، لان وجه أكسيل المتجمّد قليلًا. أومأ برأسه موافقًا على كلامي.
“صحيح، هذا صحيحٌ فعلًا.”
“أليس كذلك؟”
مقارنةً بالأصلع الواقف بجانبه، كان الرجل الآخر أكثر هدوءًا. راح يُدير عينيه محاولًا فهم الوضع، ومع سماعه حديثنا، أخذ وجهه يشحب شيئًا فشيئًا.
“آنستي… دوقة؟و، وصاحب السمو……؟”
“ألا تسمعني؟! أسألكم من أنتم! تظنون أنكم ستخرجون سالمين بعد أن فعلتم بذراعي هذا؟!”
على عكس ذاك الأحمق الذي كان لا يزال يصرخ وكأن به طاقةٌ لا تنفد، بدا أن الآخر قد استوعب الموقف. حاول تهدئته بتوتر، لكن لا فائدة.
“ه، هيه…… توقّف. أيها المجنون……!”
“توقّف عن ماذا؟! آه، اتركني! قلتُ اتركني! سأُبلّغ عن هذا كله! أفهمت؟ سأُبلّغ!”
ومع عودة الضجيج، كدتُ أعبس، لكن في تلك اللحظة أخرج أكسيل سيفه بسرعةٍ خاطفة.
وفي غمضة عين، وُجّه النصل الحاد إلى عنق الرجل. وأُغلق الفم الذي كان يثرثر بلا توقفٍ في لحظةٍ واحدة.
“ه، هِيك……!”
“التبليغ، إذًا…… حسنًا. يبدو الأمر ممتعًا. إن استطعتَ، فجرّب وبلّغ.”
حدّق أكسيل فيه بنظرةٍ باردة.
“كنتُ أتساءل أيهما أسرع، بلاغك، أم حكمي بالتنفيذ الفوري.”
في الإمبراطورية، لم يكن يملك سلطة الإعدام الفوري سوى شخصين فقط. أحدهما، بطبيعة الحال، جلالة الإمبراطور المهيب. والآخر هو……
ما إن سمع الرجل ذلك، حتى شحُب وجهه تمامًا. وأخيرًا، أدرك من يقف أمامه.
“أ، أعتذر! لم أكن أعلم أنني أسيء إلى شخصٍ جليلٍ كهذا……!”
وقد غيّر الرجل موقفه في لحظة، راكعًا على ركبتيه من شدّة الرعب. لكن رغم اعتذاره، لم يرمش أكسيل بعينه حتى.
“هل هذا كل ما تنوي قوله أخيرًا؟ مبتذل.”
وقد أيقن الرجل أن رقبته ستُقطع إن بقي ساكنًا، فألقى بورقته الأخيرة. ضرب رأسه بالأرض بقوة، وتحرك فمه بلا توقف. كانت مقاومة يائسة للتشبث بالحياة.
“……أعترف بأنني لم أتعرف على الدوق الأكبر وتصرّفتُ بوقاحة. لكن، أليس الحكم بالإعدام الفوري بسبب هذا أمرًا مبالغًا فيه؟”
“مبالغٌ فيه؟”
ظنّ الرجل أن مجرد الاستماع إليه دون أن يُشهر السيف يُعد فرصة، فسارع بالكلام مجددًا.
“ن، نعم! لم يكن الأمر سوى احتكاكٍ بسيط مع تلك المرأة العامية!”
“اشرح.”
ومع كلمة أكسيل، امتلأ الرجل ثقة، وبدأ ينسج الأكاذيب بلا تردّد.
“في الحقيقة، هي من اقتربت منا أولًا. قالت إنها تريد اللهو معنا، ونحن لم نفعل سوى الموافقة.”
“إذن، ما تفسير رفعك ليدكَ في النهاية؟”
“ذ، ذلك لأن تلك الماكرة بدأت تشتمنا فجأةً وتقول إننا لا نُعجبها. فاندفعتُ دوّن وعيّ ورفعتُ يدي فقط لأُخيفها قليلًا. أقسم أنني لم أنوِ ضربها أبدًا.”
بعد لحظة صمت، سأله أكسيل.
“هل تستطيع تحمّل مسؤولية ما تفوّهتَ به الآن؟”
“بالطبع! وإن كان هذا كذبًا، فلك أن تأخذ حياتي!”
“هكذا إذًا…….”
وقد ظنّ الرجل أن الكفّة مالت لصالحه، فصرخ عاليًا ليحسم الأمر. كان واثقًا من النصر، مطأطئ الرأس بابتسامةٍ سوداء، حين دوّى صوت كالصاعقة.
“إذن، لا خيار سوى أن نأخذ حياتكَ وفقًا لما قلتَ.”
