عندما أدرتُ رأسي، رأيتُ قرب النافورة نساءً أخرياتٍ كنّ محتجزاتٍ من قِبَل رجالٍ غريبين مثلي.
يبدو أنّهم تعمّدوا استغلال الوقت الذي يقلّ فيه عدد الناس بسبب الألعاب النارية، واقتربوا من النساء اللواتي كنّ بمفردهنّ.
كانوا أكثر تخطيطًا وسوءًا مِمّا توقّعت. بل إنّ بعض أولئك الرجال في الجهة الأخرى كانوا يمسكون بمعصم امرأةٍ ويحاولون جرّها إلى مكانٍ ما.
‘أولئك الأوغاد……!’
في اللحظة التي هممتُ فيها بالتقدّم لإيقافهم، أمسك بي مجدّدًا الرجل الأصلع. كان واضحًا أنّه قد انفجر غضبًا، إذ قبض على يده المرتجفة بشدّة، وحدّق بي بعينين محمرّتين.
“هل جُننتِ؟ إلى أين تظنّين نفسكِ ذاهبة؟ أتعتقدين أنّكِ ستعودين سالمةً بعد أن تتفوّهي بمثل هذا الكلام في وجوهنا؟”
والآن بعد أن فكّرتُ بالأمر، في روايات الرومانسيّة الخياليّة كانت الأمور السيّئة تقع دائمًا في مثل هذا التوقيت. لم أتوقّع يومًا أنّني سأختبر ذلك بنفسي، لكن…
بدلًا من أن أشعر بالخوف أمام نوبة غضبه، وجدتُ نفسي أضحك بسخريةٍ. من المفترض حقًّا أن يغضب الآن؟ من الذي يهدّد من؟
وإن كان هناك ما يمكن اعتباره أمرًا مُطمئنًا، فهو أنّ الغبي الآخر لم ينضمّ إليه في هذا التصرّف.
وبجانب الرجل الذي كان يصرخ ويهيج، كان الآخر يحدّق بصدمةٍ واضحة ويتمتم:
“أنا… أنا في العشرين من عمري…… آه، أن يُقال لي إنني عمٌّ…….”
في الحقيقة، صُدمتُ أنا أكثر من كلامه. آه، لا… هذا الوجه في العشرين من عمره؟ كيف؟ هذا غير قابلٍّ للتصديق إطلاقًا.
“هل طلبنا منكنّ مالًا؟ هل فعلنا شيئًا؟ قلنا فقط لنلعب قليلًا معًا، هل هذا صعب إلى هذه الدرجة؟ لماذا، لماذا ترفضيننا هكذا؟ هاه؟ ألهذا الحدّ تحتقريننا؟ أن تُسفَّهينا له حدود! كيف تجرؤين على التفوّه بمثل هذا الكلام؟ كنّا نقول لكِ لطيفة، لطيفة، فتماديتِ بلا حدّ. أنتِ، أنتِ. اخترتِ الشخص الخطأ.”
لكن كلمات الرجل المليئة بالتهديد لم تصل إليّ على الإطلاق.
لو رآنا أحد، لظنّ أنّني أنا من افتعل الشجار مع أناسٍ مسالمين. مع أنّهم هم من ظلّوا يلاحقونني بإلحاحٍ رغم رفضي المتكرّر، فلماذا هذا الانقلاب في الحقائق؟
كان الأمر سخيفًا لدرجة أنّ الغضب لم يعد يزورني. كلّ ما أردتُه هو إزالتهم من أمام عيني بأسرع وقت.
‘لم أكن أظنّ أنّني سأضطرّ لاستخدام هذا…….’
لم تعد عيناي الصافيتان قادرتين على تحمّل رؤية المزيد منهم، وكأنّهما تصرخان طلبًا للنجدة.
تعمّدتُ استفزازه.
“أظنّ أنّني قلتُ لك قبل قليل ألّا تكلّمني، أليس كذلك؟
هل قدرتك على التعلّم ضعيفةٌ إلى هذا الحدّ؟ لماذا تستمرّ في الكلام؟”
“……ماذا؟ ماذا قلتِ الآن؟!”
“سألتَ لماذا أرفضكم، أليس كذلك؟ سأجيبك الآن.
هناك عدّة أنماط من الناس أكرههم. الأشخاص الذين يلاحقون الآخرين بلا ذوق رغم الرفض، الذين يبدؤون بالصراخ فورًا عندما لا تسير الأمور وفق أهوائهم، والذين لا يملكون سوى ثقةٍ فارغة بلا أيّ أساس. أكره هذا النوع أكثر من أيّ شيء، وأنت تنطبق عليك كلّ هذه الصفات دون استثناء. لذلك أكرهك. ليست شروطًا سهلة، ومع ذلك حقّقتها جميعًا. تهانينا.”
صفّقتُ له بخفّةٍ وابتسمتُ ابتسامةً واسعة. ثم أضفتُ بصوتٍ منخفض:
“آه، وبالمناسبة، أنا أحبّ الأشياء الجميلة من الناحية الجماليّة، وأنت بعيدٌ عن ذلك تمامًا.”
ظلّ الرجل واقفًا بوجهٍ شارد، ثمّ أدرك متأخّرًا معنى كلامي، فتلوّن وجهه بين الأحمر والأزرق. كان يشبه علجومًا سامًّا ثائرًا، ما جعلني أقطّب حاجبيّ.
لم أكن أعلم أنّ بالإمكان أن يصبح أكثر قبحًا من هذا. إن كان هذا موهبة، فهي موهبةٌ بالفعل.
