كانت أوديت، التي كانت تُخرج صوره وتنظر إليها، قد انحنت فجأة وقبّلت إحدى الصور.
حتى بالنسبة له، كان ذلك تصرّفًا يراه للمرة الأولى.
تفاجأ لوهلة من تصرّفها المفاجئ، ثم خرجت منه ضحكةٌ فارغة وهو يدرك أنها كانت تقوم بمثل هذه الأفعال خلف ظهره دون أن يدري.
هل عليه أن يقول إن هذا التصرّف يليق بها، لأنها شخصٌ يستحيل توقّع أين سيتجه سلوكه؟
لو أن شخصًا آخر فعل ذلك، لكان قد شعر بالانزعاج حتمًا، لكن الغريب أن ما تفعله هي لم يزعجه إطلاقًا. بل على العكس……
وبينما كان مستغرقًا في أفكاره، حدث ذلك. انطفأت جميع الأضواء التي كانت تُنير مقاعد الجمهور، وبدأ العرض.
***
ما إن انتهى العرض، حتى تتابعت الهتافات والتصفيق الحار من الجمهور المتجه أنظاره نحو المسرح.
كان أكسيل متكئًا على الدرابزين، مسندًا ذقنه إلى يده وهو ينظر إلى المسرح، ثم تمتم بملل.
“أخيرًا انتهى.”
يبدو أن المسرحيات الغنائية لا تناسبه فعلًا.
لكن، وعلى عكس أكسيل، كانت أوديت تتابع المسرحية حتى نهايتها، بعينين متلألئتين ويدين مشبوكتين بإحكام.
كانت مندمجة إلى حد أن جسدها مال إلى الأمام مع اقتراب نهاية العرض. كان من الممتع مراقبة تعابير وجهها التي تتغيّر في كل لحظة.
وليس من المبالغة القول إن بفضلها فقط استطاع تحمّل الوقت المتبقي. هل يمكن لأشياء ليست سوى تمثيل غير حقيقي أن تكون ممتعة إلى هذا الحد؟
والآن بعد أن فكّر بالأمر، تذكّر أن زينون قال قبل فترة إن مسرحًا شهيرًا في العاصمة يعرض مسرحية غنائية معروفة……
ألقى نظرة خاطفة على أوديت مرةً أخرى، فوجد عينيها تلمعان. في تلك اللحظة، خطرت له فكرة أن الحجز المسبق ليس خيارًا سيئًا.
“كيااااه! الأختان جميلتان جدًا! لا تدخلا! أيتها البطلة، تزوّجيني!”
‘……ماذا؟’
تجهّم وجهه لا إراديًا عند سماع ذلك الصوت. تساءل لوهلة إن كان قد سمع خطأ، لكن حتى بعد إعادة السمع، كان واضحًا أن صاحبة الصوت هي أوديت.
……زواج؟ ما الذي تقوله؟
وفوق ذلك، كانت تلوّح بحماسة بمنشور ملفوف، ووجهها محمّرٌ بشدّة، تمامًا كما تفعل عندما تواجهه هو. بالنسبة له، الذي كان يظن أنها لا تُظهر هذا الجانب إلا له، لم يكن المشهد أقل من صدمة.
لكنها لم تتوقف عند هذا الحد.
“كياااه! أيتها الأخت، أنتِ رائعة جدًا! لا تذهبي إلى أي مكان، ابقي هنا وعيشي معي!”
كانت تصرخ بتلك الكلمات القادرة على قلب معدة أكسيل رأسًا على عقب، بلا أي تردّد، وبملامح في غاية السعادة والحماس.
تصلّب وجهه، وحاول جاهدًا أن يشغل أفكاره بشيء آخر. أقنع نفسه بأنها مجرد كلماتٍ تقال دون أيّ نيةٍ حقيقية. لكن، وكأنها تسحق آماله عمدًا، جاءه ما لم يكن يريد سماعه.
“آه، حقًا؟ الآنسة أودي! تشرفتُ بلقائكِ. في الواقع، سمعتُ قبل قليل الآنسة أودي وهي تصرخ في وجه الممثلين. كنتِ تقولين: تزوّجيني، أليس كذلك؟ لم تكوني جادة، صحيح؟”
عند سؤال المقدّم، شعر أكسيل بتوتر غير مفهوم. نظر إلى أوديت وهمس في داخله.
‘قولي إنكِ لستِ جادة. لا يمكن أن تكون كذلك.’
لكن الجواب الذي سُمِع أخيرًا كان.
“لا! كيف تقول ذلك؟ كنتُ جادةً تمامًا!”
“لكن، بما أنكِ قلتِ إنكِ جادة، فلماذا تُديرين ظهركِ للممثلة كيشيان؟ بل وتقفين بعيدًا عنها أيضًا. أليس هذا تناقضًا في كلامك؟”
“……لأ، لأنني خجولة. إنها متلألئة جدًا لدرجة أنني لا أستطيع النظر في عينيها.”
قالت ذلك وهي تغطي وجهها فعلًا بخجل. لم تُبدِ أمامه هو مثل هذا التفاعل ولو مرةً واحدة. بل كانت، إن صح التعبير، وقحةً بلا تردد.
ومع ازدياد شعوره بالضيق، أصبح مزاجه أكثر سوءًا. لأن ردود فعلها بدت وكأنها تُحب تلك الممثلة حقًا.
‘من تكون البطلة حتى تُظهر الآنسة مثل هذا التفاعل؟’
بعد انتهاء العرض بالكامل فقط، بدأ أكسيل يتفحّص وجه البطلة عن كثب. وما إن تعرّف على الممثلة، حتى انقبضت عيناه بدهشة لا تُصدّق.