“ماذا؟! م، ما معنى هذا—!”
وعندما رفع الرجل رأسه أخيرًا، التقت عيناه بعيني أكسيل. وفي تلك اللحظة، شعر وكأن أنفاسه توقفت.
نظرةٌ قاتلة، وكأنه يريد تمزيقه حيًا. متى كان ينظر بهذه الطريقة؟
وانطلق صوتٌ منخفض، مثقل بالغضب.
“لم تكتفِ بمحاولة الاعتداء على نبيلة، بل تجرأتَ على الكذب والإهانة. يبدو أن كبدكَ قد خرج من مكانه.”
تلعثم الرجل بعينين ممتلئتين بعدم التصديق.
“ن، نبيلة؟ لا تقل لي……!”
في تلك اللحظة، خرجتُ من خلف أكسيل بخفّة. ابتسمتُ بعينين مغمضتين ولوّحتُ بيدي للرجل المذهول.
“نعم، صحيح. أنا من عائلةٍ نبيلة.”
ومع تأكيدي لظنّه، رأيتُ اليأس يتسلّل إلى وجهه تدريجيًا.
وبينما أراقب ذلك، كدتُ أضحك ضحكةً شريرة. آه، ما أروع هذا الشعور. إن رغبتي في تعذيبه أكثر تؤكد أنني شريرةٌ بالفطرة.
أما الرجل الآخر، الذي ظلّ صامتًا يراقب، فقد ركع وهو يشير إلى رفيقه صارخًا.
“أ، أنا لا علاقة لي به! أنا بريءٌ تمامًا!”
“هيه……!”
وبينما كنتُ أشاهد صداقتهما المضحكة تنهار، التقطت عيناي حركةً ما فجأة.
سحبتُ ذراع أكسيل وقلتُ.
“سموك، هناك أشخاصٌ مثلهم هناك أيضًا. يحاولون جرّ امرأةٍ وحيدةٍ بالقوة.”
ولعلهم شعروا بأن الأجواء غير طبيعية، فقد بدأوا ينسحبون خلسة.
ابتسمتُ لهم ابتسامةً عريضة وأنا أراقبهم يفرّون. فلنرَ كيف يبدو تحقيق العدالة عليكم.
***
في النهاية، أُلقي القبض حتى على أولئك الفارّين، واقتادتهم فرقة الفرسان.
“إذن، سننسحب الآن يا صاحب السمو.”
ومع التحية الأخيرة لأكسيل، اختفى جميع من كانوا حولنا. وأخيرًا، حلّ السلام.
رفعتُ رأسي قليلًا ونظرتُ إليه.
كنتُ مشتّتة قبل قليل فلم أستطع التحديق به جيدًا، لكن أكسيل الذي أراه الآن، وكعادته، كان في أوج وسامته. لا، بل يبدو أنه ازداد وسامةً……
كنتُ أحدّق به شاردةً، ناسِيَةً ما أردت قوله، حين سمعت صوته المنخفض.
“أودّ أن أعتذر لكِ عمّا تعرّضتِ له من إزعاج. أنا آسف، يا آنستي الدوقة.”
استعدتُ وعيي عند سماع اعتذاره الصادق، وسألته بدهشة.
“ماذا؟ لماذا تعتذر يا صاحب السمو؟”
“لأنني ركّزتُ فقط على الأماكن المزدحمة، فحدث هذا. كان يجب أن أضع في الحسبان أن الحراسة ستضعف هنا. كل هذا خطئي.”
كنتُ أظن أن ملامحه بدت قاتمةً قليلًا، لكن لم أتوقع أنه يشعر بهذا القدر من الذنب. يا له من رجلٍ كامل، خُلقًا كما مظهرًا.
“أنا بخير، يا صاحب السمو. لا داعي للاعتذار! الخطأ خطأ الأوغاد الذين ارتكبوا الأذى. ما ذنبك أنت؟!”
وعندما بدأتُ أدافع عنه بحماسة، انفجر أكسيل بضحكةٍ قصيرة.
في الحقيقة، لم أكن أتوقع ظهوره المفاجئ أصلًا.
‘لا بد أنه القدر…….’
ناديتُه بوجهٍ جاد.
“يا صاحب السمو…….”
“ما الأمر؟ هل تشعرين بألمٍ ما؟”
“لا، ليس ذلك. فقط كنتُ أفكّر قبل قليل. وأظن أن مصيرنا واحد.”
“……فجأةً؟”
“وإلا كيف تفسّر أن تظهر في التوقيت المثالي وتنقذني؟
لم تكن تراقبني طوال الوقت، ومع ذلك!”
أقول لك، لا بد أن هذا هو القدر.
التعليقات لهذا الفصل " 31"