فتح عينيه الصغيرتين بالقوّة وحدّق بي، ولم يكن الشعور مريحًا إطلاقًا. رأيتُ عضلات وجهه ترتجف بعنفٍ وهو يعجز عن كبح غضبه.
في هذا التوقيت، بدا وكأنّ الضرب — العلامة التجاريّة لأشرار الدرجة الثالثة — سيظهر في أيّ لحظة.
“سأريكِ حقًّا……!”
وفي اللحظة التي رفع فيها الرجل يده عاليًا نحوي، كما توقّعت تمامًا—
***
اليوم الأخير من المهرجان.
كان من المفترض أن يتولّى أكسيل إدارة وتنظيم حركة المرور في المهرجان، لكنّه في تلك اللحظة كان قد أوكل جميع مهامه إلى مرؤوسيه، واختبأ في مكانٍ ما يراقب شخصًا بعينه.
‘……إنّها هناك.’
كانت قد لفّت جسدها برداءٍ طويل، وكأنّها تحاول إخفاء هويّتها، لكن ذلك لم ينطلِ على أكسيل. من نظرةٍ واحدة، أدرك أنّها أوديت.
يا له من مهرجانٍ سخيف، كان واضحًا من خطواتها وحدها كم كانت مستمتعة.
ارتسمت ابتسامةٌ خفيفة على شفتيه دوّن وعيّ، لكنّه بدأ في الوقت نفسه يراقب محيطها بعناية.
‘……لا يمكن إنها قد جاءت مع ذلك الساحر، أليس كذلك؟’
رغم أنّ زينون أبلغه أنّ الآنسة ستأتي وحدها، إلّا أنّ أكسيل لم يستطع التخلّي عن حذره.
لحسن الحظ، لم يكن هناك من يبدو مرافقًا لها. وفي اللحظة التي شعر فيها براحةٍ غريبة، استدارت أوديت فجأة ونظرت في هذا الاتجاه.
اختبأ أكسيل بسرعة.
‘هل كُشفت؟’
بدأت دقّات قلبه تتسارع. هل رأتني؟ تدفّق القلق داخله، لكن بعد أن مالت أوديت برأسها قليلًا، ومضت في طريقها من دون أن تكتشفه.
“هاه…….”
تنفّس أكسيل الصعداء. حتى في ساحات القتال، لم يشعر بمثل هذا التوتّر. كان إحساسًا نادرًا بحقّ.
واصل السير خلفها لبعض الوقت، ثمّ شعر فجأة بشيءٍ من الشكّ تجاه تصرّفاته.
توقّف أكسيل فجأةً وعبس بشدّة.
“……مهلًا، ماذا أفعل الآن بالضبط؟”
كان قد قرّر في البداية التأكّد فقط من وصولها بسلام، ثمّ العودة فورًا. لكن على عكس خطّته، كان الآن يتبعها كفرخ بطةٍ صغير.
هذا أشبه بـ……
أدرك أكسيل سبب انزعاجه من نفسه.
أليس هذا تصرّف مطارد؟
حتى أوديت نفسها، التي كانت تتبعه باستمرار، لم تفعل أمرًا كهذا. لو كانت تتبعه علنًا لكان الأمر مختلفًا، لكن…
تلقّى أكسيل صدمةً كبيرة من إدراكه لتصرّفاته اللاواعية. ما دام قد وعى الأمر الآن، كان عليه أن يعود.
لكن……
رغم أنّه كان يعلم ذلك عقليًّا، لم تتحرّك قدماه.
ظلّ واقفًا قابضًا على يده في صراعٍ داخلي، ثمّ وجد في النهاية ذريعةً لتبرير أفعاله.
هزّ أكسيل رأسه.
……لا، ليس كذلك. هذا من أجل الآنسة.
كانت أوديت قد غادرت الدوقيّة خلسةً من دون أيّ فارسٍ مرافق. ماذا لو صادفت شخصًا مشبوهًا في هذه الحالة؟
سيؤدّي ذلك حتمًا إلى فوضى كبيرة داخل الإمبراطوريّة وخارجها.
لا يمكن السماح بحدوث ذلك.
هو فقط يتبعها لحمايتها. لا مشاعر شخصيّةٍ هنا.
……حقًّا.
أوّل مكانٍ توجّهت إليه أوديت كان المسرح المُقام في الساحة.
‘مسرحيّةٌ موسيقيّة؟’
تذكّر أنّها ذهبت معه لمشاهدة مسرحيّة موسيقيّة أيضًا في لقائهما الأوّل.
‘حتى في مكانٍ كهذا جاءت لمشاهدة عرض؟ هل كانت تحبّ المسرحيات الموسيقيّة أصلًا؟’
لم يتذكّر أنّه سمع شيئًا كهذا من قبل.
وبينما راوده هذا التساؤل، لاحظ حركتها وهي تجلس في المقاعد.
كانت تتحرّك قليلًا، وعندما دقّق النظر، وجدها تُخرج شيئًا من حقيبتها.
كاميرا؟
أخرجت صورةً له، ورفعتها باتّجاه المسرح، ثمّ التقطت لها صورةً بالكاميرا.
ضيّق أكسيل عينيه.
ما الذي تفعله؟ بل الأهم… هل تحمل صورتي معها دائمًا؟
كانت تصرّفاتها غير مفهومةٍ إطلاقًا بالنسبة له. نظرت إلى الصورة التي التقطتها، ثمّ أومأت برأسها برضاٍ واضح.
التعليقات لهذا الفصل " 29"