‘كيشيليان؟ كيف لها أن تكون هنا؟’
كانت واحدةً من الأشخاص الذين يعرفهم أكسيل. كان يتساءل عمّا كانت تفعله، لكنه لم يتوقع أبدًا أنها تستخدم اسمًا مستعارًا مثل كيشيان وتؤدي عروضًا هنا.
طرق أكسيل بأصابعه على الدرابزين. وبدأ إيقاع الطرق يتسارع شيئًا فَشيئًا.
تمنى أكسيل أن تنزل أوديت عن المسرح عند هذا الحد، لكن الأمور لم تسر كما أراد.
“تقول الممثلة كيشيان إنها ستًعيد تمثيل المشهد الأخير مرة أخرى. رجاءً استقبلوها بتصفيقٍ حار!”
‘اللعنة…….’
لم يكن يعرف لماذا يشعر بهذا القلق الشديد. وهكذا، بينما كانت أوديت على المسرح، أُعيد تمثيل المشهد الأخير.
ومع اقتراب المسافة بين كيشيليان وأوديت، وفي اللحظة التي شاهد فيها شفتيها تلامسان خد أوديت. صدر صوت كاد يَطحن الحديد، بينما كان الدرابزين المعدني الذي يمسكه يتشوّه تحت قبضته.
“كيشيليان…….”
كان متأكدًا أن كيشيليان فعلت ذلك عمدًا. لأن عينيهما تلاقتا قبل أن تلامس الشفاه الخد. وكان يتذكر بوضوح زاوية عينيها المنحنية بسخرية، وكأنها تستفزه.
كان ذلك التصرّف الخفيف المستفز، كما هو دائمًا، باقٍ دون تغيير.
***
بعد أن أُسدل الستار تمامًا، كان أكسيل يلاحق أوديت مجددًا، لكنه فقدها هذه المرة.
“……إلى أين ذهبت؟”
في الظروف العادية، لما حدث هذا. لكن بسبب موعد الألعاب النارية، تجمّع الناس فجأةً بأعداد كبيرة، فضاعت منه.
وبعد أن جاب المكان طويلًا، عثر عليها أخيرًا أمام النافورة في وسط الساحة. كانت أوديت تقف وبجانبها رجلان. وكانت عباءتها قد نُزعت عنها، وكأن أمرًا ما قد حدث.
كان الجو يوحي بمشادةٍ غير طبيعية، وبينما كان أكسيل يقترب منهم. سُمع صوت أوديت، بصوتٍ لم يعتد سماعه منها من قبل. كان صوتًا باردًا، ممتلئًا بالانزعاج.
“أظنني قلتُ قبل قليل ألا تُكلّمني. هل قدراتكَ على التعلّم ضعيفة؟ لماذا تواصل الحديث معي؟”
“……ماذا؟ أنتِ، ماذا قلتِ الآن……!”
“سألتَ لماذا أرفض، صحيح؟ سأجيبك الآن. هناك عدة أنماط من الناس أكرههم. الأشخاص الذين يواصلون الإلحاح بلا خجل رغم الرفض. الأشخاص الذين يرفعون صوتهم فورًا عندما لا تسير الأمور كما يريدون. والأشخاص الذين لا يملكون سوى ثقة زائفة بلا أي أساس. أنا أكره هذا النوع أكثر من أي شيء. وأنتَ، للأسف، تنطبق عليك جميعها دون استثناء. ليست شروطًا سهلة، ومع ذلك حققتها كلها. تهانينا.”
“آه، وبالمناسبة، أنا أحب الأشياء الجميلة من الناحية الجمالية، وأنت بعيد جدًا عن ذلك أيضًا.”
“هذه السافلة……!”
وفي اللحظة التي ارتفعت فيها يد جاهلة إلى السماء. تقدّم أكسيل في لمح البصر، وأمسك بتلك اليد ولفّها بقسوةٍ. سواء صرخ الرجل أم لا، لم يتردد أكسيل لحظةً واحدة.
كيف يجرؤ، ومن يظن نفسه الآن؟
“ماذا تظن نفسك تفعل؟”
***
هذا الصوت، لا تقُل لي……!
عندما أدرت رأسي، رأيتُ أكسيل ينظر إليهم بوجهٍ لم أره بهذه الشراسة من قبل. إنه أكسيل حقًا!
شعرت وكأن بصري الذي كان قد هرب من البيت قد عاد فجأة. وعلى وجهي الذي فقد ابتسامته منذ زمن طويل، ارتسمت ابتسامةٌ صادقة.
“جلالتك!”
وفي اللحظة التي صرخت فيها بفرح وأنا أناديه. بدأ الرجل يصرخ بأعلى صوته، حتى كادت الساحة تهتز.
“آآآآآه!! سأموت! أنقذوني! أنقذوني!”
عند ذلك الصوت المزعج الذي ضرب أذنيّ كصافرة إنذار، عقدت حاجبيّ. لماذا صوته عالٍ إلى هذا الحد بلا داعٍ؟ حقًا، إنه أسوأ نموذج بشري من جميع النواحي.
ولأنني لم أعد أتحمّل، أمسكت بذراع أكسيل وسحبته برفق. وفي اللحظة نفسها، أرخى أكسيل قبضته عن يد الرجل.
وما إن تحرّر، حتى سحب يده بسرعة وهو يئن ممسكًا بذراعه.
“أوخ، ذراعي……! مَن، من أنت؟! من أنت حتى تظهر فجأةً وتفعل بي هذا؟!”
لكن سواء صرخ الرجل غاضبًا أم لا، لم يمنحه أكسيل حتى نظرةً واحدة. بل التفت نحوي مباشرة.
التعليقات لهذا الفصل " 30"